أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - الذين عادوا إلى القبيلة














المزيد.....

الذين عادوا إلى القبيلة


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8721 - 2026 / 5 / 30 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


كان اسمه فؤاد حنّا.
في الزنزانة كانوا ينادونه "الرفيق" أحياناً، على سبيل السخرية أكثر مما هو احترام. أما هو، فلم يعد يعترض منذ زمن.

كان في أواخر الخمسينات، أصلع الرأس تقريباً، بعينين حادتين لا تهدآن أبداً. وجهه يحمل ذلك النوع من القسوة التي لا تولد مع الإنسان، بل تتراكم فوقه عاماً بعد عام، مثل طبقات غبار سوداء.

دخل الزنزانة بعد أسبوع تقريباً من وصول يوسف.

وفي الليلة الأولى، همس أبو خليل: هذا كان من أهم الشيوعيين في المدينة.

نظر يوسف إليه بدهشة. كان يتوقع شيئاً مختلفاً، رجلًا يشبه الصور القديمة للمناضلين، هادئاً، مثقفاً، مثالياً.

لكن فؤاد بدا أقرب إلى ضابط ميليشيا متقاعد. حتى جلسته كانت عدائية.

جلس قرب الحائط، أشعل سيجارة بعصبية، ثم بدأ يشتم الطوائف كلها تقريباً خلال عشر دقائق.

راقبه يوسف بصمت. ولاحظ أن "الأستاذ" يتجنبه عمداً.

بعد أيام، بدأت الحكاية تتكشف تدريجياً. كان فؤاد، في شبابه، واحداً من الوجوه اللامعة في الحزب الشيوعي. خطب في المصانع، قاد مظاهرات، دخل السجن أكثر من مرة، وحفظ عن ظهر قلب نصوص ماركس ولينين وغرامشي.

كان يؤمن أن الطائفية مرض برجوازي صغير سيختفي تلقائياً حين تنتصر العدالة الاجتماعية.

وكان يسخر من الناس الذين يسألون عن الدين والطائفة. يقول لهم دائما: العامل الجائع لا طائفة له.

ثم جاءت الحرب الأهلية. وهنا، كما قال "الأستاذ" لاحقا: بدأت النظريات تتعفن أمام الدم.

في البداية حاول فؤاد أن يبقى مخلصاً لفكرته القديمة. لكن الحرب كانت أقوى من الكتب. قُتل أخوه على حاجز طائفي. اختفى ابن عمه. ثم أُحرقت الحارة التي عاش فيها طفولته. وبالتدريج، بدأ شيء ما ينكسر داخله. في البداية صار يتحدث عن "الخوف المشروع". ثم عن "حق الجماعة في الدفاع عن نفسها". ثم صار يبرر المذابح الصغيرة. ثم كبر الخراب داخله أكثر. وفي النهاية، انضم إلى الميليشيا نفسها التي كان يعتبرها قبل سنوات عدوا للإنسانية والتقدم.

قال مرة ليوسف وهو يضحك بمرارة: في الحرب الأهلية، الجميع يعودون إلى قبائلهم القديمة… حتى الذين قرأوا هيغل.

في إحدى الليالي، دار بينه وبين "الأستاذ" نقاش طويل.

كان البرد قاسياً، والرجال ملتفون ببطانياتهم الرثة، بينما ضوء الممر الأصفر يتسرب من أسفل الباب الحديدي.

قال فؤاد بعصبية: الكلام عن الإنسانية رفاهية… الإنسان الحقيقي يظهر حين يخاف.

رد "الأستاذ" بهدوء: لا. الإنسان الحقيقي يظهر حين يمتلك القوة.

ضحك فؤاد ساخراً وقال: وهل رأيت أحداً يبقى أخلاقياً وسط المجازر؟

أجاب "الأستاذ": نعم… لكنهم نادرون جداً.

أشعل فؤاد سيجارة أخرى، وكانت يداه ترتجفان قليلًا رغم محاولته إخفاء ذلك. ثم قال: أنتم المثقفون تحبون الكذب على أنفسكم. حين تبدأ الحرب، لا يبقى يساري ولا قومي ولا ليبرالي. يبقى فقط: من يشبهك… ومن سيقتلك.

ساد الصمت.
كان يوسف يستمع إليهما كمن يشاهد مستقبله البعيد.

قال "الأستاذ" بعد لحظة: لا… الذي يبقى حقاً هو مقدار الخراب الذي سمحتَ للخوف أن يصنعه داخلك.

نظر فؤاد نحوه طويلاً، ثم ابتسم ابتسامة متعبة جداً. وقال: أنت تتحدث هكذا لأنك لم ترَ ابنك مذبوحا.
ولأول مرة، صمت "الأستاذ".

لاحقاً، فهم يوسف أن أكثر ما كان يخيفه في فؤاد ليس طائفيته. بل أنه لم يكن غبياً. كان ذكياً، مثقفاً، ويعرف تماماً التناقض الذي وصل إليه. لكنه استسلم له بالكامل. كأن سنوات السجن والحرب والتعذيب قد طحنته تدريجياً، حتى لم يعد يرى البشر أفراداً، بل جماعات خائفة تتقاتل بلا نهاية.

وفي إحدى الليالي، قال ليوسف وهو ينظر إلى السقف المعتم: اسمع يا ولد… لا أحد يخرج سليماً من هذا الشرق. نحن جميعاً نحمل سجوننا وطوائفنا وحروبنا داخل رؤوسنا… حتى حين نظن أننا تحررنا منها.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المدرسة قبل 100 عام
- بلا عنوان
- كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
- حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
- حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
- بين الثقافة والسياسة
- حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
- مجتمع التفرد
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 3 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 2 ـ موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 1
- البروفيسور في وقت فراغه
- الخبث خلف الرثاء


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - الذين عادوا إلى القبيلة