أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - صفر بالمئة















المزيد.....

صفر بالمئة


علي دريوسي

الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 02:56
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أفكر في البقشيش ذلك المساء.
كنت قد أنهيت وجبتي، وكنت راضياً عنها. لم تكن الوجبة استثنائية، لكنها كانت جيدة، والخدمة كانت محترمة، والمطعم هادئاً.
طلبت الحساب. جاء النادل بجهاز الدفع، ووضعه أمامي. كانت الفاتورة 30 يورو.
أدخلت بطاقتي، وكدت أضغط زر الدفع، لكن الشاشة تغيّرت فجأة.
ظهرت أمامي ثلاثة أزرار كبيرة: 10% — 15% — 20%
توقفت. لم يكن السؤال: هل أعجبتك الخدمة؟ كان السؤال، على ما يبدو: كم تريد أن تدفع؟
نظرت إلى الشاشة قليلاً. كان هناك خيار آخر في الأسفل، أصغر من الخيارات الثلاثة، زر صغير يكاد يختبئ: لا أريد بقشيش.
ابتسمت في داخلي. وفكرت أن شيئاً ما قد تغير.
لم يكن الأمر يتعلق بالثلاثة يوروات أو الخمسة أو الستة. كان السؤال أكبر من ذلك بكثير. متى أصبح عليّ أن أبرر عدم دفعي للبقشيش؟
في الماضي، كنت أفهم البقشيش بطريقة بسيطة. إذا كانت الخدمة ممتازة، وإذا شعرت أن الشخص بذل جهداً إضافياً، أترك شيئاً فوق الحساب. لم يكن أحد يراقبني. ولم تكن هناك شاشة تنتظر مني أن أختار نسبة.
كان البقشيش آنذاك يشبه كلمة شكر. كان دائماً يحمل شيئاً من العفوية، وربما شيئاً من الامتنان.
أما الآن، فقد تغير شيء ما. أحياناً أشعر أنني لا أُسأل: "هل أعجبتك الخدمة؟" بل أُسأل: "كم ستدفع حتى لا تبدو بخيلاً؟"
أصبح البقشيش شيئاً يشبه العرف الذي لا تملك حق رفضه بسهولة. لا أحد يجبرني. لا أحد يقول لي: "يجب أن تدفع بقشيشاً". لكن الشاشة تفعل شيئاً أكثر هدوءاً. إنها تضع الأرقام أمامي: 10% — 15% — 20% ثم تنتظر.
وأنا أقف أمام النادل، والبطاقة في يدي، والشاشة بيننا. في تلك اللحظة القصيرة، لا أعود أفكر فقط في الخدمة. أبدأ أفكر في نفسي. ماذا سيظن عني إذا ضغطت على صفر؟ هل سأبدو بخيلاً؟ هل سيبدو أنني لم أقدّر عمله؟ هل سينظر إليّ بطريقة مختلفة؟
وفجأة، يصبح القرار الذي يفترض أن يكون اختيارياً سؤالاً اجتماعياً: كم يجب أن أدفع حتى لا أبدو سيئاً؟
وهنا بدأت المشكلة بالنسبة لي.
أنا لا أحب البقشيش، ولا أريد أن يصبح جزءاً إلزامياً من حياتي اليومية. لا أريد أن أدفع البقشيش في كل مرة أشتري فيها شيئاً. لكن هذا لا يعني أنني لا أقدّر العمل الجيد. على العكس تماماً. أنا أعرف أن وراء كل طبق يصل إلى الطاولة إنساناً عمل من أجله. وأعرف أن النادل قد يكون واقفاً منذ ساعات، وأن الطباخ قد يكون قضى يومه كله في حرارة المطبخ، وأن كثيراً من الأعمال التي تبدو بسيطة للزبون ليست بسيطة على الإطلاق.
أنا أحترم كل ذلك. لكنني أسأل سؤالاً بسيطاً: من المسؤول عن دفع ثمن هذا العمل؟
بالنسبة لي، الجواب واضح: صاحب العمل.
إذا كانت الوجبة تكلف ثلاثين يورو، فأنا أريد أن أدفع ثلاثين يورو. ويجب أن يكون السعر هذا محسوباً بحيث يستطيع صاحب العمل أن يدفع للعامل أجراً عادلاً.
لا أريد أن يكون راتب العامل موزعاً بين صندوق صاحب العمل وضمير الزبون. فالزبون ليس صاحب العمل.
أنا أشتري وجبة. أشتري خدمة. وأدفع ثمنهما. أما أجور العاملين وظروف عملهم، فهي مسؤولية من يملك العمل ويديره، وليست مسؤولية الزبون.
ومع ذلك، لا أريد أن أقتل البقشيش.
إذا قدم لي شخص خدمة استثنائية، أو أسعدني بابتسامة، أو بذل جهداً إضافياً، وإذا شعرت برغبة حقيقية في مكافأته، فسأترك له بقشيشاً. لكنني أريد أن يبقى هدية اختيارية. والهدية تفقد شيئاً من معناها عندما تصبح متوقعة. لا أريد للهدية أن تصبح ضريبة اجتماعية غير مكتوبة.
وهنا تكمن المشكلة في شاشة الدفع الحديثة. عندما تعرض أمامي: 10% — 15% — 20%، ثم تجعل خيار 0% صغيراً جداً كأنه شيء ينبغي أن نخجل منه، أو تخفيه خلف خطوة إضافية، فإن التكنولوجيا لا تعود مجرد وسيلة للدفع.
إنها تبدأ، بطريقة هادئة جداً، في توجيه سلوكي. ضغطاً صغيراً، ناعماً، غير معلن. لا يحتاج إلى أمر. فبعض الضغوط لا تحتاج إلى كلمات. يكفي أن تعرف أن هناك شخصاً يقف أمامك وينتظر.
ربما لهذا السبب بدأت أرى في شاشة الدفع شيئاً يتجاوز البقشيش. إنها صورة صغيرة لعصرنا.
نحن نعيش في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا تعرف كيف تجعلنا نختار. تعرض علينا الخيارات، وترتبها أمام أعيننا، وتكبر بعضها وتصغر بعضها الآخر، حتى نشعر أننا اخترنا بحرية، بينما كان الطريق إلى أحد الخيارات أسهل بكثير من الطريق إلى غيره.
لا أحد أجبرني على دفع عشرة بالمئة. لكن عشرة بالمئة كانت واضحة.
لا أحد منعني من اختيار الصفر. لكنه كان مختبئاً تقريباً.
وهنا سألت نفسي: هل يكفي أن يكون الخيار موجوداً حتى يكون الاختيار حراً؟
أعدت النظر إلى الشاشة. ثلاثة أزرار كبيرة. وخيار صغير في الأسفل. فكرت للحظة في النادل. ثم فكرت في العامل الذي سيحصل على راتبه في نهاية الشهر. ثم فكرت في شيء أبسط: أنا لست مضطراً إلى الشعور بالذنب لأنني دفعت ثمن ما اشتريت.
كانت الثلاثون يورو قد تحولت في رأسي إلى شيء آخر. لم أعد أفكر في قيمة البقشيش. كنت أفكر في معنى أن أقول: لا.
ليس «لا» للنادل. ولا «لا» للعمل الجيد. بل «لا» لفكرة أن عليّ أن أدفع شيئاً إضافياً حتى أثبت أنني إنسان كريم.
ضغطت على خيار: صفر بالمئة. ثم أكملت الدفع.
لم يحدث شيء. لم تتوقف الموسيقى. لم يتوقف العالم. لم يسقط سقف المطعم. ولم أصبح فجأة إنساناً أقل احتراماً للعمل أو أقل تقديراً للآخرين.
خرجت إلى الشارع. كان المساء قد بدأ يبرد. ومشيت وأنا أفكر أن المسألة، في النهاية، لم تكن مسألة ثلاثة أو خمسة أو ستة يورو. كانت مسألة أصغر بكثير، وأكبر بكثير في الوقت نفسه. كانت مسألة الاختيار.
فإذا كان البقشيش طوعياً فعلاً، فيجب أن يكون صفر بالمئة خياراً طبيعياً تماماً مثل عشرة أو عشرين بالمئة.
لا ينبغي أن نحتاج إلى الشجاعة كي لا ندفعه. ولا ينبغي أن نشعر بالخجل لأننا اخترنا ألا ندفعه.
صاحب العمل يدفع الراتب. الزبون يدفع الفاتورة. والبقشيش يُدفع عندما يريد الزبون فعلاً أن يدفعه.
أما الصفر؟ فليس إهانة. وليس جحوداً. وليس بالضرورة قلة احترام.
الصفر بالمئة أيضا اختيار.
وربما، في زمن المجتمعات الرقمية، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى أن نتذكر أن وجود الخيار على الشاشة لا يعني بالضرورة أننا اخترناه بحرية.



#علي_دريوسي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لماذا فشل التعليم الجامعي السوري في إنتاج مهندسين مبدعين ومف ...
- فيض المعلومات... عندما تصبح المعرفة عبئاً
- حركة البديل لأجل سوريا 13 موقف حول التطورات السياسية الأخيرة ...
- انكسر الشر
- السجن الذي عاد معنا
- الذين عادوا إلى القبيلة
- المدرسة قبل 100 عام
- بلا عنوان
- كيف يحتفل الألمان بيوم الأول من أيار؟
- حركة البديل لأجل سوريا 12 موقف حول السيناريوهات الممكنة
- حركة البديل لأجل سوريا 11 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 10 موقف
- بين الثقافة والسياسة
- حركة البديل لأجل سوريا 9 موقف
- مجتمع التفرد
- حركة البديل لأجل سوريا 8 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 7 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 6 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 5 موقف
- حركة البديل لأجل سوريا 4 موقف


المزيد.....




- عموتة يكثف محاضراته الفنية للاعبي الأهلي قبل مواجهة زد
- موقف مفاجئ من السيسي مع فنانة مصرية بعد ظهورها باحتفال المول ...
- أبعد من الجدل اللاهوتي.. كيف قرأ أدباء أوروبا المولد والرسال ...
- نجم فيلم -Rocky Horror-.. وفاة تيم كاري عن عمر يناهز الـ80 ع ...
- وفاة نجم فيلم -وحيد في المنزل- تيم كاري
- الأبوذية.. -مع تميم- يستعرض مكانة أحد أبرز فنون الشعر الشعبي ...
- سرقة على طريقة أفلام -الأكشن-.. كيف حاول لصوص نهب شاحنة وهي ...
- سلسلة أفلام -فاست أند فيوريوس- تحتفل بمرور 25 عامًا على انطل ...
- كنز من 2600 قطعة نقدية فضية يكتشف في مدينة روسية بعد 600 عام ...
- فيلم -طبيب أمريكي- يوثق شهادات صادمة حول استهداف المنظومة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - علي دريوسي - صفر بالمئة