أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم. حين حمل الفرات الناس وأفراحهم. الجزء الثاني















المزيد.....

الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم. حين حمل الفرات الناس وأفراحهم. الجزء الثاني


كاظم الحناوي

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 16:13
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم

حين حمل الفرات الناس وأفراحهم

الجزء الثاني

كاظم الحناوي

لم يكن الفرات طريقا للسفر والعمل وحدهما بل دخل ذاكرة العراقيين وأغانيهم حاملا صور الحياة التي كانت تتحرك على ضفافه وفوق مياهه.

وفي إحدى أغاني داخل حسن تجتمع في مشهد واحد النواعير والشجر والأهل وجزرة النهر ثم تظهر (الطبگة) وهي تتحرك فوق الماء حين يقول:

شفت النواعير البجن والشجر مَد وسَدَه..

واتذكرت ولفي وهلي وجزرة نهرنه ومَدَه…

والطَبگَة تركص بالنهر كاروك ويهزه السهر.

ولعل قيمة هذه الصورة لا تكمن في الحنين وحده فهي تحفظ لنا مشهدا من حياة الفرات في زمن كانت فيه الطبگة والقوارب والسفن ثم المواطير جزءا من حركة الناس اليومية. تغيرت الوسائل لكن النهر ظل الطريق الذي يجمع القرية بالمدينة والأهل بالأهل والإنسان بذكرياته.

ومن هذا الفرات الذي حفظته الأغنية لم تكن المواطير تحمل الناس إلى أعمالهم وأسواقهم فقط… بل كانت تحمل أفراحهم أيضا.

حين حمل الماطور الفرح

لكن أجمل رحلات الماطور لم تكن رحلات التجارة… كانت رحلات الفرح.

فعندما يحين موعد زفاف إحدى بنات القرى يتحول الماطور إلى موكب عرس ينساب فوق مياه الفرات. تعلو الزغاريد وتختلط ضحكات النساء بأصوات الأطفال بينما يشق الماطور طريقه بين ضفتي النهر حاملا عروسا تبدأ رحلة جديدة من حياتها.

ويستذكر الأستاذ كريم كاظم محيسن آل كرنوفة أن المواطير لم تقتصر على نقل الركاب والبضائع بل كانت تنقل أيضا مواكب الأعراس والرحلات الطلابية وزيارات الأهالي إلى المراقد الدينية ومنها مزار الخضر أبو حوتة. كما كانت بعض الرحلات تمتد إلى الناصرية وسوق الشيوخ لتصبح المواطير جزءا من حياة الناس في أفراحهم ومناسباتهم لا في أسفارهم اليومية فحسب.

ولم تكن بعض المواطير تكتفي بخطوطها المعتادة على الفرات بل كانت تدخل الممرات المائية الصغيرة الممتدة شرق الخضر باتجاه أوروك. وكانت تسلك أنهارا فرعية يعرفها أهل المنطقة بأسمائها مثل نهر الگريم ونهر الصافي، ونهر أبو خلاف، والهاسي (أبو بير).

وكانت هذه المجاري المائية تخرج من منطقة التواء الفرات وتشكل طرقا نهرية داخل الأراضي الزراعية قبل أن تعود لتلتقي بالنهر بعد أن يستعيد اتجاهه جنوبا مشكلة شبكة من الممرات المائية يبلغ امتدادها نحو عشرة كيلومترات استخدمت للوصول إلى القرى والمزارع الواقعة في ذلك الاتجاه وأحيانا إلى محيط مدينة أوروك الأثرية.

وهذه الجغرافية التي عرفها الكاتب وعاش وسطها لا تقف عند حدود الذاكرة المحلية فقد تناول عالما الآثار روبرت ماكورميك آدامز وهانس يورغ نيسن جغرافية محيط أوروك وتحولات المجاري المائية والاستيطان فيها في دراستهما المعروفة The Uruk Countryside: The Natural Setting of Urban Societies، وهي من الدراسات التي سبق للكاتب أن رجع إليها وترجم أجزاء منها أثناء عمله على كتابه (أوروك الحارس والمحيط). والكتاب، الصادر عن جامعة شيكاغو سنة 1972 خصص جانب مهم منه لدراسة الاستيطان والمجاري المائية في محيط أوروك.

ولعل هذه الرحلات تكشف أن العلاقة بين الخضر وأوروك لم تكن علاقة جوار جغرافي فحسب بل كانت أيضا علاقة طريق ظل النهر يصنعها قرونا طويلة قبل أن تحل الطرق البرية محلها.

رجال الماطور… ولغة النهر

كان الفرات يفرض احترامه على العاملين فيه فلا تكفي قيادة الماطور لمعرفة المحرك وحده كان لا بد من معرفة النهر أيضا أعماقه وضفافه الطينية وتغير مناسيب مياههًوالممر الآمن الذي يستطيع الماطور أن يشق طريقه فيه.

ولهذا اكتسب أصحاب المواطير خبرة طويلة في قراءة النهر والتعامل مع ظروفه المتغيرة.

وكان العمل على الماطور يقوم على تفاهم دقيق بين قائده الممسك بالسكان ومشغل المحرك الموجود داخل القمارة. ومع هدير المحرك وصعوبة التواصل بالكلام نشأت بين الرجلين لغة أخرى… لغة الجرس.

وتضيف إحدى الشهادات المباشرة ممن عايشوا أصحاب المواطير بين عامي 1970 و1975 أن عدد دقات الجرس كان يحمل أوامر يفهمها الرجلان فكانت ثلاث دگات تعني بدء سير الماطور ودگتان تعني زيادة السرعة، إلى جانب إشارات أخرى اتفق عليها العاملون وتعلموها بالممارسة.

وللمهنة أيضا مفرداتها الخاصة التي بقي بعضها عالقا في ذاكرة العاملين فيها:

(يَلّه فلان… نوبتك) أي حان وقت استلامك للمهمة.

(يَلّه… اجمع الكروة) أي ابدأ بجمع أجور الركاب.

(وَطِّر الماطور) أي ادفعه بعيدا عن الجرف.

(طفّي الماكينة) أي أوقف المحرك.

كانت كلمات بسيطة… لكنها كانت لغة مهنة كاملة يفهمها رجال النهر.

ويشير الأستاذ كريم كاظم محيسن آل كرنوفة إلى أن الأعطال البسيطة كانت تعالج على ضفة النهر بعد ربط الماطور بالحبال أما إذا كان العطل كبيرا فينقل الماطور إلى ورش البصرة لإصلاحه وهو ما يكشف جانبا آخر من خبرة العاملين في هذه المهنة واعتمادهم على أنفسهم في مواجهة ظروف العمل.

ولم تكن رحلات الماطور على امتداد سنوات عملها تخلو من المخاطر. فمهما بلغت خبرة الملاحين بقي الفرات نهرا متقلبا يفرض هيبته على الجميع. ومن الحوادث التي بقيت في الذاكرة المحلية حادثة غرق ماطور لآل علي بالقرب من الجسر القديم؛ وهي واحدة من الحكايات التي ما زال من عاصر تلك المرحلة يتذكرها.

حين تغير أسلوب الحياة

لم تختفِ المواطير فجأة… كما لم يختف الفرات.

الذي تغير هو أسلوب الحياة.

فحين امتدت الطرق البرية، وشيدت الجسور الكونكريتيةًووصلت السيارات والحافلات إلى القرى التي كانت تعتمد على النهر أخذ دور الماطور يتراجع بهدوء حتى أصبح مشهدا نادرا بعد أن كان واحدا من أهم وسائل الحركة على الفرات.

ورحل معه رجال ارتبطت أسماؤهم بالماء وبقيت حكاياتهم تتناقلها الأجيال.

لكن الذي لم يرحل… هو الذاكرة.

على سبيل الحلم…

وماذا لو مر بجانبنا ذات يوم ماطور لا يسير مع مجرى الفرات ولا ضده… بل يسير إلى الماضي؟

إلى ضفاف القرى التي عرفناهاًوإلى الممرات المائية المؤدية إلى أوروكً وإلى الهور وإلى بيوت أهلنا المبنية من الطين وإلى ذلك الزمن الذي لا نعرف كلما تذكرناه إن كان جميلًا حقا أم أن الذين رحلوا هم الذين جعلوه جميلا في ذاكرتنا.

ماذا لو توقف ذلك الماطور أمام الخضر ومد صاحبه لوح الصعود وقال:

هذه الرحلة إلى الوراء… من يريد أن يركب؟

ترى كم واحدا منا سيصعد؟ وكم واحدا سيبقى على الضفة؟

أم أننا سنركب جميعا…

ونترك الحاضر خاليا؟

لقد ربط الفرات ضفتيه وربط معهما القرى بالمدينة والتاجر بالفلاح والطالب بمدرسته والمريض بطبيبه والعروس ببيت زوجها والزائر بمقام العبد الصالح الخضر.

ولم يكن الماطور مجرد وسيلة نقل بل مهنة كاملة لها رجالها ولغتها وأعرافها وأسماؤها، صنعت جانبا من الحياة اليومية في الخضر طوال عقود من القرن العشرين.

واليوم قد لا يعرف كثير من أبناء الجيل الجديد من (الماطور) إلا اسمه، لكن من سمع هدير محركاته أو وقف طفلا مع أبيه على ضفة الفرات ينتظر وصوله يعرف أن الحديث عنه ليس حنينا إلى قارب خشبي اندثر بقدر ما هو استعادة لزمن كان فيه الفرات طريق الخضر وكانت المواطير أحد نبضاته التي لا تنقطع.

غابت المواطير عن النهر… لكن حكاياتها بقيت على الضفتين.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والشهادات:
اعتمد هذا المقال على شهادات الأستاذ علوان فهد الريشاوي، والأستاذ كريم كاظم محيسن آل كرنوفة، وشهادات ومداخلات عدد من أبناء الخضر ممن عايشوا حركة المواطير إضافة إلى ذاكرة الكاتب الشخصية ومعرفته بجغرافية المنطقة مع الشكر للسيد وليد خالد لمساهمته في الوصول إلى بعض الشهادات.

وفي ما يتعلق بجغرافية المجاري المائية في محيط أوروك، استفاد الكاتب من دراسته السابقة لكتاب Robert McC. Adams & Hans J. Nissen, The Uruk Countryside: The Natural Setting of Urban Societies, University of Chicago Press, 1972، وهو من المراجع التي سبق أن اعتمد عليها في كتابه «أوروك الحارس والمحيط».



#كاظم_الحناوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تفاصيل زيارة الميس بيل إلى الخضر وأوروك
- الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم
- اللغة حين تتحول إلى استجابة: القصيدة الحسينية نموذجا
- السوق المسقف في قضاء الخضر(الجزءالثاني) مشهد من السوق… حين ك ...
- السوق المسقف في الخضر… ذاكرة المدينة تحت سقف واحد (الجزء الأ ...
- شهادة أعتز بها
- گهوة عويز… حين كان المكان يتسع للجميع
- ربية الخضرية فوق جبال كردستان
- الشيخ الهادئ… روح مطمئنة غادرت الحياة وسط عاصفة
- الهگوشية… رحلة نحو الناصرية تبدأ من السوق الأعوج
- الشيخ عزيز ال سْفًر… رجل تكلمت عنه المواقف أكثر من الكلمات
- عبد شمخي العسكري… حين كانت الدولة تأتي على صهوة جواد
- من خمسين اسما لمردوخ إلى خمسين مليونًا للصوت!
- لعنة البقاء… ونعمة الرحيل
- صبحي المصور… خيمته الكبيرة علامة فارقة في العيد
- حميد أبو كلل… حين كان المختار أكبر من ختم على ورقة
- طالب الفزع… غاب الجسد وبقيت المقاسات شاهدة
- رحلة جديدة للقمر
- المرحوم طعمة عبد الرضا ال رجه… الرجل الذي كتب للناس فغيّر مس ...
- عيّارية بغداد بين الماضي والحاضر


المزيد.....




- -لا يستحق كل هذا التهويل-.. أكاديمي إماراتي يعلق على عقوبات ...
- تصعيد إسرائيلي جنوب لبنان.. غارات وقصف وإحراق أحراج ومزروعات ...
- -كتائب سيد الشهداء- في العراق تحدد 10 شروط لـ-تنظيم السلاح- ...
- -النيل ليس مجانيا- تصريح إثيوبي جديد يشعل الجدل في مصر
- الخارجية الروسية: تدريبات قواتنا النووية مع بيلاروس تتوافق م ...
- قراصنة يبتزون حكومة برلين ببيانات حساسة ويطالبون بـ30 بيتكوي ...
- مقتل جندي يمني وإصابة آخر بهجوم حوثي بطائرة مسيرة في تعز
- تصعيد إسرائيلي في قطاع غزة.. قتلى وجرحى في قصف متواصل في منا ...
- تونس تغرق في أزمة عطش.. وسعيّد يتحدث عن -أعمال مدبّرة لتأجيج ...
- -اتفاق مكة- بين التحالفات والحسابات الإقليمية.. ماذا لو انضم ...


المزيد.....

- السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام / نور الدين البوثوري
- قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964). / عبدالرؤوف بطيخ
- معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د ... / صباح علي السليمان
- ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W ... / صباح علي السليمان
- السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020) / صباح علي السليمان
- أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح / ... / صباح علي السليمان
- الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017) / صباح علي السليمان
- الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ ... / صباح علي السليمان
- جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط ... / صباح علي السليمان
- اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال ... / صباح علي السليمان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - كاظم الحناوي - الماطور… حين كان الفرات طريق الخضر إلى العالم. حين حمل الفرات الناس وأفراحهم. الجزء الثاني