أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر بعد / الحلقة ( 3 )















المزيد.....


ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر بعد / الحلقة ( 3 )


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8812 - 2026 / 8 / 29 - 15:42
المحور: الادب والفن
    


ما تراه منذ عدت وانهيت ترحالك المطارد صدقا مع نفسك . . لأحلام حكمت روحك ، لا تجد لوجودك وحياتك معنى دونها ، فما حققته غير مشبع ، نلته كأي واحد ينال حاجة من حاجاته الاساسية . . لاستمرار وجوده في الحياة بالحد الادنى ، اخرون يحصلون مقابلاتها ايضا . . فكل ينال درجة حاجته وفق ما سعى – هي لا تمت لأحلامك بصلة كما ما يحصل عليه الاخرون لا تمت لأحلامهم بشيء – انهم يخدعون انفسهم وغيرهم حين يتوهمون ما نلته من مسعاك المضرج بالألم . . تعد احلاما عند الآخرين . . لم يصلوا . . حتى الى شيء ضئيل منها - انهم شرفاء بضعفهم و . . طالما انت توصف نفسك بالشرف او الوطنية . . فهو امر مشكوك به ، إلا إن هادنتهم بالمراوغة والخداع . . تقبلوا وطنيتك وعصاميتك . . .

تختفي الحكم العربية المأثورة و العبر المكتسبة من تجارب الماضي البعيد والقريب و . . يختفي كل ما تعلمه المرء خلال عمره الطويل بما يفترض انه اسس فيه فهما منطقيا لكل شيء يحدث ، في بلد عيشه أو العالم – اعتقدت أن الوقت قد حان بعد أن تخلص النظام الحاكم من اخر قوة سياسية تضاهيه وتضج مضجع عشقه للحكم المنفرد . . بعد حرب 1994م ، التي اشاع مسماها تذرعا بحرب الانفصال ، التي خطط لها دوليا واقليميا بإعطائه لحظة الصفر ، يحضر بخطاب سياسي محرض بخطر نزعات الانفصال لدى شريكه في اعلان الوحدة و . . الداعي للسلم ووحدة البلد . . بينما في مجرى كلامه . . حملت لفظة الاشارة لتفجير الوضع عسكريا بعد أن احاط كل معسكر من قوات الجيش الجنوبي بثلاثة الى اربعة معسكرات تحتوي قوة بشرية بثلاثة اضعاف وعتاد حربي اكثر حداثة من الاخر – كان انتصارا ماحقا ، فالقوات الجنوبية ادركوا مؤخرا بوقوعهم في فخ مؤامرة ، وهمت فيها القيادات السياسية الجنوبية بضمانات دولية بعدم السماح لأي من الطرفين في جر البلد الى الهاوية ، وعليهم الهدوء حتى وإن نزعت سلطة حكم الشمال نحو الاستفزاز واحداث بعض المناوشات الاحتكاكية العسكرية – لا تعطون صالح ورقة رابحة ، . . قد استطعتم أن تقنعون العالم الدولي بتنازلاتكم السياسية وتجنب ردود الفعل على الاغتيالات التي طالت قادة عسكريين ومدنيين من الحزب الذي كان يحكم الجنوب ، تم قبول الحزب دوليا كحزب ديمقراطي بعد عن خلعه لرداء ثوريته القديمة ، لجم النفس لازمة . . حتى لا يعود الشك بلا ديمقراطيتكم . . فتحسبون انكم من خططتم لانقلاب على الوحدة و . . واستدرجتموهم الى تفجر الحرب – كانت تحذيرات الاشقاء والاصدقاء الراعيين للوحدة التي قامت في 1990م . . هي التذرعات التي ملئت في ذلك الخطاب المشئوم بتبريراته . . إذا لم يتراجعوا ليرتضوا بالوحدة العظيمة القائمة – المسيطر عليها كليا بسلطة حكم صنعاء الشطري العائلي البوليسي القبلي لما قبل اعلان الوحدة – لا مجال إلا خوض الحرب من اجل حماية الوحدة – وضع الجيش الجنوبي في دفاع وانسحاب للحدود الشطرية السابقة لإعادة التفاوض الترميمي لنظام الحكم المشترك ، لم تعطي اوامر التدمير الحربي للمعسكرات والمواقع الهامة او ضرب مدينة صنعاء او حصارها ، لم يكن مقبولا اسقاط الحزب الاشتراكي لحكام صنعاء . . فسلطة حكمها للشمال لأربعين عاما بحماية مركز المال العالمي الاقليمي والغربي – زحفت جيوش صنعاء نحو الجنوب ، تمت التضحية بمعسكرات كاملة بكل قوتها البشرية ، تم شراء ضمائر قادة عسكرين وسياسيين لإضعاف جبهة القتال ، مررت خدعة حماية الوحدة ضد الانفصاليين الذي حسبوا على خطاب البيض بدعوته للانفصال بعد وقوعه في الخديعة بمساندة معادين سابقين لنظام الجنوب . . كحاملين لثقة الاشقاء ، في انتظار فصل المجتمع الدولي بقرار من مجلس الامن . . بإعادة التفاوض وقيام نظام موحد لا يستأثر طرف به – كانت حدود الاشقاء قد فتحت لدخول جيش مرتزقة من الهاربين سابقا من نظام حكم الجنوب الاشتراكي وجماعة من الخوان المسلمين وخلايا القاعدة ، كان الامر القضاء على الحزب واحتواء الجنوب من قبل سلطة الشمال المتحالفة مع الاخوان المسلمين تحت اسم الاصلاح المحتفظ بجيش خارج الجيش النظامي المتواجد داخله قيادات عسكرية من الاصلاح ، الى جانب الجيش القبلي الاحتياطي غير النظامي الحليف لنظام صالح . . اضيف العنصر الانتقامي من الهاربين عن احداث يناير1986م الى معركة انهاء الاشتراكي مع شراء ضمائر الكثير من قادته من الصف الاول والثاني ممن كانوا من ابناء الجنوب او فرع الحزب في الشمال . . بوضعهم بعد الانتصار كبديل اعتباري يمثل الجنوب في الوحدة المباركة ! –تلكأ مجلس الامن لما يقارب الشهر . . ولم يصدر قراره في وقف تقدم جيوش الشمال مقابل انسحاب الاخر الى الحدود السابقة ومنع أية توجيهات للتحول في المعركة الى وضع الهجوم او الابادة – كان زحفا ضاغطا بالعدد البشري المهول المدجج بأحدث الاليات الثقيلة . . وضرب مدن الجنوب بها دون القدرة على التقدم شبرا واحدا خلال معارك ابادة وتدمير تام – تخلخل التوازن العسكري ببيع عدد من القادة بتسليم معسكراتهم وعتادهم وتمكين الطرف الاخر من عبور مضايق التماس والثغور الحامية لحدود الجنوب سابقا واستخدام القادة العسكريين بمعسكراتهم التي حافظ عليها حاكم صنعاء ليوم يأتي كهذا ، فتحوا المسالك الجانبية للتوغل في الجنوب ومحاصرة مدينة عدن والمكلا التي هرب اليها نائب الرئيس الجنوبي ، بحيث تكونا على مدى نيران المدفعية الثقيلة والصواريخ – كان القصف مرعبا يطال السكان واعتماد مبدأ الارض المحروقة قد سبب الى تلاشي الجيش النظامي الجنوبي تحت ضغوط خارجية بحسم المعركة لصالح ، لا جدوى من اطالة المواجهة ، لن تعيد بناء التوازن ، افضل تقبل الهزيمة وخروج جميع قادة الحزب الى دول الجوار النفطي . . للإبقاء على الوحدة اليمنية وممارسة الضغوط الدولية على المنتصر ليلتزم باتفاقية الوحدة والحكم بالديمقراطية السياسية التشاركية دون الانفراد به – عدت بعد عشرة اعوام وقد انتهت المخاوف البوليسية التي كان يعيشها نظام الحكم . . بعد الانفراط الكامل للوجود الفاعل لأحزاب معارضة ، تم خلالها مصادرة الممتلكات والاموال واغتيال من تبقى في الداخل من المعارضين ، وإعادة فتح مقر ميت لمسمى الاحزاب في العاصمة ومقرات مستأجرة لا تقوى على دفع ايجاراتها ونفقات التشغيل الاولية البسيطة ، اثخنت بتفريخ قيادات موالية للحاكم الفرد ، تحكمت بموقع القرار . . فعملت على بقائه في حالة من الموت السريري ، وانهاء منظمات فاعلة بعناصرها الحزبية القديمة واحلالها بموالين سريين للنظام الحاكم ومستجدين لا علاقة لهم بالمفهوم والعمل الحزبي . . فقط كيف يمكن تحقيق مصالح ضيقة للفرد – عدت رغم تسيد الفساد المنظم والمعمم وحقيقة الدولة الضامنة الغائبة لنظام حكم الشمال القديم بتحالف سلطوي مع الرمز القبلي والديني المنتصر بعد حرب 1994م ، الذي وصل فيه رئيسه الحاكم الفرد المطلق ليجد نفسه مضغوطا على الانفتاح نحو المدنية واشاعة الديمقراطية كسبيل مجبور عليه مقابل نمو نزعات حزب الاصلاح والملكيين والرمز القبلي الاعلى في وضع التجهيزات التي تحاك في الخفاء بدعم خارجي للانقلاب عليه والاستحواذ على سلطة الحكم التنفيذية المطلقة – رغم ذلك وانتهاء الاعتقالات والمطاردات . . كانت البلد توحي لك بأن الاوان قد اصبح متهيئا للعودة الى خوضك الشخصي لجوهر صراعك القديم الذي عشش في عقلك ونفسك ، لم تعد تحتاج لمطاردة احلامك بالتشرد على بقاع الارض المختلفة ، وهو ما قبض على روحك في عدم الاستجابة لمغريات الاصوات التي كانت تؤرقك بقبول تغيير موطن لأجل فرص افضل او عمل ثروة مالية أو حياة مؤمنة انسانية لن تجدها في بلدك – ستكون مطاردتك مثمرة الان في الداخل ، فالعالم يتحول لإشاعة العصرية وتسييد المدنية والعلم في البلدان المتخلفة وارخاء قبضة التسلط البوليسي الرسمي وغير الرسمي الديني والقبلي – ستذهب اثار وذكريات العذاب الذي رافقك لأربعة عقود من ارض لأخرى ومن مطار الى اخر في انتظار الحصول على فيزا او تأشيرة عبور لهروبك الى البلد الاخر – ستغمض عيناك عن إغراءات تسولها نفسك لك في عدم العودة او ترك البلد بعد عودتك الاخيرة ، لديك الان ما لم يكن عند سابقا . . يجعلك مطلوبا في الغرب او حتى بلدان النفط – كانت قد وضعت لك عروض واتيحت لك من الفرص – ليكون لديك بيتا بل واكثر من بيت يتناسب مع ما تهواه نفسك ، مال كثير لتعويض فقرك واسرتك المنتهكة مواريثها ، مفتوحة كل بلدان العالم لزيارتها او العيش والترحل وفق إرادتك ومزاجك ، مال ووضع يختزلان كثير من مسارك نحو تحقيق ما تحلم به – تجاهل ما تسوله لك نفسك ، وطنك الان مهيئ الان للخوض في صراع . . يقف طرفه الرئيسي على اسس تفتح مسار تحقيق احلامك واقعا . . بإرادة كونية داعمة لانتصارك وهذا المسار ، مهما منحتك البلدان الاخرى . . لن تمنحك مواطنتك الكاملة التي تمتلكها هنا وبدون وثائق رسمية و . . حتى إن انتقص من حقوقها بواقع الاستبداد والتخلف ، هنا يمكنك المعارضة والسير في طريق الحلم تختار كل المسالك بما تراه ، تحتل مكانك وتفرضه بقدرتك . . فانت احد قادة التحول دون الحاجة لوسيط يحملك الى ذلك ، . . هناك لن تكون إلا مستخدما موجه دون اعتراض او اختلاف وبثمن ما تقبضه من مال او فرص تمنح لك . . لن تصل أن تكون رقما – انت مهاجر لا أكثر – إذا لم تلتقط من حامل يستثمر قدراتك – سيطرت متقابلات النقائض على عقلك ففصلتها بتخطيط ذهني زمني البقاء حتى وصولك عقد الخمسين ، ترصف طريق مسارك بتخليق الاف العقول حتى لا تظل وحيدا وغريبا بين الاخرين في بلدك وبلد ابائك واجدادك ، تبني مسكنا لك وترفع من مستوى حياة اخوتك المظلومين وأن يكون لكل منهم مسكنا مستقلا وابناء واحفاد متعلمون في ارقى الجامعات ، ستجعل الابداع والمهارة والحرية والثقة بالنفس سمات بذرة ابيك وبيض رحم امك ، لن يخرج منها معاقا او فاسدا شاردا بمؤثرات ارث التخلف ، سترتقي بدرجتك العلمية ومكانتك الاجتماعية لأعمالك وتضحياتك ، ستكون لك قاعدة مجتمعية تناصرك المسار ، بعد منتصف العقد الخمسيني ، حين تجد تحقيق بعض احلامك الشخصية صعبة وغير ممكن أن تصبح واقعا اجتماعيا عاما . . يجد فيه كل امرئ احلامه لا تبتعد عن ما علقت فيك من الاحلام ، تجد انك لم تعد قادرا على خلق التجاوز لوحدك ، عندها تخلي السبيل لأولئك القادمين من طاقة الشباب التي صرت مفتقدا لها ، ممن هيئات لهم مسبقا وامثالك . . أن يتسلمون دورهم في المسار و . . تغادر الى موضع ناء تحيط الطبيعة بك بعيدا عن ضوضاء البشر وعادمات المدن ، تحقق حلم انسانيتك بالطفو بعيدا عن مقت الحياة اليومية الاسرة لك في اعتياديتها المميتة ، تعرف كيف تذاب روحك تخيلا مع تفاصيل جمال الطبيعة وسحر الكون الفسيح . . الخالي من التصادمات والابتلاع للثقوب السوداء للأجرام الاخرى ، تستعيد بدء تخلق الكون عن طاقة كونية انشأت الجزيء الاول لتكوين الكون الفسيح المملوء راهنا بمليارات المليارات من المواد المشكلة للنجوم والكواكب والاقمار ومنها المحمولة بالرياح الكونية ، وكيف اختزلت الطاقات الاولى في سر مواد التكوين . . لتعيد انتاجها بصور مختلفة النوع من الطاقات المتجددة ، ستظل ترحل تحول السحابة الغبارية الغازية الى كوكب صلب غمر بالماء ثم انسحب في مواضع لظهور اليابسة ، ستعيش لحظات تخلقك العضوي وتنقلك من وحيد الخلية الى عديد الخلايا ، لن تترك جمالك في تشكل الانواع المختلفة . . حتى ظهورك بصورتك الوحشية الاولى ، تعيش حريتك المطلقة في التنقل والصيد والتزاوج في العراء ، ستقيم اولى مساكنك عند منابع الماء ومصبات المياه ، حين كنت تختار المواضع الاكثر امنا واخفاء لجنسك من المفترسات الضارية ، ستدون عصور الترحل عبر الكوارث لتصل حتى وجودك في اللحظة الان ، ستمارس عشقك في الاكتشاف و . . تسقط من حساباتك ازمان الحروب والاعتداءات ، ستخلق عند طفوك فضاءات عشقك للنساء اللائي احببتهن و . . من مررن عليك كسحابة عابرة مليئة بالأشواق وتوق للحلم و . . تركن فيك انسانية تخلب الألباب لمن يقوى على ادراكها . . وتعيد خلق عشق من قرأت عنهم ومن حكي لك عنهم شفويا ، وتزاوج الموسيقى الهادئة وايقاعات الغناء المختلف للطيور . . في تداخل تموجي مخدر واحيان صاخب من ايقاعات الرياح ومسار المياه من خرير وتموج وشلالات تنسكب من مساقط شاهقة وتكسرات الصخر عند الانفلاقيات لقشرة الارض وانزلاقات الطبقات عن بعضها او تدحرجاتها الصخور او انقذافها المدوي عبر فوهات البراكين في الهواء وعند ارتطامها بالأرض او في هسهسات تحول الحمم النارية بعد برودتها الى صخور صلبة ، ستترك نفسك العاشقة لرائحة الطين والتربة المفككة الجزيئات أن تغوص بك الى اعماقها . . تنسيك ذاتك لتجد نفسك نفحة في بذرة امتصت ماء وغذاء منها ، تنشئ جذورا في العمق لحفظ البقاء والنمو و . . تمد الى الاعلى ساقا واغصان برعميه تكون لاحقا الغصون وتفتح من عقدها الاوراق والزهور لتكتمل كشجرة ناضجة تحمل بالثمار ، تظل تمارس رقصها الحر المنفتح بلا قيد مع كل ريح أو نسمة هواء تأتي إليها او تتخلل اطراف منها او تلامس جسدها في دعوة صريحة للرقص ، لن ترى او تسمع اجمل من اهتزازات زهورك خلال رقص الفراشات عليها والانتقال الحر بينهن لتبادل رقصة الاحتضان مع الزهور ، لن تنسى الطير الرنان وهو يداعب زهراتك بحنان أو حين تقوم طقوس التزاوج للطيور على اغصانك ، يوزعون تراتيل الالحان ويرجعها الصدى . . ويزيدك سحرا حين يرافق هذه الطقوس نسمات هواء عليل وتبادلات رجع الصدى لكل ما تحتويه الطبيعة من حياة – ستنشئ عالما خلابا تستحق روحك أن تقضي بقية حياتها فيه ، سيكون مفتوحا لكل من يريد أن يطهر نفسه من عثة الحياة المؤلمة للإنسان ، مفتوحا للعلاج والعودة للحياة البشرية دون أي دنس . . ولمن يريد تطليق حياة اللهث والعيش في تجرد عن الشهوات الوحشية المبطنة او الممارسة بوقاحة علنا في الوسط البشري المجتمعي . . . .

ربما يكون مكانك الذي ستذهب إليه . . ليس سوى زمنا تستقطعه هروبا مما يسمونها الحياة ، العيش داخل مجتمع ووظيفة تتقاضى منها دخلا تعيش نفسك واسرتك ، تركض ملاحقا مواجهة المشاكل وترحيل منها ما لم توفره لك من قدرة مالية أو وضعا ووقتا لمعالجتها – ما دمت لا تقف على كنز ورثته أو خلفه اباك أو كنت انت كتابع امين لنافذ كبير في السلطة . . وضعه في منصب لتسهيل استمرار تدفق المال عليه وكل ما يستفيد به من مصالح شخصية . . تمرر إليك عبر ابيك المسئول كإجراء نظامي بإخراج قانوني التبرير ، يدر عليه منصبه ثروات من المال العام المنهوب عبر اساليب محاسبية ومتذرع بها قانونيا ، واستغلال الموضع في ربط المصالح مع اطراف النفوذ وبعض من رؤوس الاموال الخاصة فيما يسمى تبادل المنافع ، حيث يكون توقيعه واسمه يحقق مصلحة لآخر – غير مستحقة او لا تخضع للمعايير والشروط والنظام المتبع – يجني مقابلها مبلغا طائلا بالعملة الصعبة أو قطع ارضية واسعة المساحة أو . . تسهيلا لمعاملة ما يتحصل من ورائها اموالا طائلة . . في كل مرة – تهرب من عالم يجعل وجود حياتك اشبه بثور يقضي كل يومه خارج زمن تغذيته ونومه الليلي . . بالدوران دون توقف لتدوير ناعورة سقاية الماء أو لطحن البذور واستخلاص الزيوت منها – كل غد مثل امس واليوم ، ماراثون متكرر من عذاب المشقة والمعاناة والالم والحزن المرافق – اشدها حين يتخللها حالات من الامراض المستعصية او الموت لأحد من العائلة او الاصدقاء . . وممن تعرفهم – تفتقد حين تجلس مع نفسك متأملا في لحظات تهرب فيها من كل ما يحيط بك ويقلق راحتك ، تفتقد احساسك بالزمن ، الحياة ليست سوى يوم واحد ، لكنك تكتشف أن عمرك يمضي ويبدأ الشعر الابيض يغزو رأسك قليلا قليلا و . . يذهب إلى ذقنك ، مفرغا الميلانين من شعيراته المتجعدة الخشنة التي لم تعد ناعمة سلسة مثل ما كانت سابقا ، وإذا بك تتعب من ابسط جهد وتحاصرك الام المفاصل وتحزم العقد العصبية و . . تنميل ارتخاء عضلات تحريك جسدك واطرافك . . المتراكم فيها حمض البيروفيك ، شيخوختها لم تعد تمكنها من تحليله التفكيكي . . كما اعتادت أن تقوم به من قبل – يذهب العمر دون الشعور به إلا عند تقدمك في السن . . مقتربا من الكهولة – كيف مرق عليك الوقت وتحدك تقترب من توديع حياة وجودك ، ماذا عملت ، متى عشت . . ماذا ذقت من الحياة ، . . أين هي الحياة . . لتقل انك عشتها ، لم تكن غير يوم واحد معاد ذاته – ربما يكون ارتحالك . . فيما حسبته في نفسك آنذاك . . مؤقتا ، غير محددة فترته ، تطول . . تقصر ، لكنه وقتا تطلق فيه عالم الناس . . بكل ما يحمله من طاحونة الضرورة ونتائج علاقات الوسط الذي تعيشه ، تتواجد فيه وتتفاعل مع كل امر يصل إليك حسيا . . ذهنيا وعاطفيا ، حين تجد نفسك متشبعا كراهب او صوفي انعزل عن عالمه الحسي . . يختلي مع ذاته ، يتداعى خلال وقت لا يعرف مداه . . حتى يجد ذاته روحا محلقة لفضاءات مفتوحة لا تعرف قيدا مطلقا – كم من الزمن المجرد يتوه خارج جسده الرمي . . طافيا . . محلقا في عوالم سحرية تبصره تفاهة عراكه اليومي طوال حياته مع طواحين هواء جامدة ، مقتنعا ما سوق له لا وجودا لحياة الانسان مالم يحارب من اجلها أولئك الأعداء العمالقة شديدي البأس والشر ، عليه قتالها منذ أن يصحو . . وفي نومه يستحضرها عقله العاطفي عند لحظة غفوة وعيه ، يستكمل معركته في ما لم يحضره نهارا – سيرى من فضائه العالي أن ما كان يجده معضلة في عالمه البشري امرا يسيرا ، وأن المشكلات العويصة و . . تلك التي تبدو لا حل لها . . إما نختلقها بأنفسنا أو تخلق توهيما فينا عبر آخرين . . ولا ندري إلا وقد تضخم الوهم بشكل مهول في دواخلنا . . وسيطر على قناعاتنا المسيرة لممارستنا اليومية ، التي نتوهم بأنا نسلكها بإرادتنا الواعية . . بينما لا وجود لإرادة فيها لأفعالنا وتصوراتنا ومواقفنا – تكتشف ذلك حين تحاجج غيرك يرد عليك . . ما نفعل ، منهم من يقول هو الامر الواقع أو حياتنا هي هذه . . لا عيش إلا من خلال ما هو جبرا عليك . . وآخرين يقولون ضرورة العيش ، . . لا مهرب مما هو مكتوب عليك أن تحياه ، عليك أن ترضى وتتكيف ، لا عيش وفق هواك . . ولكن بما هو مملي عليك – حين تصل إلى حريتك باكتشاف بشريتك التي تعيشها بأنها لم تكن سوى خداع كذبات متواصلة لا نهايات لها ، تعود إلى ذاتك الجسدية – نعم . . تجدك ضعيف القوى البدنية . . وقد يكون مغزو بأمراض بسبب ضعف المناعة المحمولة مع تقدم العمر ، لكنك تكتشف لأول مرة أنك تعرف الحياة الغائبة عن الناس - انك عشتها . . وإن كان عند طفوك المجرد بعد هجرك لعالمك الحسي – ستجد في نفسك مذاقا وفهما وتعاملا في امور الحياة . . مختلفا عن الآخرين – يتهمونك بالرومانسية او المثالية . . والبعض يراها فيك نوعا من النرجسية وسيطرة اوهام اللاواقعية على عقلك ونفسك – تحاول . . وكلما ازدت اصرارا . . يزداد شعورك بغربتك بين اهلك واصحابك و . . المجتمع ، خاصة وإن خرج صوتك منطوقا او مكتوبا للناس ، احيانا تكون ابعد من كونك غريبا او منبوذا يصادم قولك كل من تحضرهم ، تصل الى ظرفيات يؤول فيه قولك أو حتى بعض مفردات منه الى . . تكفيرك أو اتهامك بمعاداة المجتمع او القيم الوطنية – لا تعير كل ذلك أي معنى ، فهو امر حتمي حدوثه من أناس يجهلون حقيقة معنى حياة الانسان ، يؤمنون ان الحياة وهبت له ، وحملت فيه ما ينقله من حوانيته الى صفته البشرية المفارقة عن سائر الكائنات الحية ، على هذا العقل أن يدرك أن المرء الحامل له أن وجوده وحياته محكومين بجبرية من خارج ذاته ، وأن حدود حرية الاختيار الشخصي المعطاة له ضئيلة جدا – اشبه بتناول الحلوى قبل او بعد وجبة الغذاء – من يذهب اعتقادا بأنها اصل معنى الحياة . . هو جاهلا ومعتوها . . يخالف السنن الحقيقية لعيش الحياة ! ! – قد تصل فترة خلوتك أن لا تضيف جديدا مما تبحث عنه نفسك ، ينقطع عندها . . فتتحسس بدنك ، تدرك عندها أن الوقت قد ازف لعودتك الى اهلك وعالمك الارضي . . بعد ذلك الانقطاع الارادي الذي اخترته في مرحلتك تلك من العمر – قد تعود مسترخيا . . مكتفيا بحالتك من التطهر من العراك الوهمي الذي يعطي مذاقا للحياة ، فلا تحتار بأمر غيرك إلا من يطلب مشورتك ، تقضي ما تبقى من عمرك في هدوء . . تكتشف لا وجود للمنغصات والعداوات و . . اللهث وراء تحقيق مصلحة او حل مشكلة ، أو تعود حكيما . . داعيا للناس – لكنك تعرف مسبقا أن لذلك ثمنا ستدفعه ، وقد سبقك الكثير والكثير في ذلك عبر مختلف القرون منذ هجر الإنسان عيش الكهوف والولوج في حياة المجتمع المحكومة بالعقل والمفاهيم – وربما تقضي بقية عمرك في عالمك الجديد الذي اردته ، بعيدا عن البشر ومفرخات الالم والسعادة المنتجة عبر اوهام اعتراك الحياة يوميا ، دون المعرفة أو التجاهل بأنها معارك لم تقمها الحياة كقدرية لا يمكن رفض خوضها . . بقدر ما سيطر على حياتكم ثلة من الناس . . يريدونها أن تسلك وفق مشيئتهم . . وكنتم بتصديق ما يضخونه عليكم من الزيف الكاذب بأن من يريد الحياة . . عليه خوض المشقة والصعاب كحرب يومية ويجعل الامل قبلة بعيش افضل مستقبلا . . حتى لا يكل احدا منكم بعند من مواصلة العراك – ما دام كوجود ويطلب البقاء والاستمرار في العيش – لم تعد مبررات استمرار العيش التي تسيطر على قناعات جميع الناس . . تعنيك . . بعد أن تحررت من قيد الاعتقاد الجمعي الخاطئ – لم تكن تمتلك اليقين على ذلك ، لكنك دائما ما طحنتك الشكوك والهواجس والحدس بأن عيش البشر فيما يعتقدونه – منذ أن وعيت ذاتك – خارجا عن اصل حقيقة حياتهم ، بل هي ايمانيات وهمية مظللة . . تجعلهم يعيشون حياة ما يملى عليهم . . وفق ذلك الخداع – أكنت عائدا الى اهلك أو ستبقى في عالمك الخالي من البشر . . حتى انتهاء عمرك . . لم يعد هناك فرقا بين الاثنين ، فما ستختاره بإرادتك المتحررة عن أي قيد جبري يلزمك اتخاذ قرارك – كما اعتاده كل بشري في ذلك العالم الحسي – فاختيار الطريق او المسلك لمواصلة العيش . . لن يكون بالنسبة لك يعني الحياة ، بل وسيلة لاستمرار بقائك ، بينما الحياة إذا عدت الى محيطك البشري او لم تعد . . فإنك لن تعود بعقليتهم التي ظلت تحاصر عمرك بأكمله و . . لن تعود احكامهم وتعاملاتهم معك – السلبية والسيئة – تؤثر عليك ، تدرك انهم يسلكون ذلك بفعل استلابهم وظلال فهمهم المنقاد لا إراديا ، لن تعود الى خارطة السلوك الكفاحي اليومي من اجل استمرار الحياة – إنك إن عدت ستعود للعيش التكيفي مع ما هو محكوم عليه الواقع . . ولن يشغل عقلك ونفسك ذلك ، لكنك ستمارس معنى الحياة – مثل لو ظللت في عالمك المعزول – لا تترك أية شاردة أو واردة إلا وانتزعت من داخلها ما يمتع نفسك ويسمو بها الى حقيقتك ككائن عاقل . . غير مرهون لأحد أو مرتهن لواقع يفرض لا معنى لحقيقتك الادمية بقدر ما يفرض حقيقة عبودية تجردك عن انسانيتك ، تنساق من خلالها كحيوان يفتقد لسمة العقل ، تنقاد بدماغ يدرك حسيا بأن عليه الطاعة لتجنب التعذيب والضرب الجسدي . . والحرمان من الشرب والاكل . . حتى تدجن بريته . . .



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سلسلة ( نكون او لا نكون ) / حقات 1و2و3و4
- لما أنت مثقل بالوقت والاسماء - نص قصيدة نثرية
- ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر بعد / الحلقة ( 2 )
- ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر بعد / الحلقة ( 1 )
- أنت حلمي / قصيدة نثر ابريل 2001
- توقف قليلا - فإني ابحث عنك - فيما يخصني
- تعبت التعبد / قصيدة نثر - 23 اوجست 2026
- الدولة الوجودية المدنية وقانون التخليق - من كتابي - نظرية مع ...
- استعراض تحليلي ونقد ادبي فني لرواية أرض موحلة بالأكاذيب
- من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - - شذرة ( 10 )
- شذرة ( 9 ) من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - - ’ طر ...
- الشذرة ( 8 ) من كتابي نظرية معادلة الدولة المدنية - جزء من ا ...
- من قصيدة : أثر ضائع في حكاية مخفية
- شذرة ( 7 ) من كتابي نظرية معادلة الدولة المدنية
- قطيع ووحدك في الخلاء / 27 يوليو 2026 - قصيدة
- قطيع ووحدك في الخلاء / 27 يوليو 2026 - قصيدة
- انحناء في واقع لا يتغير - قصيدة نثر شعري
- شذرة (6) من كتابي مواضيف في بنيوية الدولة المدنية الوطنية
- شذرة (5) من كتابة بنيوية الدولة المدنية
- شذرة (4) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية


المزيد.....




- مروان خوري يصل إلى دمشق استعدادا لحفله في معرض دمشق الدولي ( ...
- التعليم العالي: اليوم .. بدء تسجيل اختبارات القدرات المؤهلة ...
- معتصم النهار يخوض تجربة التقديم للمرة الأولى في -موريكس دور- ...
- 4.6 أمتار من الألوان.. فنانات يصنعن طائر أوريغامي عملاقًا لإ ...
- اتحاد الكتاب الفلسطينيين… وحدة الثقافة وقوة الدبلوماسية الثق ...
- -عار على مصر-.. أزمة حادة وتراشق بين نقيب الموسيقيين وناقد ف ...
- سطو جريء في فيينا.. سرقة -عقد الملكة نازلي- التاريخي في وضح ...
- الممثلة التونسية سوسن معالج: -السينما والصورة والكلمة الحرة ...
- بوق الجلاد لن يمثل الضحية.. -أبو أصيل- يحاكم فناني نظام الأس ...
- الفنانة السورية فايا يونان تعلن خطوبتها: -أجمل من أي صورة رس ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أمين أحمد ثابت - ارض موحلة بالاكاذيب - روايتي لم تنشر بعد / الحلقة ( 3 )