أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أمين أحمد ثابت - الدولة الوجودية المدنية وقانون التخليق - من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - شذرة رقم ( 11 )














المزيد.....

الدولة الوجودية المدنية وقانون التخليق - من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - شذرة رقم ( 11 )


أمين أحمد ثابت

الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 14:15
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


من كتابي " نظرية معادلة الدولة المدنية "
شذرة رقم ( 11 )
الدولة الوجودية المدنية
وقانون التخليق
إذا انتهى التحليل السابق إلى أن الدولة لا تنبثق من عناصرها، بل من القانون الذي ينظم العلاقات بينها، فإن ذلك يقود إلى نتيجة أكثر عمقًا، وهي أن الانتقال من الاجتماع الإنساني إلى الدولة لا يتم دفعة واحدة، ولا يتحقق بمجرد إنشاء مؤسسات سياسية، وإنما يمر بعملية وجودية مركبة يمكن تسميتها التخليق.
ولا يقصد بالتخليق هنا معنى الإنشاء الإداري، ولا التأسيس الدستوري، ولا بناء الأجهزة العامة، لأن جميع هذه الأعمال قد تؤدي إلى قيام سلطة، لكنها لا تؤدي بالضرورة إلى ولادة الدولة. كما لا يُقصد به مجرد التطور التاريخي؛ إذ إن التاريخ قد يطيل عمر السلطة قرونًا دون أن ينجح في تخليق الدولة.
إن التخليق، في المفهوم الذي تتبناه هذه النظرية، هو العملية التي تتحول فيها العلاقات الاجتماعية والسياسية من كونها خاضعة لمراكز قوة متفرقة إلى كونها خاضعة لقانون وجودي واحد، يصبح المرجعية العليا لجميع العلاقات داخل المجتمع - بهذا المعنى فإن التخليق ليس حدثا ، بل تحولا في طبيعة الوجود ، وليس انتقالا في الأشخاص، بل انتقال في القانون - وليس استبدالا لنظام حكم بآخر، بل إعادة بناء المنطق الذي يحكم المجتمع بأسره.
ولهذا فإن التاريخ يقدم لنا أمثلة كثيرة على دول تغيرت حكوماتها عشرات المرات، ومع ذلك بقيت الدولة قائمة، كما يقدم أمثلة أخرى على أنظمة لم يتغير فيها الحاكم إلا مرة واحدة، فانهار معها كل شيء. ولم يكن الفرق في عدد الحكومات، ولا في طول عمر الأنظمة، وإنما في درجة اكتمال التخليق.
إن السلطة تستطيع أن تؤسس الوزارات ، و أن تؤسس المحاكم ، وتستطيع أن تؤسس الجيوش ، والبرلمانات ، لكنها لا تستطيع - بإرادتها وحدها - أن تؤسس الدولة ، كون أن الدولة ليست مؤسسة فوق المؤسسات، وإنما هي القانون الذي يجعل جميع المؤسسات تعمل باعتبارها أعضاء في كيان واحد - هنا يظهر الفرق بين بناء الدولة وتخليق الدولة ، فالبناء عملية إنشائية ، أما التخليق فهو عملية وجودية ، ولذا فالبناء يمكن أن يتحقق بقرار سياسي ، أما التخليق فلا يتحقق إلا عندما يعاد تنظيم المجتمع نفسه وفق قانون جديد .
لهذا فإن كل مشروع سياسي يبدأ بالمؤسسات قبل أن يبدأ بالعلاقات محكوم بأن ينتج مؤسسات حديثة تؤدي وظائف تقليدية - وهذه هي إحدى المفارقات الكبرى التي أغفلها الفكر السياسي المعاصر ، حيث انشغل بإصلاح أجهزة الدولة، بينما بقي المجتمع يعيد إنتاج القواعد التي تمنع تلك الأجهزة من التحول إلى دولة وجودية مدنية – وعليه فإن الأزمة ليست في المؤسسة ، ولا في الدستور ، ولا في السلطة ، وإنما في القانون العميق الذي يحكم العلاقة بينها.
إن المجتمع الذي ما تزال العصبية هي مصدر شرعيته الفعلية، سيعيد تفسير البرلمان بمنطق العصبية ، والمجتمع الذي ما يزال الولاء الشخصي يحكم علاقاته، سيعيد تفسير الإدارة العامة بمنطق الولاء الشخصي ، والمجتمع الذي تقوم اقتصاده على شبكات الامتياز المغلقة، سيعيد تفسير القانون وفق منطق الامتياز.
وفي جميع هذه الحالات لا تكون الدولة قد فشلت؛ لأنها لم تبدأ أصلا ، بل يمكن القول انه قد بدأ بناء السلطة ، أما الدولة فما تزال في طور الإمكان ولم تظهر بعد .
ولهذا فإن هذه النظرية ترفض تفسير الإخفاق السياسي برده إلى قصور الأشخاص وحدهم، لأن الأشخاص لا يعملون في فراغ، وإنما داخل بنية من العلاقات تسبقهم وتعيد تشكيل أفعالهم مهما حسنت نياتهم أو عظمت قدراتهم - وهنا يصبح التخليق فعلا مزدوجا ، فهو من جهة يعيد تنظيم المؤسسات ، ومن جهة أخرى، يعيد تنظيم الثقافة السياسية التي تمنح تلك المؤسسات معناها – لذا لا يكفي أن يصبح القانون مكتوبا، بل يجب أن يصبح مرجعية داخلية ، ولا يكفي أن توجد سلطة قضائية، بل يجب أن يصبح الاحتكام إليها جزءا من وعي المجتمع ، كما ولا يكفي أن توجد انتخابات، بل يجب أن تتحول نتائجها إلى تعبير عن تداول الوظيفة العامة، لا عن تداول ملكية الدولة.
ومن هنا يمكن القول إن التخليق يبدأ عندما تتغير فكرة الدولة قبل أن تتغير أجهزة الدولة. فالتحول الحقيقي يبدأ عندما ينتقل الوعي الجمعي من تصور الدولة باعتبارها غنيمة سياسية إلى تصورها باعتبارها وجودا مستقلا لا يملكه أحد - عند هذه المرحلة تتغير وظيفة السياسة نفسها.
فلا تعود السياسة صراعا على امتلاك الدولة ، بل تصبح تنافسا على إدارة الدولة - وهذا الانتقال، على بساطته الظاهرية، يمثل في الحقيقة أعظم تحول في تاريخ الاجتماع السياسي.
لأن المجتمعات التي لم تبلغ هذه المرحلة تبقى تتعامل مع الدولة باعتبارها موضوعا للاستحواذ.
أما المجتمعات التي اكتمل فيها التخليق، فإنها تتعامل مع السلطة باعتبارها وظيفة مؤقتة داخل دولة دائمة.
وهنا تبلغ الدولة الوجودية المدنية أول درجات اكتمالها.
فهي لا تعرف بمدى قوة السلطة، ولا بكثرة المؤسسات، ولا حتى بدرجة التطور الاقتصادي، وإنما تعرف بوجود قانون داخلي يجعل الدولة غير قابلة للتملك.
وهذا هو الفارق الجوهري بين الدولة المدنية بوصفها نظاما دستوريا، وبين الدولة الوجودية المدنية بوصفها مرتبة من مراتب الوجود السياسي.
ولهذا يمكن صياغة القانون الرابع للمعادلة الوجودية للدولة على النحو الآتي:
لا يكتمل تخليق الدولة إلا عندما تصبح الدولة غير قابلة للتملك، ويغدو الوصول إلى السلطة انتقالا إلى وظيفة عامة، لا انتقالا إلى ملكية الكيان السياسي ذاته.
وهذا القانون، في تقديري، يمثل أحد أهم الإضافات النظرية في هذا المشروع؛ لأنه ينقل معيار اكتمال الدولة من مؤشرات شكلية إلى معيار وجودي عميق: استحالة امتلاك الدولة. فعندما تغدو الدولة ملكًا لأحد، ولو كان منتخبًا، فإن التخليق يكون قد تعثر، لأن الكيان الأعلى قد انخفض إلى مستوى أحد عناصره. أما عندما تبقى الدولة فوق الجميع، بحيث يتغير الحكام وتبقى هي المرجعية، فإنها تكون قد بلغت مرتبة الوجود المدني الكامل



#أمين_أحمد_ثابت (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- استعراض تحليلي ونقد ادبي فني لرواية أرض موحلة بالأكاذيب
- من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - - شذرة ( 10 )
- شذرة ( 9 ) من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - - ’ طر ...
- الشذرة ( 8 ) من كتابي نظرية معادلة الدولة المدنية - جزء من ا ...
- من قصيدة : أثر ضائع في حكاية مخفية
- شذرة ( 7 ) من كتابي نظرية معادلة الدولة المدنية
- قطيع ووحدك في الخلاء / 27 يوليو 2026 - قصيدة
- قطيع ووحدك في الخلاء / 27 يوليو 2026 - قصيدة
- انحناء في واقع لا يتغير - قصيدة نثر شعري
- شذرة (6) من كتابي مواضيف في بنيوية الدولة المدنية الوطنية
- شذرة (5) من كتابة بنيوية الدولة المدنية
- شذرة (4) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية
- شذرة (3) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية
- شذرة (1) من كتابي حول بنيوية الدولة المدنية الوجودية
- المعادلة الوجودية للدولة - مقدمة كتاب لي 2015 حول مطلوب نوعي ...
- المقدمة لمؤلفي ( 2013-2014) كتاب الانسان وجود لحياة عدمية / ...
- تسريب غياب في الذكرة
- تسريب عما لا يفكرون - الترنيمة 5
- اليمن من هامش الصراع إلى مركز النظام البحري العالمي
- جيو بوليتكا اليمن في متغيرات صراع التوازن العالمي بين ثلاثي ...


المزيد.....




- الولايات المتحدة تعيد إلى مصر 48 قطعة أثرية عمرها آلاف السني ...
- بوتين: روسيا لن تتسامح مع تبني كييف للنازية الجديدة كأساس لأ ...
- كاتس يهاجم المعارضة الإسرائيلية على خلفية ضرب قاعدة -أبو الظ ...
- الدفاع الروسية: تدمير 1120 مسيرة معادية خلال يوم وإصابة رادا ...
- سفير تركيا في دمشق: رفع اسم سوريا من قائمة الإرهاب ينهض الاس ...
- تقرير: قائد الجيش الباكستاني يحمل رسائل أمريكية لطهران
- الولايات المتحدة.. حريق غابات ضخم في ولاية نيفادا
- إيران تعلن طرد دبلوماسيين فرنسيين وتتهمهما بالتدخل في شؤونها ...
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع أوكر ...
- مقاتلة -سو-35- الروسية تنفذ مهمات قتالية في محيط منطقة العمل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أمين أحمد ثابت - الدولة الوجودية المدنية وقانون التخليق - من كتابي - نظرية معادلة الدولة المدنية - شذرة رقم ( 11 )