صادق جبار حسين
الحوار المتمدن-العدد: 8806 - 2026 / 8 / 23 - 22:18
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لم تعد محاولات التأثير في المجتمعات والدول تقتصر على احتلال الأرض أو تغيير حدودها أو نقل السكان من مكان إلى آخر. ففي عالم تتشابك فيه السياسة بالدين والإعلام والاقتصاد، يمكن إعادة تشكيل مجتمع بأدوات أكثر نعومة وأقل وضوحًا، عبر تغيير منظومة القيم والولاءات والرموز التي تحكم وعيه على كافة الأصعدة والنواحي.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة جانب من التحولات التي شهدها العراق خلال العقود الأخيرة، حيث لم يكن الصراع على الإنسان العراقي أقل أهمية من الصراع على الأرض العراقية.
لقد عرف العراق في تاريخه الحديث محاولات صريحة لتغيير التركيبة السكانية، وكان نظام البعث من أبرز من استخدموا هذه السياسة، ولا سيما في المناطق الكردية، من خلال التهجير والتوطين والتعريب وإعادة تشكيل الواقع السكاني بما يخدم أهداف السلطة. وكان ذلك نموذجًا مباشرًا لتغيير الديموغرافيا بالقوة، بحيث تصبح السيطرة على الأرض مرتبطة بإعادة تشكيل سكانها.
لكن ما يثير الانتباه في العراق بعد عام 2003 هو ظهور نمط مختلف من التأثير، لا يعتمد بالدرجة نفسها على نقل السكان أو استبدالهم، وإنما على إعادة تشكيل وعيهم السياسي وهويتهم ومفهومهم للانتماء. وهنا يبرز النفوذ الإيراني بوصفه نموذجًا يستحق الدراسة والنقد، ليس باعتباره مشروعًا لتغيير العرق العراقي، وإنما باعتباره محاولة، في نظر منتقديه، لإعادة صياغة المجال السياسي والثقافي العراقي بما يجعله أكثر التصاقًا بالمشروع الإيراني.
فالتركيبة السكانية لا تتغير بالضرورة عندما يتغير السكان. يمكن أن يبقى الإنسان في مدينته وبيته وقريته، لكن تتغير علاقته بالوطن وبالدولة وبالرموز التي ينتمي إليها. وحين ينتقل الانتماء من إطار وطني جامع إلى إطار طائفي عابر للحدود، فإن جزءًا أساسيًا من التركيبة السياسية والاجتماعية للمجتمع يكون قد تغير، حتى لو بقيت الأرقام الديموغرافية على حالها.
وهنا تكمن خطورة التطييف السياسي. فالتشيع العراقي، بوصفه مكوّنًا تاريخيًا أصيلًا من مكونات المجتمع العراقي، ليس صناعة إيرانية، ولا يمكن اختزال شيعة العراق في إيران أو في مشروعها السياسي. لكن المشكلة تبدأ عندما يجري تحويل الانتماء المذهبي من هوية دينية واجتماعية إلى هوية سياسية عابرة للحدود، وعندما تصبح المرجعية السياسية لبعض القوى مرتبطة بمشروع إقليمي يتجاوز الدولة العراقية.
بهذا المعنى، يمكن الحديث عن «الفرسنة» بوصفها مفهومًا سياسيًا وثقافيًا لا عرقيًا؛ أي محاولة جعل المجال العراقي أكثر قابلية لاستقبال الرموز والرؤى والمصالح الإيرانية الفارسية ، وربط جزء من الوعي العراقي بمركز خارجي، بحيث تصبح الحدود بين الهوية العراقية والارتباط بالمشروع الإيراني أقل وضوحًا.
وهذه العملية لا تحتاج إلى أن يأتي الإيراني إلى العراق ليستوطن فيه. يكفي أن يصبح العراق، في وعي بعض أبنائه، جزءًا من مجال سياسي وعقائدي أوسع تكون فيه إيران مركزًا للقرار والرمزية والمرجعية. عندها لا تكون عملية التغيير في الجغرافيا، وإنما في تعريف الإنسان لنفسه ولمن ينتمي، ولمن يمنح ولاءه عندما تتعارض المصالح.
وهذا تحديدًا ما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا من مجرد الحديث عن النفوذ الإيراني. فالنفوذ السياسي يمكن أن يتراجع بتغير الحكومات والتحالفات، أما عندما يتحول إلى ثقافة ولاء وإلى وعي جمعي، فإنه يصبح أكثر رسوخًا وأصعب تفكيكًا.
لقد ساعدت ظروف العراق بعد 2003 على هذا التحول. انهيار مؤسسات الدولة، وتراجع الهوية الوطنية الجامعة، وصعود الأحزاب الدينية، وتنامي دور الفصائل المسلحة المدعومة من إيران ، والحرب الطائفية، ثم ظهور تنظيم داعش، كلها عوامل أسهمت في جعل الطائفة ملجأً سياسيًا وأمنيًا للكثيرين.
وفي ظل هذا الفراغ، تمكنت إيران من تقديم نفسها لحلفائها كما يعتقدون بوصفها قوة حماية ودعم ومساندة، بينما أصبحت شعارات المقاومة والمرجعية والطائفة أدوات قادرة على إنتاج ولاءات تتجاوز الحدود الوطنية.
ومع الوقت، لم يعد النفوذ مقتصرًا على المجال السياسي. فقد امتد إلى الإعلام والتعليم والخطاب الديني والرموز العامة والاقتصاد وحتى تفاصيل الحياة اليومية في بعض المناطق. وتظهر في بعض الأماكن أسماء وشعارات ورموز ذات صلة بإيران، إلى جانب انتشار واسع للمنتجات والبضائع والعلاقات التجارية والثقافية. وهذه المظاهر لا تكفي منفردة لإثبات وجود عملية «فرسنة»، لكنها تصبح ذات دلالة سياسية عندما تتراكم داخل بيئة يتراجع فيها حضور الرمز الوطني وتتعاظم فيها الرموز المرتبطة بالمشروع الإقليمي.
المسألة هنا ليست في اللغة الفارسية، ولا في التجارة مع إيران، ولا في زيارة الإيرانيين للعراق أو زيارة العراقيين لإيران، ولا في العلاقات العائلية والثقافية التي نشأت بين الشعبين عبر قرون. كل ذلك جزء طبيعي من الجغرافيا والتاريخ. وإنما المسألة في اللحظة التي يتحول فيها الحضور الثقافي إلى غطاء لنفوذ سياسي، ويتحول الانتماء المذهبي إلى وسيلة لخلق ولاء سياسي يتجاوز الدولة ويحاول ان يجعل منها علاقة ثانوية
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للعراق ليس أن يتحدث بعض أبنائه الفارسية، ولا أن تنتشر البضائع الإيرانية في أسواقه، وإنما أن تصبح طائفة من العراقيين مقتنعة بأن مصالح دولة أخرى يمكن أن تكون امتدادًا طبيعيًا لمصالحها الوطنية، وأن الدفاع عن مشروع خارجي يمكن أن يُقدَّم بوصفه دفاعًا عن العقيدة أو الطائفة أو المقدسات.
في هذه النقطة تحديدًا يتغير معنى الهوية.
فالعراقي الذي ينتمي إلى مذهب معين ويبقى العراق بالنسبة إليه وطنه الأول لا يمثل مشكلة. أما عندما يصبح المذهب بوابة لولاء سياسي خارجي، وتصبح الحدود الوطنية أقل أهمية من الحدود العقائدية، فإن الدولة تبدأ بفقدان احتكارها لمعنى الانتماء.
وهذا ما يجعل المقارنة بين التغيير الديموغرافي التقليدي والتغيير الذي يحدث عبر الولاء مهمة. ففي الحالة الأولى يجري تغيير الإنسان الذي يعيش على الأرض؛ وفي الحالة الثانية يجري تغيير الطريقة التي يرى بها الإنسان الأرض والوطن والدولة. الأولى تغير سكان المكان، والثانية قد تغير علاقة السكان بالمكان.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو بعض مظاهر التغيير في العراق أقل وضوحًا من عمليات التهجير والاستيطان المعروفة تاريخيًا، لكنها أكثر تعقيدًا على المستوى السياسي. فالسكان لم يُستبدلوا، لكن جزءًا من الوعي السياسي والاجتماعي أُعيد تشكيله. ولم تختفِ الهوية العراقية من تلقاء نفسها، لكنها دخلت في منافسة مع هويات سياسية ومذهبية عابرة للحدود.
ولا يمكن تحميل إيران وحدها مسؤولية هذه النتيجة؛ فالنفوذ الخارجي لا ينجح في دولة تمتلك مؤسسات قوية وهوية وطنية راسخة ونظامًا سياسيًا قادرًا على حماية قراره. لقد كان ضعف الدولة العراقية، وانقسام نخبها، واستعداد بعض القوى السياسية للاستناد إلى الخارج، عوامل أساسية في فتح الأبواب أمام النفوذ الإيراني وغيره.
لكن تجاهل الدور الإيراني في هذا التحول بحجة أن المسؤولية عراقية أيضًا لا يغير من حقيقة أن الدول تتحرك وفق مصالحها، وأن إيران، مثل غيرها من القوى الإقليمية، سعت إلى بناء مجال نفوذ داخل العراق. الفارق أن الأدوات الإيرانية لم تعتمد على القوة العسكرية المباشرة وحدها، بل استفادت من الدين والمذهب والروابط التاريخية وشبكات الأحزاب والفصائل والمؤسسات الاجتماعية والثقافية.
ولهذا فإن الحديث عن «فرسنة» العراق، إذا أريد له أن يكون مفهومًا سياسيًا جادًا، يجب ألا يُفهم بوصفه اتهامًا للعراقيين بأنهم أصبحوا فرسًا، ولا بوصفه طعنًا في التشيع العراقي، وإنما بوصفه نقدًا لمسار سياسي يسعى إلى نقل مركز الولاء من الدولة الوطنية إلى فضاء عقائدي وإقليمي تكون إيران مركزه.
وهذا التفريق ضروري؛ لأن الخلط بين التشيع وإيران يخدم، في نهاية المطاف، المشروع الذي يفترض نقده. فحين يصبح كل شيعي عراقي موضع شبهة بسبب علاقته المذهبية، يتحول النقاش من نقد النفوذ السياسي إلى صراع طائفي، وتصبح الهوية الوطنية أكثر ضعفًا بدل أن تصبح أقوى.
المشكلة ليست أن يكون للعراقي مذهب أو مرجعية دينية، وإنما أن تكون هناك مرجعية سياسية خارج الدولة تنازع الدولة العراقية حقها في تحديد مصالحها. وليست المشكلة أن يحب العراقي إيران أو ثقافتها، وإنما أن يصبح حب الخارج معيارًا سياسيًا يتقدم على مصلحة العراق.
إن أخطر تغيير يمكن أن يصيب المجتمعات ليس تغيير ملامح وجوهها، وإنما تغيير سلم أولوياتها. فإذا أصبح العراقي يرى أن أمن دولة أخرى جزء من أمنه، وأن انتصار مشروع خارجي انتصار له، وأن خصومة ذلك المشروع مع دولة أو قوة أخرى تعنيه كما لو كانت خصومة عراقية، فإن الحدود السياسية للدولة تكون قد فقدت جزءًا من معناها، حتى لو بقيت مرسومة على الخرائط.
وهنا تكمن المسألة التي تستحق النقاش بعيدًا عن المبالغات والشعارات: هل استطاع النفوذ الإيراني أن يجعل قطاعات من المجتمع العراقي تنظر إلى نفسها باعتبارها جزءًا من مشروع مذهبي وسياسي يتجاوز الدولة العراقية؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فإن القضية لا تتعلق فقط بنفوذ دولة جارة، وإنما بتحول في بنية الولاء السياسي والاجتماعي داخل العراق.
لقد تغيرت خرائط كثيرة في المنطقة بالقوة، لكن أخطر الخرائط هي تلك التي تتغير داخل الإنسان من دون أن يشعر. فالأرض يمكن استعادتها عندما تتغير الظروف، أما الولاء الذي يُعاد تشكيله عبر أجيال، ويصبح جزءًا من الهوية ، فإنه أكثر رسوخًا من أي تغيير سكاني مؤقت.
ولذلك فإن مستقبل العراق لا يتوقف فقط على من يسيطر على الأرض، وإنما على من يملك القدرة على تعريف معنى الانتماء. فحين يبقى العراق هو الوطن الأول، يستطيع العراقي أن يحمل أي هوية دينية أو ثقافية أو سياسية من دون أن تتحول إلى بديل عن وطنه. أما حين يصبح الانتماء العابر للحدود أقوى من الانتماء الوطني، فإن التغيير يكون قد وصل إلى أعمق من الديموغرافيا: يكون قد وصل إلى معنى العراق نفسه.
#صادق_جبار_حسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟