صادق جبار حسين
الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 22:49
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
منذ الأيام الأولى لوصول الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979، لم تُخفِ الجمهورية الإسلامية التي أسسها نيتها في تصدير مشروعها خارج حدودها. لم يكن الأمر مجرد شعارات عابرة أو حماسة ثورية مؤقتة، بل مشروع سياسي عقائدي واضح يقوم على مبدأ “ولاية الفقيه”، أي منح المرشد الإيراني سلطة دينية وسياسية تتجاوز حدود إيران نفسها.
وقد عبّر الخميني عن هذا التوجه في أكثر من خطاب، حين أكد أن الثورة الإسلامية “ليست خاصة بإيران”، وأن على المسلمين “إسقاط الأنظمة التابعة للغرب”. كما تحدث المسؤولون الإيرانيون في تلك المرحلة بشكل صريح عن “تصدير الثورة الإسلامية” إلى دول المنطقة، معتبرين أن نجاح الثورة لا يكتمل إلا بامتدادها خارج الحدود الإيرانية.
ومن أشهر الشعارات التي رُفعت في الأيام الأولى من الحرب العراقية الإيرانية: “الطريق إلى القدس يمر عبر كربلاء”، وهو شعار لم يكن رمزياً فقط ، بل حمل دلالة سياسية وعسكرية واضحة. فالمقصود به أن السيطرة على العراق ، وتحديداً المدن المقدسة الشيعية فيه ، تُعد خطوة أساسية ضمن المشروع الإيراني الأوسع في المنطقة قبل الوصول إلى مواجهة إسرائيل أو “تحرير القدس” كما كانت تصفه طهران.
هذا الخطاب أثار قلقاً واسعاً داخل العراق والدول العربية، لأنه كشف عن نوايا حكام إيران وما يفكرون به وموقفهم من دول المنطقة
أدرك صدام حسين مبكراً طبيعة الخطر القادم من طهران من خلال خطب و تصريحات المسؤولين الإيرانيين الأوائل ، واصبح وأضح للحكومة العراقية أنها أمام مشروع توسعي سيبتلع العراق أولاً ثم يمتد إلى بقية المنطقة. ولهذا رفع شعار التصدي لما سماه “الخطر الفارسي” ومحاولات اختراق العراق مذهبياً وسياسياً.
ولم يكن ذلك مجرد تخوف نظري، بل بدأت انعكاسات الثورة الإيرانية تظهر سريعاً داخل العراق. فقد أعلن عدد من رجال الدين والتيارات الإسلامية الشيعية تأييدهم العلني للخميني والثورة الإيرانية ، وكان من أبرزهم محمد باقر الصدر الذي دعا إلى دعم الثورة الإيرانية واعتبرها مشروعاً إسلامياً كبيراً. وقد رأت السلطة العراقية في هذا الموقف دليلاً على انتقال الولاء السياسي والديني من الدولة العراقية إلى القيادة الإيرانية الجديدة.
ومع تصاعد الحماس للثورة الإيرانية داخل بعض الأوساط الشيعية العراقية، شهد العراق اضطرابات أمنية وعمليات تفجير واغتيالات اتهمت بغداد جهات مرتبطة بإيران بالوقوف خلفها، خصوصاً تنظيمات حزب الدعوة الإسلامية. كما ظهرت شعارات مؤيدة للخميني في بعض المناطق العراقية ، مما عزز قناعة النظام العراقي بأن إيران بدأت فعلياً بمحاولة خلق نفوذ داخلي يمهد لإخضاع العراق لمشروع “ولاية الفقيه”.
وردّ نظام صدام بعنف شديد، عبر حملات اعتقال وإعدامات واسعة ضد قيادات التيارات الإسلامية الشيعية، وانتهى الأمر بإعدام محمد باقر الصدر عام 1980، في واحدة من أكثر المحطات دموية وإثارة للجدل في تاريخ العراق الحديث.
لكن ما جرى بعد ذلك أعاد طرح السؤال بقوة: هل كانت تحذيرات صدام مجرد دعاية سياسية، أم قراءة مبكرة لمشروع إيراني طويل الأمد؟
بعد سقوط بغداد عام 2003، وجدت إيران الفرصة التاريخية التي انتظرتها لعقود. فالدولة العراقية انهارت، والجيش تم حله، والمؤسسات الأمنية تفككت، بينما دخلت الأحزاب والفصائل المرتبطة بطهران إلى العراق وهي تحمل مشروعاً منظماً ومدعوماً بالمال والسلاح والعقيدة.
عملت إيران منذ اللحظة الأولى على السيطرة على العقل العراقي قبل السيطرة على السياسة. فبدلاً من الاحتلال العسكري المباشر، اعتمدت على بناء طبقة سياسية ودينية وإعلامية مرتبطة بها بالكامل. الأحزاب التي عادت من المنفى، ومعظمها كان يقيم في إيران أو يعمل تحت رعايتها، تسلمت السلطة وبدأت بإعادة تشكيل المجتمع وفق خطاب طائفي يجعل الانتماء المذهبي فوق الانتماء الوطني.
تم تصوير إيران داخل الشارع الشيعي العراقي على أنها “الحامي” و”المدافع عن الشيعة”، بينما جرى ترسيخ فكرة أن أي مواجهة مع النفوذ الإيراني تعني استهدافاً للطائفة نفسها. وهكذا تحولت السياسة إلى قضية عقائدية، وأصبح كثير من الناس يخشون انتقاد إيران حتى لا يُتهموا بمعاداة المذهب.
كما استخدمت طهران أدوات متعددة لغسل الوعي الجمعي، عبر القنوات الفضائية، والخطاب الديني، والمواكب، والحسينيات، والمؤسسات الثقافية، وحتى المناهج غير الرسمية التي تمجد “المقاومة” وولاية الفقيه. وتم التركيز بشكل مكثف على المظلومية الطائفية وربطها بالحاضر السياسي، لإبقاء المجتمع في حالة تعبئة عاطفية مستمرة.
وفي الوقت نفسه، جرى بناء الميليشيات المسلحة التي لم تكن مجرد تشكيلات عسكرية، بل أدوات عقائدية وإعلامية واجتماعية. هذه الفصائل قدمت نفسها باعتبارها حامية للمذهب، لكنها في الواقع أصبحت وسيلة لفرض النفوذ الإيراني داخل العراق. ومع مرور الوقت، صار السلاح والمال والوظائف والخدمات مرتبطاً بالأحزاب والفصائل الموالية لطهران، ما خلق طبقة واسعة من المستفيدين المرتبطين بمصالح مباشرة مع إيران.
وبعد ظهور تنظيم داعش، التي أوجدته وعملت على إدخاله للعراق ، استغلت إيران حالة الخوف والانهيار الأمني لتوسيع نفوذها أكثر عبر “الحشد الشعبي”، الذي تحول من قوة مؤقتة إلى مؤسسة ضخمة تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً واقتصادياً. ومن خلال هذا الواقع، أصبح الولاء لإيران عند بعض الجماعات يُقدَّم على الولاء للعراق نفسه، حتى باتت صور القادة الإيرانيين تُرفع في بعض المدن العراقية أكثر من صور الرموز الوطنية العراقية.
ويرى منتقدو النفوذ الإيراني أن أخطر ما حدث بعد 2003 هو نجاح طهران في إعادة تشكيل جزء من الهوية السياسية والاجتماعية للعراق، بحيث أصبح الانقسام الطائفي هو الأساس، بينما تراجعت فكرة الدولة الوطنية الجامعة.
ولا يخفى على أحد الدور الذي لعبه العديد من المراجع والشخصيات الدينية الشيعية في العراق دوراً أساسياً في فتح المجال أمام تمدد النفوذ الإيراني بعد عام 2003، سواء بشكل مباشر أو عبر الخطاب الديني والسياسي الذي عزز فكرة الارتباط العقائدي بإيران ومبدأ “ولاية الفقيه”. وكان للمرجع الشيعي علي السيستاني حضور محوري في المشهد العراقي، إذ منحت مواقفه وفتاواه غطاءً دينياً للقوى الشيعية التي وصلت إلى الحكم بعد سقوط بغداد، كما أن فتوى “الجهاد الكفائي” عام 2014 فتحت الباب أمام تشكيل “الحشد الشعبي” الذي ضم فصائل مرتبطة بشكل مباشر بإيران والحرس الثوري.
كما برزت شخصيات دينية وسياسية أخرى أكثر قرباً ووضوحاً في الولاء لطهران، مثل محمد باقر الحكيم وعبد العزيز الحكيم اللذين ارتبط المجلس الأعلى الذي قاداهما بإيران منذ تأسيسه خلال الحرب العراقية الإيرانية، بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني. كذلك لعب مقتدى الصدر دوراً متقلباً، لكنه ساهم في تكريس الخطاب الطائفي والمسلح الذي استفادت منه إيران في تعزيز نفوذها داخل العراق.
أما الشخصيات المرتبطة عقائدياً بشكل صريح وعلني وتتبع أوامر من ايران وتؤمن بولاية الفقيه الإيرانية،
هادي العامري
قائد منظمة بدر التي تأسست في إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية بدعم مباشر من الحرس الثوري.
قيس الخزعلي
وهو من أبرز الشخصيات العراقية الموالية لإيران، ويُعرف بعلاقته الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني وبدعمه العلني لولاية الفقيه.
أكرم الكعبي
من أكثر الشخصيات العراقية قرباً من إيران، وأعلن صراحة ولاءه للمرشد الإيراني ودعمه لمشروع ولاية الفقيه.
وقيادات الفصائل المسلحة المقربة من طهران، فقد عملت على ترسيخ فكرة أن الولاء للمرشد الإيراني جزء من الالتزام الديني والسياسي. كما لعب رجال دين وخطباء منابر دوراً واسعاً في الترويج لإيران باعتبارها “حامية الشيعة” ومرجعية القوة في المنطقة، مقابل تهميش الهوية الوطنية العراقية.
ويرى منتقدو هذا المسار أن أخطر ما قامت به هذه المرجعيات والشخصيات لم يكن فقط دعم الأحزاب والفصائل الموالية لإيران، بل تحويل الصراع السياسي إلى قضية دينية، بحيث أصبح النفوذ الإيراني محمياً بغطاء مذهبي يصعب على كثيرين انتقاده دون التعرض لاتهامات طائفية أو دينية.
واليوم، يرى كثيرون أن العراق تحول إلى ساحة نفوذ إيرانية مفتوحة، وأن الشعارات التي رفعتها طهران منذ قيام الثورة لم تكن مجرد خطابات، بل مشروعاً سياسياً وعقائدياً جرى تنفيذه تدريجياً على أرض الواقع.
ومن هنا يعود السؤال من جديد: هل كان صدام على حق عندما اعتبر أن العراق هو الهدف الأول لمشروع الثورة الإيرانية؟
#صادق_جبار_حسين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟