أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق جبار حسين - عاشوراء مسرحية غير هادفة














المزيد.....

عاشوراء مسرحية غير هادفة


صادق جبار حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 21:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في كل عام تتكرر المشاهد ذاتها: شوارع مكتظة، طبول صاخبة، مكبرات صوت تملأ المدن بالضجيج، مواكب ضخمة، رجال يضربون صدورهم، وآخرون يشقون رؤوسهم بالسيوف في مشاهد دموية تُبث مباشرة إلى العالم عبر الهواتف ومنصات التواصل. ويُراد من كل ذلك أن يُنظر إليه بوصفه تعبيراً عن الحزن أو الوفاء لذكرى تاريخية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: متى يتحول الحزن إلى استعراض؟ ومتى تتحول الذكرى إلى طقوس تبتعد عن العقل والواقع وتدخل في دائرة المبالغة والضرر المجتمعي؟

إن أكثر ما يلفت النظر في هذه المظاهر هو التناقض الصارخ بين الحدث التاريخي الأصلي وبين الصورة التي تُعاد صياغتها اليوم. فبدلاً من التعامل مع شخصيات التاريخ باعتبارها شخصيات بشرية عاشت ظروفاً سياسية وعسكرية معقدة، يجري تقديمها في كثير من الأحيان بصورة أسطورية تتجاوز حدود الواقع، وتُنسج حولها روايات ومشاهد درامية أقرب إلى الخيال الشعبي منها إلى التوثيق التاريخي. ويزداد الأمر غرابة عندما تُجسَّد هذه الشخصيات في مواكب وعروض يرتدي المشاركون فيها أزياءً لا يُعرف مدى صلتها بالتاريخ الحقيقي، فتظهر مشاهد أقرب إلى المسرح الشعبي منها إلى إحياء حدث تاريخي.

ولا تقف المشكلة عند حدود التشويه التاريخي، بل تمتد إلى تحويل الألم إلى قيمة بحد ذاته. فالتطبير، الذي يقوم على شج الرؤوس وإسالة الدماء، يُقدَّم أحياناً كأنه ذروة التعبير عن الحزن، رغم أن نتيجته العملية ليست سوى إصابات وجروح ونزيف واستدعاء فرق الإسعاف والطوارئ للتعامل مع حالات كان من الممكن تجنبها بالكامل. وقد وثقت دراسات وتقارير طبية عراقية استقبال مستشفيات ومراكز صحية لأعداد كبيرة من المصابين المرتبطين بهذه الممارسات، كما تناولت أبحاث طبية حالات إصابات الرأس والنزف الناتجة عن التطبير والحاجة إلى التدخل الطبي والعلاج ونقل الدم في بعض الحالات.

أما على مستوى التجمعات البشرية الضخمة، فإن المسألة لا تتعلق بالمشاركين وحدهم. فالتاريخ القريب شهد حوادث تدافع وسقوط عشرات الضحايا ومئات الجرحى خلال بعض المناسبات المرتبطة بعاشوراء، نتيجة الاكتظاظ وسوء التنظيم والانهيارات البشرية المفاجئة. ففي إحدى حوادث كربلاء عام 2019 قُتل أكثر من ثلاثين شخصاً وأصيب أكثر من مئة آخرين خلال تدافع جماهيري.

لكن الخسارة لا تُقاس فقط بعدد القتلى والجرحى. فهناك كلفة أخرى يدفعها المجتمع بأكمله. إذ تضطر المؤسسات الصحية سنوياً إلى استنفار أعداد كبيرة من الأطباء والمسعفين وسيارات الإسعاف والموارد الطبية لتغطية هذه الفعاليات. ففي عام 2025 وحده أعلن الهلال الأحمر العراقي تقديم خدمات وإسعافات وعناية صحية لأكثر من 75 ألف مشارك، مع تعبئة مئات العاملين والمتطوعين وعشرات سيارات الإسعاف والعيادات المتنقلة.

هذا الاستنفار يعني عملياً تحويل جزء مهم من الطاقات الطبية نحو التعامل مع إصابات ومضاعفات مرتبطة بالمواكب والتجمعات، في وقت تعاني فيه المستشفيات العراقية أصلاً من ضغط كبير ونقص في الموارد والكفاءات. وقد أظهرت دراسات منشورة حول التجمعات الدينية المليونية في العراق أن هذه المناسبات تفرض عبئاً هائلاً على النظام الصحي وتؤدي إلى ارتفاع كبير في أعداد الإصابات والحالات الطارئة والزيارات الطبية.

ومن حق أي مواطن أن يتساءل: كم مريضاً ينتظر سريراً في مستشفى حكومي بينما تُستنزف الموارد لمعالجة جروح مفتعلة؟ وكم سيارة إسعاف كان يمكن أن تتجه إلى حادث سير أو حالة قلبية أو ولادة طارئة بدلاً من الانشغال بإصابات ناتجة عن ممارسات يمكن الاستغناء عنها بالكامل؟ وكم طبيب وممرض يُسحب من عمله المعتاد لتغطية فعاليات معروفة مسبقاً بأنها ستنتج آلاف الحالات الطبية؟

الأكثر إثارة للاستغراب أن هذه الطقوس تُقدَّم أحياناً على أنها تمثل جوهر المناسبة، بينما لا يرى العالم منها سوى الدماء والضجيج والازدحام والمظاهر الاستعراضية. وعندما تنتشر المقاطع المصورة عالمياً، فإنها لا تنقل قيماً أو أفكاراً أو دروساً تاريخية، بل تنقل مشاهد رجال يضربون أنفسهم بالسلاسل والسيوف وسط قرع الطبول والصراخ الجماعي. لذلك ليس مستغرباً أن تتحول هذه المقاطع إلى مادة للسخرية أو الاستهجان لدى كثير من المتابعين حول العالم، لأن ما يُعرض أمامهم يبدو أقرب إلى طقوس بدائية وعروض جماهيرية صاخبة منه إلى إحياء واعٍ لذكرى تاريخية.

إن النقد هنا لا يستهدف حق الناس في التذكر أو الحزن أو الاجتماع، بل يستهدف ثقافة تجعل الجسد أداة للإيذاء، والعاطفة بديلاً عن التفكير، والأسطورة بديلاً عن التاريخ، والاستعراض بديلاً عن الفهم. فحين تتحول الذكرى إلى نزيف، والتاريخ إلى مسرحية، والحشود إلى عبء على المجتمع ومؤسساته الصحية، يصبح من المشروع التساؤل عمّا إذا كانت هذه الممارسات تخدم الذاكرة حقاً، أم أنها تحولت مع الزمن إلى ظاهرة تعيد إنتاج نفسها مهما كانت كلفتها الإنسانية والاجتماعية.



#صادق_جبار_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفقر والبطالة وصناعة الولاء
- هل كان صدام على حق؟
- تمخض الجبل فولد فأر ، حكومة العار
- هيهات منا العزة
- بين دموع راشيل ريفز وضحكة طيف سامي ، القيم الأخلاقية والانحد ...
- هل نست إيران مساعدات إسرائيل وأمريكا لها
- النصر من وجهة نظر إيران
- فصل أخر من مسرحية ، خذ حذرك سوف أضرب
- إيران نمر من ورق
- أنتم أسوأ الخلق
- طفيليات المجتمع 5 : المدراء والموظفين
- طفيليات المجتمع 4 : الأطباء والصيادلة ومختبرات التحليل
- طفيليات المجتمع 3: عصابات الإتاوات والابتزاز
- طفيليات المجتمع 2: شيوخ العشائر ورجال الدين
- طفيليات المجتمع 1: النواب وأعضاء مجالس المحافظات
- شهر رمضان فيه الفقير يهان
- السياسيون العراقيون ما اتركك ولا أترك رحمه الله تنزل
- العمائم السوداء ، غربان الخراب
- العشائر في العراق : بين ترسيخ الفوضى وإجهاض العدالة
- لم تعد الهند بلد العجائب بل العراق


المزيد.....




- زلزال سياسي يهدد مودي.. فضيحة فساد في معبد بناه على أنقاض مس ...
- من الجو والبر.. هذه أبرز التهديدات الأمنية التي تواجه إيران ...
- الجيش الإسرائيلي يحذّر: نقص حاد في القوى البشرية يهدد الجاهز ...
- طهران تبدأ مراسم تشييع المرشد الراحل: هل يظهر مجتبى خامنئي ف ...
- تشريعيات الجزائر تسجل أدنى نسبة مشاركة في تاريخ البلاد: لماذ ...
- معرض -فلسطين المقتلعة- يشعل أزمة سياسية في كندا بعد انتقاد و ...
- -اتفاق الإطار لا يشرّع الاحتلال-.. الرئيس اللبناني: إسقاط ال ...
- محور بلا معاهدة! .. لماذا تخشى الولايات المتحدة تقارب خصومها ...
- يوليان ناغلمسان.. سقوط مفاجئ لمدرب موهوب!
- مدفيديف يصل إلى طهران ممثلا لروسيا إلى مراسم تشييع المرشد ال ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - صادق جبار حسين - عاشوراء مسرحية غير هادفة