أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالامير العبادي - الشاعر فالح الطائي














المزيد.....

الشاعر فالح الطائي


عبدالامير العبادي

الحوار المتمدن-العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 14:14
المحور: الادب والفن
    


الشاعر فالح الطائي ومعادلة الموقف


التاريخ يدوّن مواقف الرجال، والحقائق تكشفها وإن طال الزمن. ونحن هنا أمام موقفٍ يستلهم الشجاعة من المبادئ التي يؤمن بها الإنسان، ويثبت أن الموقف الحقيقي لا يُقاس بحجم صاحبه، وإنما بقدرته على الثبات أمام الطغيان.

وإزاء ذلك نقول: لم يكن الشاعر كرماني سوى شاعرٍ كبير السن، وقف منتصبًا بقامته بالقرب من الملك العظيم تيمورلنك، رافضًا إلقاء قصيدة في حضرته، ولقي المصير المجهول. لكن كرماني ظل نموذجًا للثائر الرافض لكل إغراءات تيمورلنك.

وكذلك موقف أحمد فؤاد نجم، ومحمد الماغوط، وفؤاد سالم، وعشرات من رجال الكلمة الذين جاهروا بحقيقة مواقفهم، ورفضوا كل أشكال الدكتاتورية والطغيان. ولعل هذه المواقف تكررت عند الكثير من كبار الأدباء والمثقفين في العالم.

وعلى العكس من ذلك، نجد مواقف بعض شعراء العراق الذين انحنوا وقبّلوا أحذية الطاغية الفاشي صدام حسين، وظلوا يتسابقون إلى دواوينه العفنة كي ينالوا رضاه، حتى أصبح وجودهم جزءًا من أسباب مكوثه على رقاب الشعب.

ولا أريد أن تستغرقني هذه النكرات، فقد استفزني إيجابًا ما عرضه الدكتور حميد عبد الله حين استعرض مأساة مقتل الشاعر الشعبي فالح الطائي، من أهالي البصرة، وكيف عُذّب وقُتل على يد مجرمي البعث في اتحاد نقابات العمال في البصرة، تنفيذًا لأوامر النظام الفاشي.

لقد بيّن الدكتور حميد عبد الله أن الشاعر فالح الطائي لم يكن سوى عاملٍ بسيط في معمل الورق في البصرة؛ لم يكن مهندسًا، ولا مديرًا، ولا سياسيًا، ولم يكن جاسوسًا أو عميلًا أو متآمرًا على العراق. كان مجرد إنسان يحمل أحلامًا، ويطالب بحقوق الفقراء والعمال وفق نظرية آمن بها.

فالح الطائي لم يرفع السلاح في وجه السلطة البعثية، ولم يفجّر مفاعلًا نوويًا، ولم يقتل بعثيًا فاشيًا أو أي إنسان. كل ما كان يملكه هو أحلامه وأمانيه، وإيمانه بما يعتقد أنه حق.

وحسب رواية حميد عبد الله، وأثناء الحملة النازية ضد الشيوعيين والقوى الوطنية في بداية عام 1978، هرب الشاعر فالح الطائي إلى بغداد، ليعمل عاملًا لدى أحد المقاولين، كي يعيش يومه.

وشاءت الأقدار أن يتوفى أخوه في البصرة، فاتصل به أحد المقربين منه، ودعاه إلى حضور مجلس فاتحة أخيه عام 1982. وعند حضوره، أُلقي القبض عليه بوشاية من أحد أصدقائه.

وهنا تبدأ المأساة؛ إذ خضع لتعذيب شديد وقاسٍ، ومكث في أمن البصرة، ثم رُحّل إلى بغداد، ليسلَّم إلى المجرم فاضل البراك، الذي رفع تقريره إلى صدام حسين، موضحًا مدى صمود هذا الشاعر الشيوعي.

وحسب ما أورده الدكتور حميد عبد الله، كتب صدام حسين بخط يده أمرًا بتصفية الشاعر، وأن تكون تصفيته في اتحاد نقابات عمال البصرة، من دون رحمة.

وفعلًا، اقتيد فالح الطائي إلى الاتحاد، وأُجبر على الوقوف على المسرح أمام زبانية النظام، ليتحدث عن سيرته. وأثناء وقوفه، تقدّم إليه أحد الجلادين، وأطلق رصاصة على رأسه، ثم أُمر بقية أعضاء الاتحاد بتوجيه رصاصهم نحو جسد الشاعر فالح.

بعدها دُفن في الزبير، وانتهت حياة هذا الإنسان، كما انتهت حياة آلاف الضحايا في تلك الحقبة السوداء.

أقول: هذه حكاية من حكايات آلاف الذين راحوا ضحية تلك الحقبة. والسؤال هنا: ما هذا الجبروت؟ وما هذه الخسّة؟ وما هذا الطغيان؟ أليست هذه الصورة المصغّرة تكشف لنا جانبًا من حيثيات ذلك الإجرام؟

أكرر، أمام هذه الحقائق: كم كان فالح الطائي شجاعًا وهو يقارع فاشية صدام! لقد امتلك ما عجز عنه الكثيرون: موقفًا لم يتخلَّ عنه، حتى عندما أصبح الثمن حياته.

وأدعو من على عينيه غشاوة، وما زالت أحلامه توحي له بحب صدام، أن يصحو، وأن يقرأ التاريخ بعينٍ مفتوحة، بعيدًا عن تقديس الأشخاص وصناعة الأصنام.

وأخيرًا، أنا هنا لا أقول إن النظام الحالي يمتلك صورة وردية؛ بل أراه نظامًا أغرق العراق في الفساد والتخلف والصراعات الداخلية. لكن نقد الحاضر لا يعني تبرئة الماضي، كما أن رفض أخطاء الحاضر لا يمكن أن يكون مبررًا لتمجيد نظامٍ مارس القمع والقتل والاستبداد.

شكرًا مرة أخرى للدكتور حميد عبد الله، وهو يكشف لنا حقيقة مقتل الشاعر فالح الطائي، ويعيد إلى الذاكرة سيرة رجلٍ لم يمت حين أُطلقت عليه الرصاصات، بل بقي حيًا في ذاكرة الذين يؤمنون بأن الموقف موقف، وأن الكلمة قد تكون أثمن من الحياة.



#عبدالامير_العبادي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النص ام الموقف؟
- أتى ليعزف موسيقى العذاب
- آخر المعتزلة
- لا قداسة في الادب والشعر
- لا تكفر يا عمر السراي
- فلسطين تضيع بين العرب وايران
- متى تستفيق القيادات الشيوعية من سباتها؟
- الحزب الشيوعي والسلطة
- مسلسل معاوية والحسنين
- حينما تحدثني أمراة
- يالهذا الدرب
- عدالة
- سقوط المثقف في بالوعة الدخلاء
- صومعة ابن مسرة القرطبي
- نص لن يكتب
- العنف الثقافي وخانة تقسيط مراحله
- خطاب النار
- اين انت ايها المثقف!
- الواح من ثلج
- الميراث


المزيد.....




- كاتب إيطالي يعتزم كتابة رواية عن تولستوي
- محمود الهندي يقود ثورة موسيقية لإحياء التراث اليمني برؤية حد ...
- يسرا تحضر العرض الخاص لفيلم -الست لمّا- فيتو- في السعودية
- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالامير العبادي - الشاعر فالح الطائي