أشرف توفيق
(Ashraf Mostafa Tawfik)
الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 18:11
المحور:
قضايا ثقافية
( وفى حياة الواحد منا ألوف الناس..قريبون وبعيدون..يمرون دون أن يتركوا أثرا،كما تمر الريح على الصحراء،أو يتركون أثرا ،كما تنفذ الشمس للغرف المظلمة، وقد يكون أقرب الناس إليك،أبعدهم عنك.ويكون أبعدهم عنك أقربهم منك! وقد يكون الشخص متواضعا،ولكنه عميق الأثر فى دنياك "أمى وأمك مثلا!" وقديكون مثقفا ولكن لا أثر له عليك"المدرسون مثلا!"وفى حياتى كتاب ومفكرين كان لهم كتب غيرتنى وقربتنى منهم،فعشت معهم،فلهم عبارة جميلة ونظرة عميقة وصرت مشدوداً بخيط من المطاط لهم،إذا ابتعدت عنهم شدنى لهم ،وإذاباعدت نفسى ردنى إليهم بقوة،والحمد لله على تلك الصدف التى تأتى لك فى الزحام فتجد إناس معك ويحيطون بك وكأنهم جزيرة المغناطيس التى جاءت فى ألف ليلة وليلة ؟! وقد كان صنع الله ابراهيم واحد من هؤلاء فى حياتى) أشرف مصطفى توفيق
عرفنا الطريق لبيت صنع الله ابراهيم فبيته على مشارف مصرالجديدة،فى عمارة طويلة،ضيقة المدخل، سبعة أدوار ،ولها سلالم افقية وليست مائلة، وكنا أذا صعدنا نهجنا وإذا هبطنا نهجنا،والعمارة بلا سطوح فشقة صنع الله هى السطوح؟!
وكان البواب غيرمتكيف معنا ولا مع الاستاذ،فصنع الله يعمل كل شيىء بنفسه يشترى حاجة البيت ويساعد زوجته فى اعمال المنزله ،فلم يجد البواب طريقا لسبوبة منه. فعلى ولذا كان على لسان البواب عبارة "الإستاذ مش فوق ،الأستاذ خرج؟!"وكنا نعرف كذبه فصنع الله قليل الخروج ،قليل لنزول.ولذا كان كثيرالرخامة عند ركن سيارتنا ملاصق لرصيف العمارة،ولايكتف بسجارة وإنما يفرض علينا اتاوة.
وكانت شقة صنع الله بسيطة متواضعة كشخصه تماما،لاتزيد عن 100متروقد كسى معظم الحوائط فيها بمكتبات صناعة نجار متواضع المستوى،وحشر فيها الكتب.
وهناك موعد مقدس كل سنة،نلتف فيه حول الأستاذ والموعد معروف بعد نهاية معرض القاهرة للكتاب بأسبوع أما لماذا؟ لننول المراد من رب العباد،نسخة من روايتة الجديدة وفى كل مرة كان نفس الأهداء المتكرر بخطه المنمنم والتوقيع الفرمة السنيه (صنع الله إبراهيم) لم يكن بيننا شىء.آى شىء إلا الكتب نناقشها ونحكى عنها، فإذا انتقل الكلام للسرد والرواية بخاصة سكتنا وتكلم،أوسألنا فأجاب.وهو يجيب بتلقائية لايقطع فيها برأى،أنها احتمالات إجابة فهو يرى أن السؤال يرى والإجابات عمياء فليس للسؤال إجابة واحدة،وإذا وجدت فليست حقيقة قاطعة ،أنها رأينا أو رأيه
وفى زيارة لبيته فى مصر الجديدة قبل أن ينتقل للمقطم بسبب المرض،وكسور لحقته تعرض لها فاجأنا الأستاذ لم يهدينا رواية،ولكنه اهدانا كتابه "التجربة الانثوية" ابحر فيه فى بحور روايات كتبتها المرأة فى الغرب، لقد سافر للأدب النسائى جلس، وقرأ، وترجم وحلل وعرض فيه ل11 (كاتبة ) كانت أهمهم الامريكية "تونى مورسيون" والتى فازت بنوبل للآدب فى نفس العام 1993،ومعها الشهيرات :دوريس ليسنج، إدنا أوبريان، ومارلين فرنش.وسألنا مامعنى التجربة الأنثوية ؟ قلنا: جنس يعنى. وقال: لا.. واستوضحنا؟! فقال: روايات كتبتها المرأة وموضوعها الجنس، هو الأدب الانثوى الغربى أو العالمى..وفيه تكتب المرأة عن ذاتها ،عن جسدها. فهى بين طبيعة بيولوجية ثابتة ورؤية حدثية للحرية بل لحريات جديدة!وجرينا على النسخ.. وقال صنع الله :اعتقد أن الصدفة والحاجة من عوامل كتابة "التجربة الأنثوية" ففى سنة68 وجد ت نفسى فى بيروت فى ضيافة المرحوم فتحى القشاوى.ولم يكن معى إلاشنطة صغيرة للملابس وضعت فيها عدة روايات،وكتاب( النساء الجديدات الجريئات) fawcett, the new old wom
حرصت محررته على إختيار نصوص تغطى الحياة الداخلية والجسدية للمرأة فى مراحل مختلفة من الصغر والمراهقة وفى حالة العشق والزواج والمغامرة ومع طول الاقامة وظروف الحياة عرضت على "مجلة الحسناء" فكرة ترجمة بعض نصوص الكتاب للعربية فى المجلة،ويعترف(صنع الله إبراهيم) أنه اضطر الى التدخل فى بعض النصوص،لضمان الأستمرار فى نشر التجربة ،بعد التهديد بالمنع ففى ترجمته لقصة "استيقاظ مود" لمارج بيرسى أزال مقاطع كاملة واستبدلها بالنقاط الشهيرة التى الف "إحسان عبد القدوس" أن يضعها عند المواقف الحميمة فى قصصه خوف الرقابة، ورغم هذا الحرص لأحسان إلا أن العقاد سمىى إحسان "اديب الفراش" ؟! وقال صنع الله: فعلت ذلك بكل حزن فهدفى،بل حلمى الحقيقي ( أن يأتي يوم نستطيع فيه أن نكتب عن أدق أمور حياتنا بصدق وأمانة، بعيداً عن ديماغوجية السائد وضغوطه العقيمة)، وبعد نشر( 5 ) نصوص من الكتاب لكاتبات من الغرب.جاء أنس الحاج رئيس تحرير المجلة مستنكرا وقال (أنت تكتب لنا دعارة!) ترجمتك ومعالجتك للنص فجة،وتوقف النشر،ومعه توقف الدخل الميسر للبقاء ببيروت.والغريبة أن أنس الحج الذى عمل على قديس كان وقتها وفى الخفاء غارق لششته فى حب غادة السمان وهى لازالت شابة تتلألا فى دنيا الأدب يكتب لها عشقه فى رسائل،ويسكب غرامة فى مساعدات لوجستيه لها بالنشر فى الجرائد والمجلات الى يعمل بها وهو متزوج وأب وعنده اولاد! على العموم غادة السمان بعد 10 سنوات فضحته ونشرت رسائله وقالت كان سندا ادبيا وكان حبيبا متطفلا وقد اعتبرت كتابها (رسائل أنس الحج لغادة السمان) رد اعتبار لى بأثر رجعى.
ويقول صنع الله :(ولكن لم اتخل عن مواصلة الترجمة للكتاب،بل كنت استغرق فى روايات كاتبات الغرب بحثا عن نصوص مماثلة،لعدة اعوام تالية، وكانى فى رحلة شخصية من أجل دراسة المرأة وفهم سلوكها الجنسى كنت أستكمل بلاوعى قلة معرفتى بالمراة..فقدمت التجربة الانثوية.)
قلت له : إذن لم تكن لتحزن كما فعل إحسان عبد القدوس حينما هاجمه عباس العقاد ووصفه بأديب الفراش. لو قال عنك العقاد ذلك ؟!
قال : أحزن لو قال عني العقاد غير ذلك،أن أنيس منصور وهو تلميذ وعاشق للعقاد قال عن نقد العقاد إن العقاد حينما ينقد : يصبح عباس محمود العضاض !! وتذكرت النقاط الشهيرة …………………………………………..
………………………………….
…………………………………………
ل"إحسان عبد القدوس" والتى ادهشتنى وأنا اطالع رواية "النظارة السوداء" التى بدت لى بطلتها (ديدى) متمصرة لم التق بمثلها قبلا ولذا تصببت عرقا على اسطر النقاط التى جعلها عبد القدوس،تفصل بين ضرب حبيبها لها وإستسلامها له.كانت هذه النقاط تقطر رغبة ولذة.
وفى كثير من الأحيان كانت زوجته مدام ليلى تجلس معنا وهى امرأة مثقفة واعية تعمل مرشدة سياحية وقد طلبت منا ذات لقاء التدخل بينها وبين الأستاذ،أما المشكلة (أن الاستاذ رافض أن يحمل تليفون نقال "موبيل" يعتبره ضد الخصوصية وغيرصحى،وهو مكتفى بالتليفون الأرضى المنزلى، فإذا خرج فهو لايحب أن يعرف أحد عنه شيىْ؟! وفشلنا فى اقناعه رغم أن مدام ليلى اشترت تليفون جديد له !
ويحكى صنع الله لنا (أنه لصغر الشقة لم يجد مكانا للجرائد والمجلات التى كان يحتفظ بها،ويقوم بعمل فيلات"ملفات" لها،إلا اسفل سريره الذى ينام عليه!فهو لايستغنى عن جرائده ومجلاته مثلنا بل يحتفظ بأخبارها وحوادثها متسلسله،فى رزم عبرملفات صنعها من قص ولذق الجرائد!؟)
ويقول: أنه فى أحد الليالى استيقظ على صراخ زوجته مدام ليلى،لقد رأت فأرا يخرج من تحت السرير،واكتشفت مخبأ رزم الجرائد، وفى لحظة غضب اقسمت الزوجة أن تلقى بما تحت السرير فى الزبالة نادت البواب،وبدأت حملة نظافة ؟! لكن صنع الله لم يلق الجرائد بالزبالة وإنما القمها لرواية! فصدفة "الفأر" الشارد صنعت رواية "ذات" التى كتب نصفها من توثيق الجرائد القديمة التى تحولت للون الأصفر بفعل ثان أكسيد الكربون والتى كانت تحت مخدعه فصرخة رعب زوجته،كانت النداء أن أصنع رواية جديدة فى كل شيىء الشكل والمضمون.
وقرر الأستاذ أن يصحبنى " للأتيلية" أتيله الأدب والفن بوسط البلد فى ندوة له عن رواييته (ذات) وجلس بيننا يستمع ولم يجلس على المنصة متعللا بأنه يعتنق مبدأ "موت المؤلف" فلم يقل كلمة ولم يعلق!! وهى نظرية قال بها الناقد الفرنسى"رولان بارت" وتدعو للفصل بين النص الأدبى والمؤلف! معتبرة أن المعنى النهائى لايملكة الكاتب،ولم يقصد "بارت" الموت الفيزيائى للكاتب،وإنما موته كسلطة دلالية على النص،ليصبح النص ملكا للقراءة والتأويل.وحين سألناه قال قلت كل ماعندى فى النص،اتركوا النص يعيش حياته؟! ولا أعرف هل هو فعلا يؤمن بنظرية موت المؤلف أم خاف أن ينزلق فى كلامه لصدفة الفأر الشارد تحت مخدعه؟!
كان يطلب منا حاجات بسيطة ونجدها فيما بعد برواياته فالرواية عندة تعجن وتخبز كل الاشياء طلب منى صور لبعض "محاضر الشرطة" فهو يريد أن يعرف كيف تتعامل الشرطة مع اوجاع المواطنين ووجدت ذلك فيما بعد،قبس من هذه المحاضر فى رواية "ذات" كما استفاد من كتبى عن المخدرات فى روايته "شرف" وذكر ذلك فى صفحة أخر الرواية سماها "شكر واجب"، وهكذا فعل مع زميلنا "على" فى رواية "امريكانيلى" ورد له فضل اختيار اسم الرواية ، وفى ورواية " العمامة والقبعة" قدمنا له وثائق ودراسات عن المماليك فى وقت الحملة الفرنسية فصنع الله كان يستفيد من الوثائق والكتب والجرائد والمجلات داخل الرواية ؟! فقد عمل محررا صحافيا في القاهرة ثم ألمانيا،وعند تفرغه للكتابة الأدبية عام 1975،سخر الصحافة لخدمة الرواية،حتى صار من رواد الرواية الوثائقية التي تعتمد على الأرشيف الصحافي والوثائق الرسمية،وتميز أسلوب صنع الله بالمزج بين السرد الأدبي والتوثيق، إذ يوظف الأرشيف الصحفي والقوانين والوثائق الرسمية داخل الرواية ،وقد فتحت تجربته آفاقا جديدة أمام السرد العربى
#أشرف_توفيق (هاشتاغ)
Ashraf_Mostafa_Tawfik#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟