منى الغبين
الحوار المتمدن-العدد: 8799 - 2026 / 8 / 16 - 21:06
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
،كثر الحديث عن السردية الأردنية.
نسمع المصطلح في الندوات الثقافية، ونقرأه في المقالات، ويدخل في كثير من النقاشات التي تتناول صورة الأردن وذاكرته وهويته.
لكن السردية الأردنية لم تبدأ يوم بدأنا نستخدم هذا المصطلح.
الحكاية أقدم من ذلك بكثير.
هي ذاكرة تراكمات السنين والأجيال، حفظها أناس عرفوا أن تاريخ البلد ليس فقط في الكتب والوثائق والأحداث الكبيرة.
جزء كبير منه كان يعيش بين الناس، في الحارات القديمة، وفي البيوت، وفي الأسواق، وفي الكتاتيب، وفي الأغاني والأمثال والحكايات التي كان الأجداد يروونها لأبنائهم.
وأشياء كثيرة من هذا النوع، لو لم تجد من يلتفت إليها، لذهبت مع أصحابها.
وهنا تأتي أهمية أولئك الذين حملوا همّ التوثيق في وقت لم يكن فيه الحديث عن السردية رائجاً كما هو اليوم.
من بين هؤلاء يبرز اسم المرحوم الدكتور عبدالله الرشيد، الباحث والمؤرخ الأردني الذي أمضى سنوات طويلة من عمره، في جمع التراث الشعبي الأردني وتوثيقه، وجعل من ذاكرة الناس موضوعاً يستحق أن يُكتب ويحفظ.
فمن هو الدكتور عبدالله الرشيد!
ولد عبدالله الرشيد في عمّان عام 1947، وعاش فيها وعاصر مراحل مهمة من تحولات السياسية والاجتماعية في الوطن،
أحب المدينة وكتب عنها، ولم ينظر إليها باعتبارها شوارع ومباني فقط.
كان يرى ما وراء المكان، الناس الذين عاشوا فيه، والحياة التي دارت بين بيوته وأسواقه وحاراته.
كان يعرف أن المدينة تتغير، وأن ما يختفي منها لا يعود بسهولة.
قد تختفي حرفة قديمة، أو يندثر كتاب، أو يرحل رجل مسن يحمل في ذاكرته عشرات القصص والأسماء والتفاصيل.
وإذا لم يسأله أحد عنها قبل أن يرحل، فربما تضيع معه إلى الأبد.
وهذه هي قيمة التوثيق الحقيقي.
أن تعرف أن التفصيل الصغير الذي يمر أمامك اليوم، قد يصبح غداً شيئاً مهما يبحث عنه الناس في الكتب.
واصل المؤرخ عبدالله الرشيد دراسته العلمية حتى حصل على درجة الماجستير عام 1991، ثم نال الدكتوراه من جامعة القديس يوسف في بيروت عام 1996، عن أطروحته (روكس بن زائد العزيزي وجهوده في تدوين التراث الشعبي الأردني،).
ولم يكن اختيار روكس بن زائد العزيزي مصادفة.
فقد كان من أبرز الذين اهتموا في التراث الشعبي الأردني، وجاءت دراسة د. عبدالله الرشيد لتعيد إضاءة هذا الجهد وتضعه أمام الباحثين والدارسين.
صدرت الدراسة لاحقاً في كتاب عن وزارة الثقافة الأردنية، وأصبحت مرجعاً مهماً في هذا المجال.
وهنا يبدو واضحاً أن د. عبدالله الرشيد كان يعرف قيمة من سبقوه.
كان يعرف أن حفظ التراث لا يبدأ من الصفر، وأن كل باحث يضع حجراً في بناء أكبر منه.
ولعل أجمل ما في تجربته أنه لم يكن باحثاً يكتفي بما تقوله الكتب.
كان ينزل إلى الميدان، ويجلس مع كبار السن، ويسمع منهم، ويسجل الروايات الشفوية، ويتتبع تفاصيل الحياة التي عاشها الأردنيون في مراحل مختلفة..ذهب الى شمال الوطن وجنوبه وشرقه.
وهذه التفاصيل هي التي تعطي كتب التراث روحها.
فالكتاب الذي يكتفي بالتواريخ والأسماء قد يخبرك بما حدث، لكن الحكاية الشعبية تجعلك ترى كيف كان الناس يعيشون ذلك الحدث.
ولهذا جاءت مؤلفات د. عبدالله الرشيد قريبة من الناس، وفيها شيء من رائحة المكان وملامحه.
ومن أهم أعماله كتابه «ملامح الحياة الشعبية في مدينة عمان (1878-1948)»، الذي يعد من المراجع المهمة في توثيق الحياة الاجتماعية في عمّان خلال مرحلة تأسيسية من تاريخ المدينة والأردن الحديث.
وثق الكتاب جوانب من العادات والتقاليد ومظاهر الحياة اليومية، وقدم صورة عن مجتمع كان يتغير من حوله، فيما بقيت تفاصيل كثيرة منه مهددة بالنسيان.
كما جاء كتابه «الكتاتيب ونظمها التقليدية في مدينة عمان» ليحفظ جانباً مهماً من تاريخ التعليم في المدينة قبل انتشار التعليم النظامي الحديث، موثقاً ما يتعلق بالكتاتيب وأدوارها وأماكنها وأساليب التعليم فيها.
وامتدت اهتماماته إلى الصناعات الشعبية في الأردن وفلسطين، وإلى التراث المحلي في عدد من المناطق والمحافظات، كما نشر أبحاثاً في المجلات الثقافية المتخصصة، ومنها مجلة «الفنون الشعبية».
وكان جزءاً من مشهد ثقافي أردني أوسع، جمعه مع أسماء تركت أثراً في الحياة الثقافية، من بينها روكس بن زائد العزيزي، وحسني فريز، وضياء الدين الرفاعي.
لم يكن هؤلاء ينتظرون مصطلحاً يصف ما يفعلونه.
كانوا يعملون.
يجمعون، ويوثقون، ويكتبون، ويحفظون ما استطاعوا من ذاكرة بلد يتغير بسرعة.
وفي تلك الأيام لم تكن كل هذه الجهود تجد الضوء الذي تستحقه، وربما كان كثير من أصحابها يعملون وهم يعرفون أن ثمرة عملهم قد لا تظهر إلا بعد سنوات.
رحل الدكتور عبدالله الرشيد في الثالث عشر من نيسان عام 2007.
لكن كتبه بقيت.
وهذه وحدها تقول الكثير.
فما زال الباحثون وطلبة الدراسات العليا يعودون إلى أعماله، وما زالت مؤلفاته حاضرة في المكتبات والجامعات، وتقدم مادة مهمة لكل من يريد أن يقرأ المجتمع الأردني من داخله، لا من خلال عناوينه الكبيرة فقط.
وهنا أصل إلى نقطة أعتقد أنها تستحق أن نقولها بصراحة.
حين نتحدث عن إرث د. عبدالله الرشيد، فنحن نتحدث عن إرث وطني في قيمته، نعم، لكن هذا لا يلغي أنه نتاج مؤلف له حقوقه.
الرجل كتب وجمع ووثق، وأمضى سنوات من عمره في هذا العمل. وبعد رحيله بقيت مؤلفاته، وبقيت معها الحقوق الأدبية والمالية التي ينظمها القانون وتنتقل إلى ورثته.
وأبناء د. عبدالله الرشيد لا يطلبون شيئاً غريباً.
ولا يريدون أن يحتكروا التراث الأردني، ولا أن يمنعوا طالباً أو باحثاً من الرجوع إلى كتب والدهم.
المسألة أبسط من ذلك.
هم أبناء رجل ترك لهم إرثاً فكرياً،للمكتبة الوطنية والوطن ،ومن حقهم أن يعرفوا كيف يجري التعامل مع هذا الإرث، وأين يعاد نشر كتبه أو طباعتها، وكيف يجري استثمارها، وأن تتم هذه الأمور وفق القانون وبما يحفظ حقوقهم.
يعني، بالعامية التي نفهمها جميعاً: الحق حق، مهما طال الزمن.
والكتاب الذي أصبح جزءاً من الذاكرة الوطنية لا يفقد صاحبه وورثته حقوقهم فيه.
هذه نقطة لا ينبغي أن تختلط علينا.
فأن تصبح مؤلفات شخص ما جزءاً من الثقافة العامة، شيء، وأن نتجاوز حقوقه وحقوق أسرته، شيء آخر تماماً.
والوفاء للكاتب لا يكون بذكر اسمه في مناسبة ثقافية ثم نغادر.
الوفاء الحقيقي يظهر في التفاصيل.
أن نحفظ كتبه، وأن نعيد تقديمها للجيل الجديد، وأن نذكر جهده، وأن نحفظ لأسرته حقوقها.
فإذا كنا نطالب الناس باحترام الثقافة والمثقفين، فمن الطبيعي أن يبدأ هذا الاحترام من أصحاب الثقافة أنفسهم، ومن أسرهم بعد رحيلهم.
ولذلك فإن مسؤولية وزارة الثقافة، والجامعات والمؤسسات الأكاديمية، والاتحادات والهيئات الثقافية، لا تتوقف عند الاحتفاء بإرث د. عبدالله الرشيد أو إعادة نشر أعماله.
هناك أيضاً مسؤولية في أن تكون إعادة النشر والتداول والاستثمار الثقافي لمؤلفاته واضحة ومنظمة، وأن تحفظ حقوق ورثته وفق القانون.
وليس في ذلك ما يعطل المعرفة.
على العكس، حين تكون الحقوق واضحة، تصبح العلاقة بين المؤسسات الثقافية وأصحاب الحقوق أكثر عدلاً واطمئناناً.
والحكاية هنا ليست حكاية مال فقط.
هناك جانب إنساني لا يجوز أن نغفله.
الرجل الذي قضى عمره يجمع ذاكرة الآخرين، ترك أبناءً لهم أيضاً حق في أن يروا إرث أبيهم محفوظاً ومحترماً.
ومن الصعب أن نتحدث طويلاً عن الوفاء للذاكرة، ثم ننسى أصحاب هذه الذاكرة ومن تركوها لنا.
د. عبدالله الرشيد واحد من أولئك الذين عملوا قبل أن تصبح عبارة «السردية الأردنية» عنواناً شائعاً.
كان يكتبها بطريقة أخرى.
يكتبها من الحارة، ومن البيت، ومن الكتّاب، ومن السوق، ومن حديث الناس.
كان يجمع الحكاية من أفواه أصحابها، ويضعها على الورق حتى لا تذهب مع الريح.
وهذا، في رأيي، هو جوهر الحكاية كلها.
أن هناك رجالاً ونساءً اشتغلوا على الذاكرة من دون ضجيج، ولم ينتظروا أن يصفق لهم أحد.
واليوم، ونحن نكثر من الكلام عن الهوية والسردية والذاكرة الوطنية، من حق هؤلاء أن نستعيد أسماءهم، وأن نعطيهم المكان الذي يستحقونه.
د.عبدالله الرشيد ليس مجرد اسم في قائمة الباحثين.
هو واحد من الذين تركوا لنا مفاتيح لقراءة الأردن الذي كان.
والأردن الذي كان ليس شيئاً انتهى.
هو جزء من الأردن الذي نعيش فيه اليوم.
ولهذا فإن حماية مؤلفاته، وحفظ حقوق ورثته، ليست مسألة منفصلة عن الحديث عن الذاكرة الوطنية. هي جزء منها.
فالذاكرة التي نطلب من الناس أن يحافظوا عليها، يجب أن نعرف كيف نحافظ على أصحابها أيضاً.
وربما هذا هو المعنى الأصدق للوفاء.
أن لا نتذكر الرجل حين نحتاج إلى كتابه فقط، ثم ننسى اسمه وأسرته وحقوقه.
أن نقول: هذا جهد إنسان عاش بيننا، وأعطى من عمره لهذا البلد، ومن حقه أن يبقى اسمه حاضراً، ومن حق ورثته أن تُحترم حقوقهم.
في النهاية، السردية الأردنية ليست كلمة جديدة نضعها فوق كتب قديمة.
هي حكايات كثيرة، كتبها أناس كثيرون، بعضهم معروف وبعضهم لم يأخذ حقه من الإنصاف والعدل والشهرة.
والدكتور عبدالله الرشيد واحد من حراس تلك الحكاية.
كتب ما استطاع، وجمع ما كان يخشى عليه من الضياع، وترك للأجيال مادة تعينها على معرفة المكان والناس والزمن.
ومن الوفاء له اليوم أن تبقى كتبه حاضرة، وأن يعرف الجيل الجديد من هو، وأن تصان حقوق أبنائه وورثته.
فالذي حفظ ذاكرة الناس يستحق أن تحفظ ذاكرته.
والسردية الوطنية، في نهاية المطاف، لا تكتمل بكثرة ما نروي عنها، وإنما بصدقنا مع الذين صنعوها.
رحم الله الدكتور عبدالله الرشيد، أحد حراس الذاكرة الأردنية، ورحم كل من حمل حكاية هذا البلد ووضعها بين أيدينا، حتى لا ننسى من أين جئنا ونحن نمضي إلى الأمام.
#منى_الغبين (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟