محمد علي عبد الجليل
الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 20:00
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
تبدو العلاقةُ بين الإيمان والإلحاد، في ظاهرها، علاقةَ تَعارُضٍ جذري بين موقفين متناقضين : فالمؤمن ينطلق من التسليم بوجود الله وصِدق الوحي، في حين يقوم الملحد على نفي ذلك أو التشكيك فيه. غيرَ أنَّ التأمُّل في بعض أنماط القراءة الدينية واللادينية يكشِف عن مفارقة لافتة، تتمثَّل في إمكان التقاء الطرَفَين، على الرغم من اختلاف منطلقاتهما، في اعتماد قراءة حَرفية للنصوص الدينية. ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الإيمان والإلحاد بوصفهما، في بعض الحالات، مَوقفَينِ مُتقابِلَينِ في الظاهر، لكنهما متشابهان في طريقة التعامل مع النص الديني.
تَـتَّضح هذه المفارَقةُ من خلال الحِكاية التي يوردها أنتوني دو ميللو في كتابه "أغنية الطائر"، بترجمة أديب خوري، ضِمْنَ سِلسلة «الحكمة» الصادرة عن دار مكتبة إيزيس في دمشق سنة 2000، عَن النص الفرنسي المنشور سنة 1994. وتَحمِل الحِكاية عنوان «البيضة الذهبية»، وهي تقوم على حكاية رمزية معروفة : إِوَزَّة تَضَع كُلَّ يوم بيضةً مِن ذَهَب، فتطمع زوجة المزارع في الحصول على البيض كُلِّه دَفعةً واحدة، فتُـقَرِّر قَـتْـلَ الإوزة، لتكتشف أن طَمَعها وَجَرَعَها أضاعا مصدر ثروتها.
غير أن أهمية حكاية دو ميللو، لا تكمن في مضمونها الأخلاقي فحسب، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها طرفان متعارضان مع مضمونها. فعندما يسمع الملحد هذه القصة بوصفها نصاً منسوباً إلى الكتب المقدسة، يَسخَر منها، ويَرَى في فكرة الإوزة التي تضع بيضاً ذهبياً دليلاً على لا معقولية هذه الكتب الدينية وبالتالي على بطلان الدين بالمجمَل. فالملحد يتعامل مع الصورة الواردة في الحكاية على أنها تقرير حَرفي ينبغي أن يخضع لمعايير المعقولية والمنطق.
أما المؤمن أو المتدَيِّن، فـيَـتَّـخِذ موقفاً معاكساً في النتيجة، وإن كان مشابهاً في طريقة القراءة. فهو يرى أن النص يُقَرِّر بوضوح وجودَ إوزة تضع بيضاً ذهبياً وأنَّ صِحَّة هذا الكلام لا يمكن أن تكون موضع شك ما دام منسوباً إلى الله. وإذا بدا الأمرُ غيرَ معقول للعقل البشري فإنَّ الحل، في نظره، هو الإيمان بالسر الذي يتجاوز قدرة العقل على الفهم، لا التشكيك في صحة النص الديني الذي يروي حكاية الإوزة.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية : المؤمن والملحد يختلفان في الحُكم، لكنهما يَـتَّـفِقان في افتراض أن النص ينبغي أن يُقرأ قراءةً حَرفية. فالمؤمن يقبل الحكاية حَرفياً ثم يبحث عن تفسير يتلاءم مع إيمانه، بينما يرفضها الملحد حَرفياً ثم يجعل استحالتها الظاهرة دليلاً على بطلان النص. وبذلك يصبح الاختلاف بينهما اختلافاً في النتيجة أكثر منه اختلافاً في آلية القراءة.
ومن هذه الزاوية، تكتسب «نظرية حَدوة الحِصان» دلالتَها؛ إذ تقوم فكرتُها على أن طرفَي الموقف المتطرّف، على الرغم من تباعدهما الظاهري، قد يقتربان ويلتقيان في بعض المواقف والآليات، تماماً كما يقترب طرفا حَدوة الحِصان من بعضهما بعضاً. وقد طَوَّرَ هذه النظريةَ في مجالَي العلوم السياسية والاجتماعية الباحثُ الفرنسي جان بيير فاي (Jean-Pierre Faye، مواليد 1925)، ومُفادُها أن اليمين المتطرّف واليسار المتطرّف، رغم اختلاف منطلقاتهما وأهدافهما المعلَنة، قد يتقاربان في بعض الخصائص والمواقف أكثر مما قد يبدو للوهلة الأولى. وقد قُمتُ بتوظيف هذه الفكرة (فكرة حدوة الحصان) في مجال ترجمة القرآن للفرنسية في رسالتي للدكتوراه (نوقِشَت 2017، ونُشِرَت 2022 في المنشورات الجامعية الأوروبية، لندن)، وذلك في "الفصل الحادي عشر : أوجه التقارب والاختلاف في الترجمات"، حيثُ لاحظتُ أن الترجمة الحَرفية قد تؤدي وظيفتَين متناقضتين : التعظيم والتقريظ من جهة، والانتقاد والانتقاص من جهة أخرى. فبينما قد يلجأ المترجم المدافع عن النص إلى الحَرفية لإبراز دقة القرآن وإعجازه والمحافظة على ألفاظه، قد يلجأ المترجم الناقد إلى الحَرفية نفسِها للكشف عما يراه عجزاً وتناقضات أو مشكلات في النص. وهكذا قد يلتقي الطرفان في الأداة والمنهج، وإن اختلفا جذرياً في الغاية والنتيجة.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن المؤمن المتشدِّد في حَرفية قراءته للنص الديني، والمُلحد المتشدِّد في رفضِه لهذه القراءة، قد يلتقيان عند افتراض مشترَك، هو أن الصورة الدينية لا تتجاوز معناها الحَرفي المباشر. لكن هذا الافتراض يُغفِل طبيعة اللغة الدينية وخصوصية الخطاب الرمزي. فالنص الديني، شأنُه شأنُ النص الأدبي والأسطوري والصوفي، لا يُختزَل بالضرورة في مستوىً واحدٍ من الدلالة، ولا يمكن دائماً إخضاعُه للمعايير التي تَحكُم الخطابَ العِلمي أو الوصف التجريبي. ولذلك فإن التعامل مع الصور الدينية بالمنطق العلمي الصرف قد يؤدي إلى خطأ منهجي، كما أن إخضاع كل صورة رمزية لمعيار الحقيقة الحَرفية قد يحجب وظائفها المجازية والروحية والأخلاقية.
ومِن هُنا تكتسب أعمالُ الباحث المصري محمد أحمد خلف الله (1916–1991) أهميةً خاصة في دراسة القَصص القرآني. ففي كتابه "الفن القصصي في القرآن الكريم" (1957)، الذي صدر في القاهرة عن مكتبة النهضة المصرية، قدَّمَ خلف الله قراءةً أدبية وفنية للقصص القرآني، متوقفاً عند طبيعة القصة ووحدتها ومقاصدها وعناصرها الفنية وتطور أساليبها. وقد مثَّلَ الكِتابُ مُحاوَلةً مبكرة لإعادة النظر في القصة القرآنية من منظور أدبي، بحيث لا تُختزل وظيفتها في نقل الوقائع التاريخية، بل تُدرس كذلك من حيث طريقة بناء الحدث، والتصوير، والحوار، والوحدة القصصية، والمقاصد التي يؤديها السرد.
وتفيد هذه المقاربة في توضيح الإشكال الذي تطرحه حكاية «البيضة الذهبية». فإذا كان النص القصصي لا يعمل بالضرورة بوصفه تقريراً تاريخياً أو وصفاً علمياً للواقع فإن إخضاعه حصراً لمعيار الصدق الحَرفي قد يؤدي إلى إغفال وظيفته الفنية والدلالية. ومن هنا يصبح موقف المؤمن الذي يقبل الصورة القصصية حَرفياً، وموقف الملحد الذي يرفضها حَرفياً لأنها لا تنسجم مع معايير العقل التجريبي، متقاربَينِ من الناحية المنهجية، على الرغم من اختلافهما الجذري في النتيجة.
وهذا لا يعني، بالطبع، أن خلف الله يقول بأن كُلَّ ما يَرِد في القرآن مُجَرَّدُ خيال أدبي، ولا أن منهجه يبرر تلقائياً قراءة الحكايات الدينية بوصفها رموزاً غير تاريخية. وإنما تكمن أهمية مشروعه في أنه نقل السؤال من مجرد «هل وقع الحدث كما ترويه القصة؟» إلى أسئلة من مثل : «كيف صيغت القصة؟ وما وظيفتها؟ وما المقصد الذي تؤديه طريقة عرضها؟». وهذه النقلة المنهجية مهمة في سياق بحثنا، لأنها تفتح المجال أمام التمييز بين مستويات متعددة من الدلالة، بدلاً من حصر النص في ثنائية القبول الحَرفي أو الرفض الحَرفي.
يمكن القول إن القراءة الفنية للقصص الديني تُقِّدم مَخرجاً من المفارقة التي تكشفها حكاية دو ميللو : فالملحد قد يقرأ النص الديني حَرفياً لكي يثبت لا معقوليته، والمؤمن قد يقرأه حَرفياً لكي يثبت إعجازه ووجوب الإيمان به؛ أما القراءة النقدية فتبدأ قبل إصدار الحُكم، بمحاولة تحديد طبيعة الخطاب نفسه، وأدواته البلاغية، ووظيفته السردية، ومستوياته الدلالية.
وفي هذا الإطار يصبح مفهوم «الصدق الفني» مهماً في التمييز بين طبيعة الخطاب الأدبي وطبيعة الخطاب التاريخي أو العلمي. فالعمل القصصي قد يُـنتِج معنىً أو تأثيراً أو قيمةً أخلاقية وجمالية من خلال بناء فني لا تكون وظيفته الأساسية تقديم وثيقة تاريخية بالمعنى الذي تقدمه كُتُبُ التاريخ. وهذه المسألة من أبرز القضايا التي أثارتها قراءة خلف الله للقصص القرآني، والتي جعلَت كتابَه واحداً من الأعمال البارزة في تاريخ الدراسات الأدبية الحديثة للقرآن.
وعليه، فإن استحضار خلف الله هنا لا يهدف إلى حسم العلاقة بين الإيمان والإلحاد، وإنما إلى تدعيم فكرة أكثر تحديداً، وهي أن الحُكم على النص يتوقف، قبل كل شيء، على فهم طبيعته الخطابية والأدبية. فالخطأ المنهجي قد يبدأ حين نستخدم معياراً واحداً لقياس خطابات مختلفة؛ كما أن البيضة الذهبية في الحكاية لا ينبغي بالضرورة أن تُعامل كما تُعامل واقعة فيزيائية تخضع للاختبار التجريبي، تماماً كما أن الصورة الشعرية أو الاستعارة لا تُقاس بالمعايير نفسها التي يُقاس بها التقرير العلمي.
وبناءً على ذلك، فإنه من الخطأ أن يقيسَ المُلحدُ الخَيالَ الديني بالمنطق العلمي مثلما أنه من الخطأ أن يقيس الطولَ بالكيلو. فلِكُلِّ مَجالٍ من مجالات التفكير مقاييسه وأدواتُه ومفاهيمُه وأسئلتُه. وليس معنى ذلك أن النص الديني محصَّن من النقد أو أن كل ما يرد فيه يجب قبوله دون مساءلة، وإنما يعني أن نقده يقتضي أولاً فهم نوع الخطاب الذي ينتمي إليه، والتمييز بين اللغة الحَرفية واللغة الرمزية والمجازية، وبين الخَبَر والتشبيه والمَثَل والحكاية.
وتقود هذه المسألة إلى سؤال أعمق يتعلق بحدود المعرفة البشرية نفسها. فإذا كان الإنسان يمتلك قدرةً محدودة على الإدراك والتصور، فإن تصوره للألوهة، بوصفها مطلقاً متعالياً ولا متناهياً، يظل محكوماً بحدود اللغة والعقل والتجربة البشرية. وبناءً على المفهوم الرياضي الذي يفيد بأن «مقابل اللانهاية، كل عدد محدود يعادل الصفر» فإن الموقف المحدود للملحد والمؤمن متعادل أمام الألوهة المطلقة. فالمقصود ليس المساواة الرياضية بالمعنى الدقيق، وإنما التعبير عن عدم تناسب المحدود مع اللامحدود : فإذا كانت الألوهةُ مطلقةً ولا متناهية فإن التصورات البشرية المحدودة عنها لا يمكن أن تستنفد حقيقتها. وعندئذٍ يتساوى الملحد والمؤمن في تصوراتهما وفهمهما للمطلق الإلهي (الذي ليس كمثله شيء والذي يتجاوز كل ما يخطر ببال المؤمن والملحد).
وهذا المفهومُ تُعَبِّر عنه حكايةٌ أُخرى مِن كتاب أغنية الطائر بعنوان «الإبرة». تروي الحكاية أن أحد الأولياء أُوتي موهبةَ فهم لغة النمل، فسأل نملةً عالمة عن صورة الله العلي القدير، وهل يشبه معشر النمل. فأجابته النملةُ بأن العلي القدير لا يشبه النمل، موضحةً أن النمل لا يملك سوى إبرةٍ واحدة، في حين أن الله يملك اثنتَين.
تكشف هذه الحكاية، بأسلوب ساخر وذكي، عن محدودية التصورات التي يسقطها الكائن المحدود على المطلق. فالنملة لا تستطيع أن تتصوَّرَ قدرةَ الله إلا من خلال عالَمها الخاص، فتقيس القدرةَ الإلهية بمقياس ما تعرفه هي. ومن ثم تصبح الإجابة الكوميدية للنملة صورةً رمزية لنزعة بشرية أعمق : محاولة تصور المطلق بواسطة مفاهيم مستمدة من التجربة الإنسانية المحدودة.
وهنا تلتقي الحكايتان في دلالة واحدة. ففي «البيضة الذهبية» يتحول الاختلاف بين المؤمن والملحد إلى نتيجة لقراءة حَرفية مشتركة، وفي «الإبرة» ينكشف قصور العقل المحدود عندما يحاول تصور ما يتجاوز حدوده. وإذا كان المؤمن قد يقع في خطر تحويل الرمز إلى حقيقة حَرفية، فقد يقع الملحد في الخطر المقابل عندما يرفض الرمز لأنه لا يطابق المعايير الحَرفية أو العِلمية التي يفرضها عليه.
وعليه، فإن المسألة لا تنحصر في المفاضلة بين الإيمان والإلحاد، بل تتعلق قبل ذلك بمنهج القراءة نفسه. فالسؤال الأهم ليس فقط : «هل نؤمن بالنص أم نرفضه؟»، وإنما : «كيف نفهم النص؟ وما نوع اللغة التي يستخدمها؟ وما حدود الأدوات التي نستخدمها في تفسيره؟». ومن هذا المنظور، قد يكون المؤمن والملحد أقرب إلى بعضهما مما يبدو، عندما يتعامل كلاهما مع النص الديني على أنه مجموعة من العبارات التي لا تحتمل إلا القراءة الحَرفية، وإن اختلف أحدهما في قبولها والآخر في رفضها.
إن تجاوز هذه الثنائية لا يعني إلغاء الاختلاف بين الإيمان والإلحاد، ولا يعني التسوية بينهما، وإنما يفتح مجالاً ثالثاً هو مجال التأويل والنقد وفهم تعدد مستويات الدلالة. ففي مواجهة المُطلَق، يظلُّ الإنسان كائناً محدوداً يساوي الصفر، وتظلُّ لغته وأدواته المعرفية محدودة أيضاً. فإيمانُ المؤمن وإلحاد الملحد يساويان الصفر أمام "الله" المطلق الذي لا اسم له لأنه يتجاوز اللغةَ. وإن الاعتراف بحدود الفهم قد يكون مدخلاً إلى قراءة أكثر حذراً وعمقاً للنصوص الدينية، قراءة لا تجعل من الإيمان قبولاً آلياً للحَرف، ولا تجعل من الإلحاد رفضاً آلياً لما يتجاوز المنطق المألوف، بل تسعى إلى فهم النص في سياقه ولغته ورموزه ووظائفه الثقافية والروحية.
وبهذا المعنى، يلتقي الملحد والمؤمن لا لأنهما يتَـبَـنَّـيان الموقفَ نفسه، بل لأن كليهما قد يقف، من موقعه الخاص، أمام النص الديني بوصفه مرآةً لحدود الفهم البشري. ولعل المفارقة التي تكشفها حكايات دو ميللو هي أن الاعتراف بهذه الحدود قد يكون أكثر أهمية من التسرع في إعلان النتيجة : قبولاً أو رفضاً، إيماناً أو إلحاداً.
#محمد_علي_عبد_الجليل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟