أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - بين الكروا والكرواسان (الصليب والهلال)














المزيد.....

بين الكروا والكرواسان (الصليب والهلال)


محمد علي عبد الجليل

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 18:55
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا توجد في اللغة الفرنسية أيةُ علاقة تأثيلية [تأصيلية] (اشتقاقية) على مستوى الجَذر بين «الصليب» («كِروَا») (croix) و«الهِلال» («كِروَاسَّان») (croissant).

لكنَّ الكلمتَين («كِروَا» و«كِروَاسّان») متشابهتان في اللفظ، وكأنَّ الصليبَ والهِلالَ تَعانَقا موسيقيًّا والتقَيَا صوتيًا على مستوى النطق لا على مستوى الجذر. فالصليبُ «كِروَا» (croix) والهِلالُ «كِروَاسَّان» (croissant) يتشابهانِ في النطق، وكأنهما من أصل واحد، غير أنهما في الحقيقة ليسا كذلك.

فالـ«كِروَاسان» (croissant) [الهِلال] أصلُه مِن الفِعل الفرنسي «كرواتر» (croître) الذي يعني «زاد» أو «نما»، وهو مشتقّ من الجذر اللاتيني «كريسيري» (crescere) المشتقّ مِن الفِعل «كريو» (creo) الذي يدلُّ على الخَلق، والمعنى أن الهِلال شيء متنامٍ ومتزايد.

أما الـ«كِروَا» (croix) [الصليب] الذي ينتهي بحرف «إكس» (x)، فأصلُه من اللاتينية «كروس» (crux)، وهي أداة تعذيب.

إذًا، في اللغة الفرنسية، يلتقي الهِلالُ والصليبُ، «الكِروَاسانُ» و«الكِروَا»، على مستوى اللفظ، ويختلفان على مستوى الجذر.

ولكن يمكن قراءة رَمزَيِْ الصليبِ والهلالِ بوصفهما فِعلَينِ مُتكاملَين. وقد سبَقَ أنْ عرضتُ رمزيةَ الصليب في مقال بعنوان : «بضع ملاحظات في رمزيَّة الصَّليب» منشور في مجلة «مَعابر» السورية في باب «منقولات روحية» ضِمنَ عَددِ شَهرِ آب/أُغُسطُس ٢٠٠٦. (على الرابط : http://www.maaber.org/issue_august06/spiritual_traditions1.htm)

فبالصليبِ يَنمو الهِلالُ، وبِـ«الكِروَا» يَكبُرُ «الكِروَاسَّانُ». وبالألم يَحدُث التفتُّحُ الروحيُّ والقيامةُ وتجاوُزُ الموت. الهِلالُ علامةُ نورٍ ينمو ومسارُ اكتمالٍ يتدرّج من النقص إلى التمام أو الكَمال، أيْ إلى «الإسلام» بحسب المعنى الأساسي للجذر الساميّ «سلم» الذي يشير إلى الكمال والتمام والخُلُوّ من العُيوب، والمشتَقّ مِن الأكادية «سَلامُم» : أنْ يَكونَ الإنسانُ كاملاً أو أن يَنجوَ مِن خَطَر. ففي الأوغاريتية، يَدُلُّ «شلم» على الكمال والسلامة والخلوّ من العيوب. وفي الفينيقية، تعني «شلم» : سليم وتام وكامل بلا عيوب. وفي العبرية، «شَلَم» (שׁלמ) : أن يكونَ المرءُ كاملاً أو سليمًا. وفي الآرامية البابلية الفلسطينية، «شِلَم» : أن يكون كاملاً و«شَلْمَا» : كامل وسليم، و«شَلموطا» : الكمال. وفي السريانية، «شَلْمَا»: سليم وكامل. (مُعجَم الدوحة التاريخي)

أمّا الصليبُ فرمزُ عبورٍ روحي وولادة من الألم، حيث يولد النُّمُوُّ مِن المُعاناة، وتنبثق الحياةُ من قلب الموت. وبهذا المعنى قال الحَلاَّجُ (٨٥٨ – ٩٢٢ م) :
«عَلَى دِين الصليبِ يكونُ مَوتي * فلا البطحـا أُريدُ ولا المدينةْ».

إنَّ بين الهِلال الذي يزداد نورًا واكتمالاً و«إسلامًا» وبين الصليب الذي يقود إلى القيامة والحياة الجديدة والنُّور، هُناكَ عَلاقةَ تكَامُلٍ، حَيثُ يلتقي الرمزان لا ليتطابقا، بل لِيُشيرا، كلٌّ بِلُغَتِهِ، إلى دينامية واحدة وهي أن التحوّل والاكتمال لا يتمّان إلا بالعبور (الفِصح) على الصليب، وأن النور الحقيقي لا يولد إلا بعد معاناة، وأنَّ «الإسلام» لا يتحقَّق إلَّا عَلَى «الصليب»، إذْ لا «كَمال» بِلا «معاناة» ولا «استنارة» بلا فهم المعاناة أو «الدوكخاًً» وتجاوُز «الكارما». ولا يحصل التعلُّم إلا بَعدَ تألُّم. إنَّ دخولَ الوعي إلى الجَسَد أو عبورَ الجَسَد إلى الوعي يتمّ عبرَ الألم أو الصليب الذي هو أداة التحول لا أداة التعذيب.

إنَّ اكتمال الهِلال يتم عبر الصليب. ففي «الكِروَاسان» يوجَد «كِروَا». أي في الهِلال يَسكُن صَليبٌ. لا هِلالَ بِلا صليب. والتألُّه يمرُّ عبرَ التألُّم. ففي التألُّمِ تَعَلُّمٌ. وهو ما ذَهَبَت إليه الفيلسوفةُ سيمون فايل (١٩٠٩ – ١٩٤٣) :
«عندما يُصابُ مَتَدَرِّبٌ بِجُرحٍ أو يشكو مِن التعب، يقول العُمَّالُ والفلاَّحون هذا القولَ الجميل : «إنها الحِرفة تَدخلُ الجَسدَ». فَعِندما نُعاني مِن أَلَم يمكننا أن نقولَ لأنفسنا حَقًّا إنَّ الكَون ونِظام العالَم وجَمال العالَم وطاعة الخَلْق لله هي التي تَدخُلُ في أجسادنا. عندئذٍ، كيف لنا ألاَّ نبارك المحبةَ التي أرسلَتْ لنا هذه الهِبةَ مقدِّمين لها أسمَى آياتِ العِرفان؟» (سيمون فايل، كتاب «مختارات»، فصل «الخبرة مع الله. حب الله والبلاء»، دار معابر للنشر، دمشق، ٢٠٠٩، ص ١٩٠، ترجمة : محمد علي عبد الجليل)

« Quand un apprenti se blesse ou bien se plaint de fatigue, les ouvriers, les paysans, ont cette belle parole: «C est le métier qui rentre dans le corps.» Chaque fois que nous subissons une douleur, nous pouvons nous -dir-e avec vérité que c est l univers, l ordre du monde, la beauté du monde, l obéissance de la création à Dieu qui nous entrent dans le corps. Dès lors, comment ne bénirions-nous pas avec la plus tendre reconnaissance l Amour qui nous envoie ce don? » (Simone Weil, « L’expérience de Dieu. L’amour de Dieu et le Malheur », 1942)

وهكذا فإنَّ «الهِلال» و«الصليب» و«الإسلام» و«الاستنارة» و«المعاناة/الدوكخا» مفاهيمُ مترابطة وإن انتمَت إلى أديان ومنقولات روحية مختلفة تبدو في الظاهر متناقضة أو متعارضة.



#محمد_علي_عبد_الجليل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الانقسام القبلي إلى التشكل الطائفي: قراءة تاريخية-سوسيولو ...
- الطبيعة مصدر الكَرَم في المفهوم اللغوي الساميّ: تأثيل السخاء ...
- اللغة والفكر : نحو فهم جذور الأزمة الفكرية في العالم العربي
- تأثيل الدياثة وتأصيلها
- تأثيل الفِعل «حَوَى» وتطوّراتُه اللهجاتية
- يا رئيسُ !
- تأثيل كلمة «سِكّين»
- أغنية: كيف بدنا نعيش؟
- في معنى المُعجِزة
- «بارود ! اهرُبوا !» : خَطَـرُ الدِّينِ
- قراءة كريستوف لُكسنبرغ: ما لها وما عليها
- حكاية القرآن
- التاريخ البشري باختصار
- أثر العقائد والسياسات
- كلمة سريعة بخصوص اليوم العالمي للغة العربية
- المرشدية دين الحرية
- هجر جميل والراح المستعان
- أعاقر الراح
- ثقافة القطيع
- ظاهرة دافيد رجل الكهف


المزيد.....




- علاقة الإسرائيليين اليهود بالعربية بعد 7 أكتوبر: ضرورة إتقان ...
- بخور شمنطوب لـ-يورونيوز-: 6 يهود فقط بدمشق و70% من أملاك الط ...
- شاهد.. مكتبة المسجد الأقصى من الداخل
- قاضٍ يهودي يشرف على القضية.. تعرّف على تفاصيل محاكمة مادورو ...
- مصادر فلسطينية: الاحتلال يؤجل محاكمة خطيب المسجد الأقصى المب ...
- الخارجية الإيرانية: خصوم استقرار وأمن المنطقة يسعون إلى نشر ...
- مصادر فلسطينية: 80 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى المبارك منذ ...
- مستوطنون يعتدون على مقبرة إسلامية في مدينة القدس
- الخارجية الايرانية: العدو بصدد إثارة التوترات في المنطقة وتق ...
- مستوطنون يعتدون على مقبرة إسلامية في القدس ويحطمون شواهد بعض ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - محمد علي عبد الجليل - بين الكروا والكرواسان (الصليب والهلال)