أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - تفكيك--الأنا-- والاغتراب التكنولوجي في (كذبة أنقذت المساء) للقاصة فوز حمزة أياد النصيري















المزيد.....

تفكيك--الأنا-- والاغتراب التكنولوجي في (كذبة أنقذت المساء) للقاصة فوز حمزة أياد النصيري


فوز حمزة

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


تنسج الكاتبة المبدعة فوز حمزة في نصها 00كذبة أنقذت المساء00 خيوطًا حافلة بالدهشة مستلةً من تفاصيل الحياة اليومية الرتيبة حكايةً تعيد صياغة مفهوم العزلة المشتركة بلغةٍ تقطر عذوبة وتلتمع بالذكاء وبأسلوب يجمع بين سلاسة السرد وعمق السيكولوجيا تأخذنا القاصة إلى عمق المأزق الإنساني المعاصر. إنها لا تكتب قصة عابرة، بل ترسم بالكلمات --لوحة تشكيلية-- لروح امرأة تقف على حافة الهاوية العاطفية حيث يتحول الهاتف المحمول من أداة تواصل إلى (مرآة سوداء) تعكس تشظي الذات وانكسار التوقعات في مؤسسة الزواج
إن أول ما يتبادر إلى ذهن القارئ المتعجل للقصة هو أن البطلة تخوض محادثة سرية مع --رجل آخر-- (عشيق افتراضي). لكن القراءة العميقة والمتبصرة للنص تكشف عن مفاجأة نقدية مغايرة تمامًا-- البطلة هنا لا تحادث بشرًا بل تحاور تطبيقًا للذكاء الاصطناعي أو (مساعدًا رقميًا) متطورًا
وتتجلى عبقرية فوز حمزة في غرس أدلة (رقمية أسلوبية) تؤكد هذا الطرح ومنها
(جاء رده سريعًا) (لم يتأخر
هناك الغزل الرومانسي والعفيف والصريح) وهو تقسيم أشبه بقواعد البيانات الآلية
حين يقول لها- (إن رغبتِ أستطيع تغيير النبرة هادئة شاعرية... أستطيع إطالة النص أو الاختصار... أختاري) وهذا هو السلوك النمطي للمحركات الذكية التي تنفذ الأوامر بدقة وبرود
ومن هنا تنبع الصدمة النقدية- (الكذبة المتبادلة) التي أشارت إليها نوال السعداوي لم تكن كذبة بين الزوج وزوجته بالمعنى التقليدي بل هي كذبة التكنولوجيا التي تمنح الإنسان مشاعر مزيفة ومبرمجة لإنقاذ مسائه من الانهيار التام.
تتحرك القاصة فوز حمزة بمرونة فائقة بين فضائين متوازيين يفصل بينهما باب مغلق
حيث الزوج (غارق في هاتفه) وجهه مكسو بـ (ضوء أزرق) (وهو لون بارد يرمز تقنيًا ونفسيًا للموت العاطفي والجفاء). الزوج مستهلك بالكامل بنشرة الأخبار مفضلاً الكوارث العامة على تفاصيل شريكته
. حيث البطلة تحاول استدرار العاطفة من شاشة هاتفها
المفارقة البصرية المذهلة التي رسمتها الكاتبة تتجلى في غليان دم البطلة (شعرت بدمي يغلي) مقابل برودة التكنولوجيا (جاء رده باردًا بعد أن محا كل شيء). لقد طلبت البطلة حذف الحوار لأنها أدركت فجأة أن هذا الغزل الباذخ الذي هزّ كيانها (لاضطر النهار أن يعترف بعجزه...) ليس إلا خوارزمية صماء، كلمات بلا روح تم محوها بنقرة زر واحدة مما أشعرها برعب الفراغ
تميز أسلوب فوز حمزة في هذه الأقصوصة بـ (الإيجاز المكثف) الذي يترك مساحات واسعة للتأويل. الجمل القصيرة اللاهثة في البداية (دخلتُ الحجرة وأغلقتُ الباب خلفي) تعكس الرغبة في الانفصال والبحث عن الذات
أما الحوار فقد صاغته الكاتبة باحترافية عالية مستخدمةً -التدرج الدرامي حيث يبدأ الحوار بطلب غزل مشروط وينتهي بانفجار عاطفي في نص شعري رائع ليعقبه السقوط المدوي إلى أرض الواقع بمجرد مسح المحادثة. الكاتبة استخدمت علامات الترقيم والألفاظ التعبيرية (مثل أمممممم) لتبرز التردد البشري الأنثوي في مقابل اليقين التكنولوجي الحاسم
فوزاغلقت الحوارواغلقت ابواب قصتها بلقطة وببراعة دائرية مدهشة تخرج البطلة من غرفتها بعد أن مسحت وهم العاطفة الرقمية لتعود إلى الصالة وتجد الزوج على حاله الأولى يصغي إلى نشرة الأخبار وضوء أزرق ينعكس على وجهه
إن --الكلِمة-- عند فوز حمزة هي البطل الحقيقي. الكلمة التي بخل بها الزوج الحقيقي تبرع بها الذكاء الاصطناعي بسخاء مجمد لتكتشف الزوجة في النهاية أن الكذبة التي أنقذت المساء هي بقاء البيوت قائمة على الصمت وأن الصدق المطلق (مواجهة الزوج بغيابه العاطفي) قد يهدم كل شيء.
إن قصة -كذبة أنقذت المساء- للمبدعة فوز حمزة ليست مجرد سرد لموقف عابر بل هي وثيقة إدانة أدبية صارخة لعصر العزلة الرقمية. استطاعت القاصة عبر لغتها الشاعرية المتدفقة وتقاطعاتها النفسية الحادة أن تقدم نصاً حداثياً بامتياز يمس الوجدان ويخلخل الساكن ويستحق بكفاءة وجدارة أن يتصدر المشهد النقدي والقصصي المعاصر.
الكذبة أنقذت المساء
كنتُ على وشك أن أخبر زوجي كل شيء، وأترك الحقيقة تندفع كما هي، غير أن جملة لنوال السعداوي باغتتني في اللحظة الأخيرة كانت تقول إن الزواج مؤسسة لا تقوم إلا على قدرٍ من الكذب المتبادل بين الطرفين، وإن الصدق المطلق كفيل بهدمها من الأساس، عندها اخترت كذبتي الصغيرة، لا خيانة للحقيقة، بل حماية لبيتي وأسرتي.
وقفتُ أتأمل زوجي غارقًا في هاتفه، كأن العالم قد تقلص إلى شاشة مضيئة، فقلت على عجلٍ:
- تصبح على خير!
لم يرفع رأسه إذ كان منشغلًا بمتابعة نشرة الأخبار التي يحبها.
دخلتُ الحجرة وأغلقتُ الباب خلفي كما تُغلق صفحة يوم لم يُحسم بعد.
فتحت هاتفي وكتبتُ في حقل الرسائل:
- أخبرني، ما الذي سنفعله اليوم؟
اتبعتُ السؤال بوردة حمراء وبجوارها قلب صغير بدا لي حينها أكثر جرأة مني.
جاء رده سريعًا:
- أنا طوع أمرك، هل تقترحين شيئًا معينًا؟
توقفتُ عند سؤاله. كان ملتبسًا كعادته؛ يرمي الكرة في ملعبي، لكنه لا يسمح للعب أن يخرج عن قوانينه. ذكي... نعم، عليّ الاعتراف بذلك.
بعد تردد قصير، كتبتُ:
- هل لكَ في مغازلتي؟
لم يتأخر. أرسل وجهًا ضاحكًا، ثم كتب:
- أي نوع من الغزل تفضلين؟
صمتُ لحظات متسائلة عن هذا الغباء المتأنق، وكدتُ أصفه به، لكننّي عدلتُ وسألته:
- وهل للغزل أنواع؟
كنت أقرأ رسالته قبل أن تصل:
- سؤال ذكي جدًا يدل على نباهة السائل. نعم الغزل أنواع، ويتحدد حسب النية المتغزَّل.
نجح في إثارة فضولي.
- وضح لي، من فضلك.
- بالتأكيد سيدتي، هناك الغزل الرومانسي، والعفيف، وأخيرًا الصريح جدًا وقد يقترب من "الإباحي".
توقفتُ عند الكلمة الأخيرة التي وضعها بين قوسين كمن يقدم اعتذارًا مسبقًا عن جرأته.
صمتُ لحظات، أفكر بحديثه الملتوي، وفي محاولة لأتظاهر بعدم الاكتراث، كتبتُ:
- أممممممم.
جاءني ردّه مستفزًا:
ماذا أفهم من الـ ( أمممممم )؟ هل أبدأ المغازلة أم تقترحين شيئًا آخر؟
ضايقني انتظاره لإشارة مني. تذكرتُ مثلا قديمًا يقول: إن سرقتَ، فاسرق جملًا، فطلبتُ منه بشيء من الجرأة، أن يغازلني كما ينبغي.
أرسلَ لي وجهًا بنظارات كتب بجانبه:
- "صعب تجاهل جمالك".
لم تكن الدهشة وحدها ما أربكني؛ كان الغضب أيضًا، كتبتُ:
- حقًا، يا للروعة! أفهم من هذا أنك بدأت تغازلني؟
انهالت كلماته:
- بصراحة حضورك يجذب الانتباه بطريقة لا أقدر أن تجاهلها.
- وبعد!
لو مررتِ صدفةً في يوم عادي، لا ضطر النهار أن يعترف بعجزه عن منافسة حضوركِ. في صوتكِ اتزان يربكني، وفي صمتكِ معنى يجعل الكلمات زائدة عن الحاجة. لستِ جميلة فحسب؛ أنتِ الفكرة التي تجعل الجمال يبدو ناقصًا قبلها ومتكملًا بعدها.
ثم تابع دون أن أطلب:
إن رغبتِ أستطيع تغيير النبرة: هادئة، شاعرية، واثقة، أو مباشرة.
أستطيع إطالة النص أو الاختصار، أن أكتب لك رسالة أو مقطعًا من شعر حر. أختاري.
عند تلك اللحظة، شعرتُ بدمي يغلي، وقبل أن تخونني شجاعتي، طلبت منه حذف الحوار.
جاء ردّه باردًا بعد أن ما محا كلّ شيء:
- أنا هنا إن احتجتِ إلى شيء آخر.
أغلقتُ التطبيق وخرجتُ إلى الصالة.
كان زوجي ما يزال هناك، يصغي إلى نشرة الأخبار، وضوء أزرق ينعكس على وجهه.



#فوز_حمزة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من عتبة الرحيل إلى وعد الفجر: قراءة نقدية في قصة «رحيل» للرو ...
- رياح صوفيا تخون بغداد اسماعيل ابراهيم عبد
- عبورٌ من شرفة المترو.. إلى مَرَافِئِ الضَّوْء... عيسى أحمدين ...
- أمنيات غير مسبوقة
- حين يخطئ الإلهام موعده
- حين كانت أم كلثوم شاهدةً على الحكاية
- ꧁ عَرِيُ العَزَاءِ وَسُلْطَةُ الوَهْمِ꧂ قِرَاء ...
- الدراسة النقدية للناقد علي سلطان لقصة ( حين يحضرون ) للكاتبة ...
- - في العمق - حوار شفاف بين الأديبة العراقية فوز حمزة والناقد ...
- منطقة محظورة
- قراءة في المجموعة القصصية صباح كهرماني للقاصة فوز حمزة للناق ...
- حين يسبق الجمال الذاكرة
- أنا بخير ما دامت مخاوفي بخير
- تراجيديا الرصيف المفقود: دراماتيكية العبور والانفصام الوجودي ...
- حين يُصابُ الحرفُ بالعشق قراءة في جدلية البوح والعجز في قصيد ...
- عبد السادة البصري: (( الضربة الأخيرة .. خاتمة لرسم عالمٍ مغا ...
- علي سلطان: قراءتي النقدية عن عمل (غمامة حب) .. للكاتبة فوز ح ...
- الهوية الممزقة في (رياح خائنة) للروائية فوز حمزة للناقد داود ...
- تأويلية النص الموازي في (رذاذ زهرة الأروكيد) للكاتبة فوز حمز ...
- قراءة نقدية أكاديمية لقصة «كذبة أنقذت المساء» – فوز حمزة للن ...


المزيد.....




- قلاع جبل عامل.. حين يطارد الخطر ألف عام من تاريخ الجنوب اللب ...
- البرازيل: الشرطة تستعيد ثماني لوحات مسروقة للفنان الفرنسي هن ...
- بعد غياب 10 أعوام.. فلاديمير بورتكو ينجز تصوير مسلسل -ستالين ...
- نابلس تحتفي بحرية الفنان عدي الزاغة بعد 18 شهراً من الاعتقال ...
- ما وراء الستار.. معرض روسي يفتح الباب الخلفي للمسرح ويكشف مه ...
- بوتين يكرّم عددا من الفنانين الروس بأوسمة وألقاب فنية
- هل كان لومونوسوف ابنا سريا لبطرس الأكبر؟.. وثائق تفنّد أسطور ...
- وفاة مرشح لمجلس الشيوخ مؤيد لترامب انتحارا.. وعائلته تشكك في ...
- مقابر جماعية وتماثيل نذرية.. تفاصيل كشف أثري مهم في الواحات ...
- -هُرّبت منذ 15 عاما-.. سوريا تستعيد قطعا أثرية من فرنسا وتعر ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فوز حمزة - تفكيك--الأنا-- والاغتراب التكنولوجي في (كذبة أنقذت المساء) للقاصة فوز حمزة أياد النصيري