أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المنعم عجب الفَيا - مقولة الإنسان ابن بيئته والديالكتيك الماركسي















المزيد.....

مقولة الإنسان ابن بيئته والديالكتيك الماركسي


عبد المنعم عجب الفَيا

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 10:01
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


الإنسان ابن بيئته، حكمة تراثية من الحكم البليغة التي تزخر بها الثقافة العربية. هذه الحكمة تلخص اكثر قضية شغلت بال الفلسفات الحديثة، وهي علاقة الفكر بالواقع ومدى تأثير كل منهما في الآخر، وكيف ان طبيعة المكان والوسط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي الذي ينشأ فيه الإنسان ويعيش، يعمل على تشكيل وعيه وصياغة فكره ووجدانه.
وكنت كلما طرأت على ذهني هذه الحكمة خطرت ببالي تلك القصة التي ترويها كتب التراث العربي والتي تعد مثالا حيا على تفسير هذه المقولة وتجسدها خير تجسيد. اذ يقال ان الشاعر علي بن الجهم (لا يهم ان كان هو حقا ام كان شاعر آخر برأي بعض الرواة) حل بغداد قادما إليها من البادية قاصدا الخليفة العباسي المتوكل، وحينما دخل على الخليفة أنشأ يمدحه قائلا:

انت كالكلب في حفاظك للود
وكالتيس في قراع الخطوب
انت كالدلو لا عدمناك دلوا
لا كالدلاء كثير الذنوب

فوجم الحضور وهم بعض من حاشية الخليفة بأن ينالوا من الشاعر ولكن الخليفة اوقفهم عند حدهم ، ثم امر ان يستضاف الشاعر ببيت فخم بحي الرصافة يطل على نهر دجلة وان تهيئ له فيه كل اسباب الراحة والدعة ورغد العيش. فعاش الشاعر في هذا البيت أجمل أيام حياته حيث الخضرة تحف به من كل جانب والنسيم يهب عليلا والعصافير تشقشق في الحديقة وهو يرقب حسان الحي يعبرن امام البيت في طريقهن الي أسواق بغداد. وبعد أن قضى الشاعر فترة من الزمان في هذا البيت، دعاه الخليفة الي القصر وطلب منه أن ينشده شيئا من الشعر، فالقى الشاعر قصيدة طويلة في مدح الخليفة تفيض رقة وعذوبة، استهلها بالقول :

عيون المها بين الصرافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري
اعدن لي الشوق القديم ولم أكن
سلوت ولكن زدن جمرا على جمر

فتبسم الخليفة راضيا وانشرح صدره لنجاح خطته، فهو قد أدرك بحسه السليم وبديهته الفطرية، أن الإنسان ابن بيئته وان البيئة التي جاء منها الشاعر هي التي شكلت مخيلته الشعرية.
وهذه القصة وتلك المقولة، ليست استثناء. فلو تاملنا في المخزون الثقافي من الحكم الأمثال والأقوال الماثورة نجد الكثير منها يلخص في كلمات موجزة بليغة نظريات فلسفية كاملة أنفق أصحابها الكثير من الوقت في كتابة المجلدات من الكتب في طرحها وشرحها. وما مقولة الإنسان ابن بيئته الا مثال واحد فقط بين عشرات الأمثلة التي تدلل على ذلك.
والقضية التي تلخصها مقولة الإنسان ابن بيئته، تتعلق بالسؤال الفلسفي: هل الواقع هو الذي يشكل وعي الإنسان وفكره، ام ان الفكر والوعي هو الذي يشكل الواقع ويتحكم فيه؟
ويعد الفيلسوف الالماني الكبير هيجل أفضل من قدم إجابة على هذا السؤال وهي ان العلاقة بين الفكر أو الوعي وبين الواقع، علاقة تبادلية بمعنى ان كل منهما يأثر في الآخر ويتاثر به. وهو ما اطلق عليه هيجل الديالتيك.
غير أن ماركس رأى ان هيجل قد اعطي الأولوية للفكر على حساب الواقع، فقال ماركس قولته المشهورة: الديالكتيك الهيجلي مقلوب وينبغي أن يستعدل لكي يقف على رجليه، بحيث تكون الأولوية للتحكم في حركة التاريخ ومصائر البشر، للواقع المادي والظروف الاقتصادية وعلاقات الإنتاج (المادية التاريخية).
وهذه الشروط المادية من اقتصاد وإنتاج وعلاقات انتاج بين أفراد المجتمع يسميها ماركس (البنية التحية) وخلص إلى ان هذه البنية التحتية هي التي تشكل وعي الإنسان وفكره (البنية الفوقية) وتشمل الدين والفلسفة والفن والسياسة والعادات والتقاليد وغيرها من ضروب المعرفة.
ولكن ماركس عاد واقر بأنه إذا كانت الظروف المادية والاقتصادية تشكل وعي البشر، "فإن وعي الناس يعود ويؤثر هو الآخر في وجودهم الاجتماعي والاقتصادي". وبهذا التراجع أو الاستدراك، يرد ماركس الاعتبار للديالكتيك الهيجلي الذي يشترط منذ البداية التأثير المتبادل بين البنية التحية والبنية الفوقية، اي بين الفكر والواقع.
صحيح ان هيجل يجعل من الفكر والوعي الإنساني راس الرمح في حركة التغيير ولكن هذا الفكر وهذا الوعى لا ينشأ من فراغ وإنما من صلب الشروط المادية والظروف التاريخية التي تحيط بالإنسان. والحق ان الإضافة المركزية لهيجل في الفلسفة، تكمن في مبدا "الوحدة" العضوية للواقع والفكر، فهو لا ينظر إلى الواقع والفكر كطرفين متقابلين (فوق، تحت) وإنما ككل لا يتجزأ، وقد عبر عن هذه الوحدة بمقولته المشهورة :"كل ما هو واقعي معقول، وكل ما هو معقول واقعي". والتي أسي فهمها. والعبارة لا تعني أكثر من محاولة لشرح الوحدة العضوية بين الفكر (العقل) والواقع.
إن القول بأن المبادرة في التغيير وتوجيه حركة التاريخ تنبثق من الإنسان بوصفه الكائن المفكر صاحب الارادة، هو من البداهة بمكان بحيث لا يحتاج إلى تدليل. وليس ادل على ذلك من النظرية الماركسية نفسها. ففكر ماركس ووعيه وابحاثه في تاريخ المجتمعات البشرية هو الذي قاده الي النظرية الماركسية التي أراد من خلالها ان يغير العالم ويحول واقع المجتمعات البشرية من الاقطاع والرأسمالية الي المجتمع الاشتراكي الذي يدعو إلى تحقيقه عبر تطبيق هذه النظرية. وكان ماركس نفسه قد أكد على دور الفكر والمفكرين في تغيير العالم حين قال قولته المشهورة: كان الفلاسفة عبر التاريخ يكتفون بتأمل العالم والواجب عليهم أن يعملوا على تغييره". كما ان دعوته إلى "عمال العالم بان يتحدوا"، تشترط ضمنا الوعى بضرورة هذا الاتحاد والوعي بماهية الفكر الذي يقودهم نحو التغيير المنشود من خلال تطبيق النظرية. زد على ذلك ان تعويل الماركسية على "البراكسيس" praxis اي الممارسة وتنزيل النظرية على أرض الواقع، نتيجته المنطقية هي القضاء على مبدأ "الحتمية" الجبرية الصماء، بنت المادية التاريخية.
والقول بأولوية الفكر في عملية التغيير، لا ينفي حقيقة ان الفكر نفسه وليد الظروف التاريخية والاجتماعية التي يعيش فيها الإنسان، لكن الإنسان يعمل في ذات الوقت، بفكره ووعيه، على تغيير هذه الظروف. ولو تاملنا واقعة الشاعر علي بن الجهم مع الخليفة العباسي، نجد أن الظروف السابقة التي عاش في ظلها الشاعر في البادية قبل قدومه بغداد شكلت وعيه ومخيلته الشعرية ورؤيته للعالم ونظرته للحياة، غير أن الظروف الجديدة التي وضع فيها ببغداد وغيرت في وعيه وفكره، هي من صنع الإنسان ونتيجة تفكيره وتخطيطه في سيبل عمارة الأرض وبناء الحضارات.
وكان انجلز رفيق ماركس وشريكه في صياغة النظرية الماركسية قد استدرك بعد رحيل ماركس قائلا: إنهما هو وماركس، قد بالغا في التأكيد على دور العامل الاقتصادي في تسيير حركة التاريخ..، وان البنية الفوقية (الفكر والثقافة والسياسة) تتمتع باستقلال نسبي عن البنية التحتية وأنها قادرة على أن تحدث تأثيراً عكسياً حاسماً على الاقتصاد ذاته.
وقد فتحت مراجعات "انجلز " الباب لمن جاء بعده من المفكرين للمزيد من المراجعات على الماركسية، فادخل الايطالي انطونيو غرامشي مفهوم "الهيمنة" الثقافية، معليا من دور الفكر والثقافة في الثورة وتغيير وعي الجماهير. وجاءت مدرسة "فرانكفورت" النقدية (ادورنو وماركيوز وهبرماس) فاخذت على ماركس تهميش الذات والإرادة الإنسانية والتقليل من دور الثقافة والفكر في تفسير الواقع وتغييره، فقاموا باعادة قراءة هيجل لضخ دماء جديدة في الماركسية. ثم برزت حركات اليسار الجديد والتي ذهبت بعيدا في مفارقة الماركسية حتي كادت أن تجردها من اسسها النظرية ولم تبق منها سوى روحها النقدية.

١٣ أغسطس ٢٠٢٦



#عبد_المنعم_عجب_الفَيا (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأثير الديانات الشرقية القديمة على اللغات الأوربية
- الخلفية الفلسفية لمصطلح سردية
- جناية المستشرق الفرنسي بلاشير على المتنبي والشعر العربي
- الطيب صالح ومحبة ابي الطيب المتنبي
- المتنبي في عيون أوربا قبل مائتي عام : سلطان الشعر وعرافه
- صناعي هي الأصل واصطناعي مولدة بلا ضرورة
- دانتي على خطى ابن عربي
- من كتاب -تاريخ المادية- : -فضل التفكير العربي على العلم-
- الف ليلة وليلة اساس فن السرد الأوربي الحديث
- ألف ليلة وليلة منبع الواقعية السحرية في أدب أمريكا اللاتينية
- قصائد شكسبير في معشوقته السوداء
- نعوم تشومسكي والمثقفون العرب
- الطيب صالح: الكتابة لعنة والشهرة توبيخ!
- الطيب صالح يحكي عن اللهجة السودانية
- الطيب صالح : كنت هناك حينما ضرب خروتشوف المنضدة بحذائه
- الطيب صالح وقصة ذاك الصومالي
- الطيب صالح وجواز السفر السوداني
- الطيب صالح و-الخوف- من امريكا
- دارفور في نصوص أحمد الطيب زين العابدين الإبداعية
- مراجعات في قاموس اللهجة العامية في السودان (١٠)


المزيد.....




- أمريكا تشكل -فالكون سترايك-.. ما هي أول قوة مهام متعددة الجن ...
- السعودية.. الأمن يعلن القبض على شخص قاد مركبة مسروقة وصدم آخ ...
- مستوطنون إسرائيليون يحاصرون منازل فلسطينية.. شاهد ما رصده مر ...
- طهران: نولي الدبلوماسية أولوية قصوى ونواصل المفاوضات مع واشن ...
- ترامب يأمر البحرية بالعودة إلى نظام قديم لإقلاع الطائرات من ...
- -سنتكوم- تفند -مزاعم- عن -ابراهام لينكولن- بعد 260 يوما من - ...
- تقرير أمريكي: واشنطن تواصل تدريب طيارين أوكرانيين على مقاتلا ...
- ترامب والحنين إلى سجن -ألكاتراز- الرهيب!
- الولايات المتحدة.. وثائق قضائية تكشف عن مراقبة واسعة لنشطاء ...
- موسكو: استهداف قوات كييف قطارا للركاب في دونيتسك جريمة حرب


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - عبد المنعم عجب الفَيا - مقولة الإنسان ابن بيئته والديالكتيك الماركسي