أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمود عباس - بني سعادة برحيلك فقدنا آخر ما بقي من دفء الوالدين















المزيد.....

بني سعادة برحيلك فقدنا آخر ما بقي من دفء الوالدين


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 07:59
المحور: سيرة ذاتية
    


يا وجع القلب يا سعادة... لم يأخذك الموت وحدك؛ أخذ معك آخر ضوء كان يصلنا من بيت أبي وأمنا. كان صوتك آخر نافذة مفتوحة على طفولتنا، وعلى زمنٍ ظنناه مضى، لكنه ظل حيًّا فيك. واليوم أُغلقت النافذة، ورحل الوالدان في داخلنا مرة أخرى، وبقي البيت القديم أبعد مما كان في أي يوم.
برحيلك يا سعادة، لم نفقد أختنا الكبرى فقط؛ فقدنا آخر ما كان حيًّا بيننا من روح أبي وأمنا. كأن شيئًا منهما ظل كل هذه السنوات يسكن فيك: في صوتك، وحنانك، وحكمتك، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تعيدنا، كلما تحدثنا معك، إلى البيت الأول وإلى أيام لم نكن نعرف يومها أن لها نهاية. واليوم، برحيلك، نشعر أن الوالدين رحلا عنا مرة أخرى، وأن بابًا أخيرًا كان مفتوحًا على طفولتنا أُغلق إلى الأبد.
رحل قبلك أعزاء كثيرون، واحدًا بعد آخر، وكان كل رحيل يأخذ شيئًا من البيت؛ لكنك بقيتِ تجمعين ما تناثر منه. كنتِ تحفظين أسماء الغائبين وحكاياتهم، تستعيدين تفاصيل الأيام القديمة، وتردّين إلى الذاكرة وجوهًا كادت السنوات أن تبعدها. ولهذا لم تكوني بالنسبة إلينا أختًا فقط؛ كنتِ شيئًا من البيت نفسه، من الوالدين، من نصران، ومن ذلك الزمن الذي ظنناه يومًا لن ينتهي.
مهما تحدثنا عنك لن نعطيك حقك، ولن تصف الكلمات ما قدمتِه لنا، نحن أخوتك وأخواتك - آل محمد عباس. كنتِ حنان البيت وحكمته، عزة النفس والكرم، جميلة المعشر، قريبة من القلب، حاضرة في سعادتنا وفي أحزاننا، في المصائب كما في النجاحات. وحين كانت المسافات تفرّقنا، كان الحديث معك يعيد جمعنا. لم يكن صوتك مجرد صوت يأتي عبر الهاتف؛ كان طريقًا قصيرًا نعود عبره، ولو لدقائق، إلى البيت.
وكم كنتِ تعيدين علينا السؤال نفسه: متى تأتون؟
وكم قلنا لك: سنأتي.
كان كل واحد منا يعتقد أن أمامه وقتًا آخر، وصيفًا آخر، وسفرًا آخر، ولقاءً مؤجلًا يمكن أن يحدث متى شئنا. وكأن الزمن سيقف لنا وينتظر حتى ننتهي من مشاغلنا، وكأن الأحبة سيبقون في أماكنهم لأننا لم ننتهِ بعد من وداعهم.
وما أقسى أن يكتشف الإنسان متأخرًا أن الزمن لم يكن ينتظر أحدًا.
الهجرة لا تسرق منا المكان وحده؛ أحيانًا تسرق أعمارًا كاملة ونحن لا نشعر. تجعل البعيد يطمئن نفسه بأن العودة ممكنة غدًا، ثم بعد غد، ثم في العام القادم... حتى يأتي يوم لا تعود فيه المسافة بين وطن ومهجر، بل بين الحياة والموت.
ولعل هذا هو أكثر ما يوجعنا اليوم.
قبل يومين فقط كان صوتك حاضرًا، وكانت الذكريات حاضرة معه. عدتِ إلى يوم الوداع القديم، إلى يوم السفر إلى الخارج، وإلى ذلك الوعد بالعودة الذي طال انتظاره. وكأنك، من وراء كل هذه السنوات، كنتِ تقولين إن الموعد ما يزال قائمًا، وإنك ما زلت تنتظرين الوفاء بالكلمة.
لم نكن نعرف أن الوقت كان قد بدأ ينفد.
لم نكن نعرف أن بعض المواعيد، إذا تأخرت كثيرًا، لا يمنحها العمر فرصة أخرى.
كم مرة خدعتنا الحياة بهذا الوهم: ما زال أمامنا وقت.
وكان الوقت يمضي.
سبق أن كتبت شذرات من ماضيك، بل من ماضينا جميعًا؛ من تلك الأيام التي لم تكن الهجرة تخطر في بالنا، ولم نكن نحسب أعمارنا، ولا نفكر بمن سيرحل أولًا ومن سيبقى. كنا نعيش وكأن البيت سيظل ممتلئًا بأهله إلى الأبد؛ الوالد هنا، والوالدة هناك، والإخوة والأخوات حولهما، والأيام تتشابه ولا أحد يخطر له أن يأتي يوم نحاول فيه جمع ذلك العالم كله من الصور والذكريات.
ثم أخذ الموت يمر بالبيت واحدًا بعد آخر.
وكلما أخذ أحدًا قلنا إن الباقين سيحفظون المكان.
واليوم أخذ بني سعادة.
وأخذ معها شيئًا لا نعرف كيف نستعيده.
نحن نعرف أن الموت حقيقة الحياة المطلقة، وأننا جميعًا راحلون. نعرف ذلك بالعقل، ونقوله للآخرين عند الفقد، ونحاول أن نقنع به أنفسنا. لكن كل هذه الحكمة تتهاوى عندما يكون الاسم اسم أختنا، وعندما يصبح الذي رحل جزءًا من طفولتنا ومن ذاكرتنا ومن تكويننا.
هناك فرق هائل بين أن تعرف أن الإنسان يموت، وأن تسمع فجأة أن بني سعادة ماتت.
هنا تتوقف الكلمات.
ويبقى ذلك الصمت الثقيل الذي يعقب الخبر، كأن العقل يرفض للحظات أن يفهم معنى الجملة.
سعادة التي عرفناها طوال عمرنا... لم تعد هناك.
لن نسمع صوتها مرة أخرى.
لن تسألنا متى سنأتي.
لن تعاتبنا على تأخرنا.
ولن يكون هناك موعد آخر نؤجله.
وهنا يصبح الفقد أكبر من موت شخص نحبه؛ يصبح سقوط جزء كامل من العالم الذي عرفناه.
حتى نصران لم تعد هي نصران نفسها بعدك. كانت القرية، رغم جراحها وما تبدل فيها، تحتفظ لنا بوجوه نعود من أجلها، وبأبواب نشعر أنها ستفتح حين نصل. واليوم أُغلق واحد من أثمن تلك الأبواب. وكأن قطعة أخرى من الوطن ذهبت معك.
فالإنسان لا ينتمي إلى المكان بالحجارة والأرض وحدهما؛ ينتمي إليه بالذين ينتظرونه هناك.
وحين يرحلون، يصبح الوطن نفسه أكثر وحدة.
رحلتِ يا سعادة، وتركتِنا نقلب الذاكرة بحثًا عنك: طفلة بين إخوتك، أختًا كبرى، ابنة لأبينا وأمنا، امرأة حملت من حنان البيت ما وزعته علينا جميعًا، ثم بقيت حتى السنوات الأخيرة تحفظ ما تبقى من ذلك الزمن.
ولهذا فإننا لا نبكيك وحدك اليوم.
نبكي فيك أبي وأمنا.
نبكي الذين سبقوك.
نبكي بيتًا كان ممتلئًا فأصبح كل يوم أكثر فراغًا.
نبكي طفولتنا التي أخذت تبتعد حتى لم يبقَ منها إلا أصوات الراحلين في ذاكرتنا.
ونبكي أنفسنا أيضًا؛ لأننا ندرك، مع كل رحيل، أن الصف الذي أمامنا يقل، وأننا نحن القادمون.
العمر ينتهي، والحياة لها نهايتها، وهذه حقيقة لا يستطيع أحد تغييرها. لكن معرفتها لا تجعل الوداع أهون، ولا تمنع القلب من الاحتجاج عليها.
ولعل أقسى ما في الموت أنه لا يأخذ الراحل وحده؛ يأخذ معه جزءًا من الذين يبقون.
برحيلك يا سعادة، نقص عددنا واحدًا... لكن الذي نقص من أرواحنا أكبر بكثير من واحد.
وسيظل اسمك بيننا ما بقي منا أحد يتذكر البيت القديم، وأبانا وأمنا، ونصران، وتلك الأيام التي كنا فيها جميعًا معًا، ولم يكن أحد منا يعرف كم كنا أغنياء بوجود بعضنا.
وداعًا يا أختنا العزيزة سعادة...
أخذتِ معك شيئًا من أبي وأمنا، وشيئًا من البيت، وشيئًا من الوطن، وتركتِ لنا من بعدك ذلك السؤال المؤلم الذي لا جواب له: لماذا نظن دائمًا أن لدينا وقتًا أطول لنقول لمن نحبهم إننا قادمون؟



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من يحرّك النزعة العنصرية العروبية ويعيد تنشيط خلايا داعش لإش ...
- إيران أمام خيارين الرضوخ أو الزوال
- التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن
- من انتصر؟ السؤال الخطأ في الحرب الأمريكية–الإيرانية
- بعد الانسحاب الأمريكي من يهدد كوردستان؟
- لماذا خسرنا مكتسبات غربي كوردستان؟ 2/2
- لماذا خسرنا مكتسبات غربي كوردستان؟ 1/2
- إلى العرب لا تجعلوا أنفسكم وقودًا لتركيا وإيران
- من الحسكة يبدأ الحريق تحذير إلى واشنطن وتل أبيب وأوروبا
- في الرابعة والسبعين ما كنت سأغيّره لو عادت الحياة؟
- أيُّ انهيارٍ ثقافي أخلاقي تنحدر إليه سوريا؟
- يشتمون الكورد ثم يستترون بالقرآن
- ترامب لم يصنع أحمد الشرع رئيسًا بل جهّزه لمهمة
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 2/2
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2
- أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان
- من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
- صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
- مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
- مجلس الشعب السوري المعيّن


المزيد.....




- من قد يخلف كارولين ليفيت -أصغر متحدثة باسم البيت الأبيض-؟
- في شهر واحد.. النظام النباتي يحدث تغييرات في الجسم تصل إلى ا ...
- مادة شائعة في السجائر الإلكترونية يمكن أن تعطل نمو الأجنة
- Honor تعلن عن حاسبها المميز الجديد
- خسوف مذهل في نهاية أغسطس يحول القمر إلى قرص دموي
- العلماء الروس يبتكرون طريقة لتحويل النفايات البلاستيكية إلى ...
- روسيا تختبر أنظمة تصحيح المسار لأقمار Express-RV الجديدة
- انقلاب ناعم على السلطة في إيران
- -تحذير إسرائيلي وتهديد إيراني-.. مصادر تكشف لـCNN كواليس جدي ...
- أمريكا تتوعد إيران بـ-تدابير لم يشهد لها التاريخ مثيلاً-: -ت ...


المزيد.....

- مذكرات وذكريات مهندس عراقي في السويد / مذكرات وذكريات مهندس في العراق
- الدنمارك، نسير معاً، كل بمفرده / حكمة اقبال
- رسالة الى اخي المعدوم / صادق العلي
- كراسات شيوعية (مذكرات شيوعى ناجٍ من الفاشية.أسباب هزيمة البر ... / عبدالرؤوف بطيخ
- أعلام شيوعية فلسطينية(جبرا نقولا)استراتيجية تروتسكية لفلسطين ... / عبدالرؤوف بطيخ
- كتاب طمى الاتبراوى محطات في دروب الحياة / تاج السر عثمان
- سيرة القيد والقلم / نبهان خريشة
- سيرة الضوء... صفحات من حياة الشيخ خطاب صالح الضامن / خطاب عمران الضامن
- على أطلال جيلنا - وأيام كانت معهم / سعيد العليمى
- الجاسوسية بنكهة مغربية / جدو جبريل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - محمود عباس - بني سعادة برحيلك فقدنا آخر ما بقي من دفء الوالدين