أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - من يحرّك النزعة العنصرية العروبية ويعيد تنشيط خلايا داعش لإشعال الحرب على الكورد؟















المزيد.....

من يحرّك النزعة العنصرية العروبية ويعيد تنشيط خلايا داعش لإشعال الحرب على الكورد؟


محمود عباس

الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 00:12
المحور: القضية الكردية
    


إن تصغير ما جرى في سري كانيه وعفرين، وما يتكرر اليوم من جرائم واعتداءات بأشكال مختلفة في مناطق أخرى من غربي كوردستان ضمن الجغرافية السورية، ليس مجرد قراءة سياسية ساذجة، بل محاولة لطمس حقيقة باتت أكثر وضوحًا.
وفي المقابل، فإن تضخيم حادثة إسقاط العلم السوري وتحويلها إلى «الجريمة الكبرى»، مع أن هذا العلم يُفترض أن يكون رمزًا لجميع مكونات سوريا، لا راية حصرية لتيار متطرف أو جماعة استولت على مقاليد السلطة وتتوهم أن الدولة أصبحت غنيمة لها، يكشف حجم الانحدار الذي بلغته ثقافة الإقصاء واختلال معاييرها، حين يصبح الرمز أهم من دم الإنسان وكرامته وحقه في وطنه.
والأشد مفارقة أن بعض الذين يرفعون الدين شعارًا لسلطتهم يتصرفون وكأنهم استثناء من سننه في الظلم والطغيان. وهم أولى الناس بأن يتذكروا قوله تعالى: ﴿ولا تحسبنَّ الله غافلًا عمّا يعمل الظالمون﴾، وقوله: ﴿إنَّ الله لا يُصلح عمل المفسدين﴾. فالسلطة لم تدم لطاغية، ولم تحمِ فاسدًا، ولم تمنح الحقد حصانة أبدية. ومن أسقطتهم سوريا بالأمس لم يكونوا أول من توهّم أن امتلاك القوة يمنحه حق احتقار الناس، ولن يكون من يسير على النهج ذاته آخر من تسقط أوهامه.
ما يحدث اليوم لم يعد ممكنًا اختزاله في «تجاوزات فردية» أو «انفلاتات عابرة». نحن أمام نمط سياسي وأمني وإعلامي تتقاطع في إنتاجه بقايا داعش، ومخلفات العقل البعثي العروبي، وتيارات تكفيرية وعنصرية أعادت إنتاج نفسها تحت أسماء ورايات جديدة، ووجد بعضها منافذ داخل المشهد السوري الجديد، بل وفي بعض مفاصل السلطة الانتقالية، مستفيدًا من بيئة إقليمية يأتي في مقدمتها الدور التركي.
الخطر الحقيقي ليس في حادثة منفردة هنا أو اعتداء هناك، بل في تحويل العداء للكورد إلى ثقافة سياسية قابلة للتسويق؛ فيُقدَّم الإقصاء بوصفه وطنية، والعنصرية بوصفها دفاعًا عن الدولة، والتكفير بوصفه شرعية. وهذه هي البذرة ذاتها التي خرّبت سوريا من قبل: تتغير الشعارات، وتتبدل الرايات، لكن عقل الاستبداد يبقى واحدًا ما دام يرى الوطن ملكًا لفئة، والدولة غنيمة لجماعة، وبقية السوريين رعايا عليهم إثبات ولائهم.
والأخطر أن هذا العداء لا يُقدَّم دائمًا بصورته الصريحة، بل يُمرَّر عبر ازدواجية مكشوفة: نحن لسنا ضد الكورد، بل ضد قسد؛ لسنا ضد القضية الكوردية، بل ضد الإدارة الذاتية؛ لسنا ضد الشعب الكوردي، بل ضد حزب العمال الكوردستاني. غير أن الوقائع تطرح سؤالًا مختلفًا: لماذا تتكرر الآلة ذاتها كلما ظهرت قوة كوردية منظمة، عسكرية كانت أم سياسية؟ تبدأ بالتشكيك، ثم التخوين والشيطنة، فالحديث عن الانفصال والعمالة، وصولًا إلى التحريض على العزل والضرب.
والمرجح أن الخطاب نفسه سيُعاد إنتاجه، وربما بصورة أشد قبحًا، حتى لو عادت بيشمركة روج إلى غربي كوردستان. ستتغير الأسماء، لكن منطق العداء سيبحث عن ذريعة جديدة؛ لأن المعضلة لدى هذه القوى لا تبدو مرتبطة باسم التنظيم الكوردي بقدر ارتباطها بوجود قوة كوردية مستقلة وقادرة على حماية مجتمعها وفرض حضورها السياسي.
لقد شاهدنا مقدمات هذا النمط قبل الهجوم على عفرين، وفيما سُمّي بـ«تجمعات العشائر»، وفي حملات التحشيد والحرب الإعلامية، وفي ولادة عشرات الصفحات والحسابات التي تكاد تنحصر وظيفتها في ضخ التحريض العرقي ضد الكورد. وليس من السهل تجاهل التشابه بين كثير من مفردات هذا الخطاب وحججه وأساليبه وبين الخطاب الذي تبنته الدولة التركية طوال أكثر من عقد في مواجهة التجارب السياسية الكوردية المستقلة.
إن تغليف هذا المستنقع بلغة دبلوماسية ناعمة لن يغير حقيقته. لا يمكن بناء سوريا جديدة فوق ثقافة كراهية قديمة. ولا يمكن الحديث عن وطن لجميع السوريين بينما تُترك مساحات أمنية وسياسية وإعلامية مفتوحة لتحويل الكورد إلى هدف دائم للتحريض والتخوين.
من يريد لسوريا أن تصبح وطنًا لا ساحة انتقام، عليه أن يمتلك الجرأة لتسمية المرض باسمه، وأن يواجه هذا الوباء العنصري والتكفيري قبل أن يتحول إلى جزء من ثقافة الدولة الجديدة؛ فالدولة التي ترى في الكوردي متهمًا حتى يثبت ولاءه، بينما تمنح الآخرين براءة سياسية مسبقة، لا تؤسس مواطنة، بل تعيد إنتاج الاستبداد بهوية جديدة.
والمؤسف أن رأس السلطة الانتقالية نفسه ساهم في تكريس هذه الازدواجية عندما كرر الفصل بين قسد والكورد، وكأن الكورد مجرد كتلة سكانية بلا إرادة سياسية، وكأن أي تنظيم كوردي لا يعجب السلطة يمكن فصله تعسفًا عن بيئته الاجتماعية. ومن هنا بدأت عملية أشد خطورة: شيطنة «القنديليين»، وحزب العمال الكوردستاني، وقسد، ثم امتد الخطاب إلى التشكيك حتى في تضحيات آلاف الذين سقطوا في مواجهة داعش.
وعندما يصل الخطاب إلى حد تحويل الذين قاتلوا داعش إلى متهمين، بينما تعود خلايا داعش وموروثها الفكري والاجتماعي إلى الحركة في بعض البيئات، يصبح السؤال مشروعًا: من ينتقم ممن؟
لقد أصبح جانب من الخطاب الموجّه ضد قسد أقرب إلى ثأر سياسي وفكري لداعش منه إلى نقد سياسي مشروع. فالنقد حق، والخلاف حول الإدارة وشكل الحكم مشروع، لكن محو الدور الذي لعبه الكورد وشركاؤهم في مواجهة التنظيم التكفيري، وتحويل من حاربوه إلى الخطر، بينما يُعاد تدوير أجزاء من البيئة التي أنتجت التطرف تحت عناوين جديدة، مسألة تتجاوز الخلاف السياسي.
والقوى التي حرّكت موجات الكراهية في كوباني، وحرّضت على الاعتداء على المهجّرين الكورد العائدين إلى بيوتهم في سري كانيه بعد سنوات من التهجير القسري، تلتقي في خطابها مع القوى التي وفّرت الغطاء السياسي والإعلامي لما جرى في عفرين. قد تتبدل الأسماء والواجهات والشعارات، لكن الجوهر واحد: رفض حضور كوردي منظم ومستقل لا يخضع لمركز القرار الذي تريده أنقرة أو للقوى السورية المرتبطة بسياساتها.
وهنا لا يمكن تجاوز الدور التركي. فتركيا ليست مجرد دولة مجاورة تراقب المشهد السوري، بل كانت طوال سنوات طرفًا مباشرًا في صياغة جزء أساسي من المعادلات السياسية والأمنية في الشمال السوري، وفي إنتاج خطاب يعتبر أي قوة كوردية مستقلة امتدادًا لتهديدها الداخلي. وهي تمتلك من المؤسسات الأمنية والإعلامية والأدوات المحلية ما يجعل قدرتها على التأثير في الخطاب والتحشيد السياسي والاجتماعي أمرًا لا يمكن تجاهله.
والمشكلة لم تعد في اختلاف أنقرة مع حزب أو تنظيم بعينه، بل في نقل صراع الدولة التركية مع القضية الكوردية إلى داخل سوريا، ثم محاولة تقديم نتائج ذلك الصراع وكأنها مصلحة وطنية سورية.
ومن هنا يصبح لافتًا أن تستطيع السلطة الانتقالية تكرار أن «قسد لا تمثل الكورد»، لكنها لا تقول بالوضوح ذاته: مهما كانت خلافاتنا مع الإدارة الذاتية وقسد، فإن الكورد مكوّن أصيل من البلاد، ولا يجوز التحريض عليهم أو إنكار حقوقهم القومية والسياسية.
وفي الوقت نفسه، جرى تهميش جانب أساسي من الحراك السياسي الكوردي، ثم محاولة تغطية هذا التهميش بعدد محدود من النواب أو الشخصيات التي لا تعكس الوزن السياسي والاجتماعي للشعب الكوردي ولا تنوع حراكه. وهذا ليس حلًا للمسألة الكوردية، بل إخراج شكلي يراد منه القول إن الكورد حاضرون، بينما تُغيَّب قضيتهم الفعلية.
السؤال، إذن، أكبر من قسد والإدارة الذاتية وحزب العمال وبيشمركة روج. السؤال هو: هل يُقبل بالكورد شعبًا صاحب قضية وحقوق وإرادة سياسية، أم يُراد منهم أن يكونوا أفرادًا متفرقين يُسمح لهم بالحضور بشرط غياب قضيتهم؟
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه سوريا الجديدة هو إعادة تدوير أمراض سوريا القديمة تحت أسماء مختلفة. فإذا تحولت العنصرية إلى وطنية، والتكفير إلى شرعية، والتحريض على مكوّن قومي إلى سياسة، فلن نكون أمام دولة جديدة، بل أمام استبداد جديد يغيّر لغته ورايته ويبقي جوهره.
ولهذا، فإن مواجهة خلايا داعش لا تبدأ فقط بملاحقة المسلحين المختبئين في الصحراء، بل بمواجهة الثقافة التي أنجبت داعش، والخطاب الذي يبرر الإقصاء، والبيئة السياسية التي تعيد إنتاج الكراهية. فمن يزرع هذه الثقافة اليوم، مهما كان اسمه أو موقعه أو رايته، يزرع بذور الحرب القادمة.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
11/8/2026م



#محمود_عباس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران أمام خيارين الرضوخ أو الزوال
- التاريخ الذي سرقوه من الكورد ونردده نحن
- من انتصر؟ السؤال الخطأ في الحرب الأمريكية–الإيرانية
- بعد الانسحاب الأمريكي من يهدد كوردستان؟
- لماذا خسرنا مكتسبات غربي كوردستان؟ 2/2
- لماذا خسرنا مكتسبات غربي كوردستان؟ 1/2
- إلى العرب لا تجعلوا أنفسكم وقودًا لتركيا وإيران
- من الحسكة يبدأ الحريق تحذير إلى واشنطن وتل أبيب وأوروبا
- في الرابعة والسبعين ما كنت سأغيّره لو عادت الحياة؟
- أيُّ انهيارٍ ثقافي أخلاقي تنحدر إليه سوريا؟
- يشتمون الكورد ثم يستترون بالقرآن
- ترامب لم يصنع أحمد الشرع رئيسًا بل جهّزه لمهمة
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 2/2
- سوريا أمام صناعة الطاغية الجديد 1/2
- أحيانًا الفتات أخطر من الحرمان
- من نظام الجولاني إلى حكومة الشرع
- صفقة أنقرة الكبرى في قمة الناتو
- مجلس الشعب السوري المعيّن 2/2
- مجلس الشعب السوري المعيّن
- التكويع


المزيد.....




- -هيومن رايتس ووتش- تدعو واشنطن إلى عرقلة تقديم تركيا قذائف ع ...
- أزمة صامتة في مطابخ غزة: السوس يغزو مخزونات الطحين وسط مخاوف ...
- مسئولة بالأمم المتحدة: أكثر من 360 ألف شخص لا يزالون نازحين ...
- الحكم بالإعدام على بشار الأسد... هل من ردود فعل في روسيا حيث ...
- الكويت: اعتقال مواطن بتهمة الانضمام لداعش والتخطيط لهجوم بطا ...
- دخل السفارة ولم يخرج.. مأزق ضباط الأسد في لبنان يواجه لبنان ...
- وزارة العدل السورية ترد على انتقادات العفو الدولية بخصوص أحك ...
- الأمم المتحدة: ارتفاع حاد في أعداد وفيات المهاجرين من إفريقي ...
- البرلمان اللبناني يقرّ قانون العفو العام للمرة الأولى منذ إق ...
- ماليزيا: تصاعد خطاب الكراهية يهدد اللاجئين الروهينغا


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - محمود عباس - من يحرّك النزعة العنصرية العروبية ويعيد تنشيط خلايا داعش لإشعال الحرب على الكورد؟