أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدي النفري - فان خوخ: اللغة والفرشاة التي أعشق














المزيد.....

فان خوخ: اللغة والفرشاة التي أعشق


مهدي النفري
شاعر ومترجم

(Mahdi Alnuffari)


الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 19:49
المحور: الادب والفن
    


أدرك تمامًا أن العشرات قد كتبوا عن (فان خوخ )وأعلم أن مكتبتنا العربية شهدت ترجماتٍ لنتاجه وهي جهودٌ يُشكر أصحابها رغم أنها لم تقدم كل ما كتبه وظل الكثير منه طيَّ الخفاء. لعلّ أبرز تلك المحاولات لم تتجاوز ترجمة نحو 400 إلى 500 رسالة فقط من أصل أكثر من 800 رسالة تركها فينسنت، ناهيك عن أن معظم هذه المحاولات اعتمدت على لغاتٍ وسيطة كـالفرنسية والإنجليزية، ولم تُنقل مباشرةً من نصوصها الأصلية باللغة الهولندية التي ينبض بها أصل هذا الإرث. لستُ هنا في معرض تقييم جودة تلك الترجمات، ولا بصدد الحديث عن أسباب عدم اكتمال ترجمة أرشيفه الكلي،فلِكل مترجمٍ ظروفه وعوائقه الخاصة التي قد تقف حائلًا دون إتمام مشروعه. ومع ذلك، أوجّه كل التقدير والامتنان لكل من سعى ويسعى لنقل هذا الأدب الرفيع إلى القارئ، سواء بالعربية أو بأي لغةٍ أخرى.
أريد أن أتحدث عن تجربتي الشخصية هنا، حتى لا يبتعد القارئ بتأويلاته. لقد اكتشفتُ كتابات فان خوخ حين بدأتُ عملي في أحد المتاحف الهولندية منذ أكثر من ثلاثين عاماً. كان مدير المتحف لروحه السلام والسكينة مستغرقًا في حب فن فان خوخ ولغته. كان يحدّثني عنه بشغفٍ لا ينقطع، حتى غدا فان خوخ جزءًا لا يتجزأ من أحاديثنا اليومية، سواء في أروقة العمل أو في اللقاءات العائلية. كان ذلك الرجل أستاذًا في النحت، وزوجته فنانة تشكيلية لها وزنها في الساحة الفنية الهولندية،ومن خلال هذه العلاقة الوطيدة، حظيتُ بفرصة ملامسة أعمال فان خوخ ورؤية مقتنياتٍ وأشياء لا يضمها أي متحفٍ آخر. كنتُ وما زلت سعيدًا جدًا بهذه المعرفة وهذه الصحبة.
لقد قرأتُ كل رسالةٍ كتبها فان خوخ،وأعترف مع الاعتذار للجميع أنني لم أسافر إلى أي مكانٍ قط إلا وكانت تلك الرسائل رفقتي الملازمة، حتى فارقني الذهول وحلّ محله التآلف الشديد.
لماذا أحببتُ فان خوخ؟
ألف سؤال وسؤال طرحتُها على نفسي وأنا أفتح أبواب عالم هذا العبقري الذي جمع بين سحر الأدب وعمق الفن، ثم رحل عن عالمنا دون أن يحظى بفرصة الاعتراف بعبقريته وأسلوبه إلا متأخرًا.
إن لغة فان خوخ في رسائله ليست لغة شارحٍ للفن، بل لغة شاعرٍ يمسك الفرشاة،كان يكتب لثيو عن الأصفر وكأنه يصف كائناً حياً، وعن الليل وكأنه روحٌ ذات أعصابٍ ومشاعر. إنها لغةٌ عارية من التكلّف، صادقة إلى حد الألم، تجعل من يقرأها يرى الحركة خلف اللون.
ما علّقني به حقًا هو إيمانه الراسخ والأصيل بأن أعماله ستنال يومًا ما مكانتها المستحقة في ذاكرة الفن التشكيلي العالمي. أما النقطة التي غيَّرت علاقتي باللون إلى الأبد، فهي الارتباط الوجداني الخالص بين فان خوخ ولوحته،فقد كان يرسم بعيدًا عن سطوة النقاد، وبمعزلٍ عن تنظيرات المدارس وتجاذبات السوق وهذا ما ينبض به كل سطرٍ في رسائله.
ولعل الإجحاف الأكبر ينال تلك السيدة الهولندية الشجاعة(يوهانا فان خوخ-بونخر) (زوجة شقيقه ثيو) فلولا بصريتها وإيمانها بالرسائل التي كان زوجها يحتفظ بها كأنفاس شقيقه، لكان هذا الأدب الرفيع قد أُحرق أو أُهمل. لقد أدركت (جو)أن الكلمات في هذه الرسائل ليست مجرد شرحٍ للوحات، بل هي اللوحة ذاتها ولكن بمداد الحبر، فخاضت معركة مستميتة لنشر هذا الإرث أمام عالم لم يكن جاهزاً بعد لعبقريته.
هل كان فان خوخ قارئًا جيدًا؟
نعم، بل كان أكثر من ذلك بكثير. لم يكن فينسنت يقرأ ليزجي الوقت، بل كان يلتهم أعمال «إميل زولا»، و«تشارلز ديكنز»، و«غوستاف فلوبير»، ليُعيد نسج أفكارهم في خطوط لوحاته. كان يقرأ بالفرنسية والإنجليزية والهولندية بنفس السلاسة التي يمزج بها ألوانه، وتدويناته عن تلك الكتب لم تكن نقداً أدبياً بقدر ما كانت تشريحاً لروح الإنسان التي يحاول رسمها.
لكن وللأسف لم تصلنا هذه الانطباعات كاملة فهناك قدرٌ كبير من لوحاته، وتخطيطاته، وكتاباته ضاع بين يدٍ وأخرى لأسبابٍ عدة، كان على رأسها جهلُ من امتلكوها بحقيقة عبقريته في ذلك الوقت.
ما الذي أريده من هذا الكلام؟
أعلم أنني قد لا أضيف جديدًا، ولا أظن أن الوصول إلى القارئ العربي الشغوف بفان خوخ سيكون أمرًا يسيرًا،فالصعوبات أكبر من أن تُختزل في سطور. لكن ما أريده ليس مجرد رثاءٍ لعبقريٍّ غادرنا مبكراً، بل دعوة مفتوحة لمشروع ترجمة عربية مؤسسية وأمينة لأرشيفه الكامل من لغته الأم. إن وضع رسائل فان خوخ كاملةً بين يدي القارئ العربي ليس مجرد إضافة لمكتبة الفن التشكيلي، بل هو إهداءُ درسٍ عميق في الصبر، والشغف، والوفاء للإنسانية.
نقطة أخيرة
أُجدد شكري وامتناني لكل من ترجم كلمةً واحدة عن فان خوخ، حتى لا يظن أحدٌ أننا نكرر الخطابات المعتادة، بل هو وفاءٌ أخير لشغفٍ يُستحق.



#مهدي_النفري (هاشتاغ)       Mahdi_Alnuffari#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن خرافة الواق الواق: من يحدد قيمة النص على فيسبوك؟
- غُرباء في أرض الكلمات لماذا يُقصى الأدب الهولندي عن الرفوف ا ...
- نداء التيه الاخير
- المجدّف
- لو كانَ هذا العالمُ عاقلًا
- القصيدة الأخيرة لمسافر أبدي
- في قلبي الخدِر وخزةُ ريبة
- حنين
- ليست الأشواك تجرحنا
- حديث الذئاب
- تفاصيل الواقف قبل أن يستريح: الترجمة وجدلُ الهوية في متاهة ا ...
- القصيدة وما بعدها
- على ضفاف الراين
- لكنني بلا قصيدة
- لعبة المزاج
- جناحان من نبضٍ، وسماءٌ من حنين
- كلب ميت بجناحين
- الديمقراطية
- الضوء، الفراغ، الجسد
- السقوطُ… أولُ المعاني للحقيقة


المزيد.....




- من نيقولاي الثاني إلى ستالين وبريجنيف.. حكاية القادة الروس م ...
- مهرجان صيف حوران.. دعم ثقافي وتعافٍ للثقافة السورية
- قاآني في بغداد؟ تضارب الروايات يضع سلاح الفصائل في الواجهة
- الفنان قيس الشيخ نجيب يوجه رسالة أمل إلى شباب سوريا في اليوم ...
- أحذية بوانت موقعة من أساطير الباليه الروسي تتصدر مزادا استثن ...
- بوتين يطلع على الاستعدادات لافتتاح مدرسة موسيقية جديدة في شر ...
- -لأول مرة في حلب-.. سيف نبيل في ليلة غنائية منتظرة
- منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ يبحث تأثير الذكاء الاصطن ...
- من الهيمالايا إلى موسكو.. 700 قطعة تروي رحلة البوذية في روسي ...
- سجال الهوية واللغة في الجزائر: مواجهة مفتوحة بين مقري ومعزوز ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مهدي النفري - فان خوخ: اللغة والفرشاة التي أعشق