أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد زكرد - إشكالية الوحي والتاريخ














المزيد.....

إشكالية الوحي والتاريخ


أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)


الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 18:00
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


هل يمكن الفصل بين الرسالة الدينية وشروط تشكلها التاريخية؟

ليس من السهل أن نسأل عن الوحي من داخل التاريخ؛ لأن السؤال نفسه يضع أمامنا مفهومين يبدوان للوهلة الأولى متعارضين: الوحي بما يحيل إليه من مصدر متعالٍ عن الإنسان والزمان، والتاريخ بما يعنيه من لغة ومكان ومجتمع وثقافة وتحولات بشرية. فإذا كان الوحي، في التصور الديني، يأتي من خارج التاريخ، فكيف يدخل إليه؟ وكيف يتحول من معنى متعالٍ إلى لغة بشرية، ومن نص إلى مؤسسة، ومن اعتقاد إلى ممارسة اجتماعية؟ هنا تبدأ واحدة من أكثر الإشكالات حساسية في فلسفة الدين: هل يمكن الفصل بين الرسالة الدينية ومضامينها المتعالية من جهة، وبين الشروط التاريخية واللغوية التي ظهرت من خلالها من جهة أخرى؟
فالوحي، حين نفكر فيه فلسفياً، لا يصل إلى الإنسان في فراغ. إنه يأتي في زمن محدد، وإلى جماعة محددة، بلغة لها قواعدها وحمولاتها الثقافية. والنص الديني، مهما كان مصدره الإلهي في الاعتقاد، لا يصبح موضوعاً للفهم الإنساني إلا عندما يدخل عالم اللغة والتأويل. لكن هذا الاعتراف لا يعني بالضرورة اختزال المقدس في التاريخ أو القول بأنه مجرد صناعة بشرية؛ فالقول إن الرسالة تشكلت داخل التاريخ يختلف تماماً عن القول بأنها نتاج مطلق له. وهنا تحديداً تكمن صعوبة المسألة: إن الجزم بانفصال الوحي التام عن التاريخ يجعله مفهوماً معلقاً في فراغ لا يمس التجربة البشرية، بينما اختزاله في شروطه التاريخية ينزع عنه دعوى التعالي والاطلاق.
منذ العصور القديمة، حاول الإنسان فهم كيفية التجسد الإنساني للخطاب الإلهي. وفي الفكر الإسلامي، نجد أن علوم القرآن والتفسير لم تكن غافلة عن هذه الديناميكية؛ فمفاهيم مثل أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، تعكس وعياً تراثياً أصيلاً بأن فهم النص لا ينفصل عن ظروف وروده والتحولات الزمنية للتشريع. غير أن الحداثة الفلسفية دفعت هذا السؤال إلى مستوى أكثر جذرية مع الهرمنيوطيقا المعاصرة؛ حيث أضحى الفهم مع هانس جورج غادامير وبول ريكور عملية تاريخية بامتياز، تقوم على الحوار بين «أفق النص» و«أفق القارئ». فالنص الديني يكتسب حياة ثانية مع كل قراءة جديدة، ويتجاوز لحظة إنتاجه الأولى ليدخل في «تاريخ تلقٍّ» مستمر، يتجدد بتجدد أسئلة الإنسان وعصره.
ولعل الخلط الأكثر شيوعاً في النقاشات الفكرية المعاصرة هو عدم التمييز بين مستويات الظاهرة الدينية. إننا غالباً ما نخلط بين الوحي في أصله المعياري المتسامي، وبين الفقه والتفسير والمؤسسات والدول التي نشأت باسمه. الوحي متعالٍ في الإيمان، لكن فهمه وتأويله وممارسته كلها أفعال تاريخية بشرية. وهذا التمييز يفتح إمكاناً نقدياً بالغ الأهمية: فقد يكون النص ثابتاً ومقدساً، دون أن تكون كل قراءة تاريخية له مقدسة أو معصومة من النقد. وقد تجلى هذا التحول المنهجي في الفلسفة الغربية بدءاً من سبينوزا وكانط وهيغل، وصولاً إلى الدراسات الاجتماعية مع ماكس فيبر، ثم انتقل إلى الفكر العربي الحديث مع مشاريع محمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد عابد الجابري، وعبر التاريخانية عند عبد الله العروي؛ حيث تحول السؤال من «ماذا يقول النص؟» إلى «كيف صنع العقل التاريخي معنى النص؟».
إن إخضاع التراث والدين للدراسة التاريخية والأنثروبولوجيا ليس هدفاً لإلغاء الإيمان، بل هو أداة لتحرير المقدس من احتكار التأويل التاريخي، ولتفكيك التوظيفات الأيديولوجية والسياسية التي تحول الفهم البشري في مرحلة معينة إلى «صوت إلهي» مطلق. فالتاريخ لا يصنع الدين فحسب، بل إن الدين بدوره ينزل إلى التاريخ ليصبح قوة مجتمعية وأخلاقية تعيد تشكيله وتغير مجرى الأحداث.
في النهاية، يظل الإنسان هو نقطة الالتقاء الوحيدة بين التعالي والصيرورة؛ فهو الكائن الذي يتلقى الوحي بلغة زمنية، ويفسره داخل مجتمعه، ويحوله إلى قيم ومؤسسات. ولهذا السبب، فإن دراسة الوحي بمعزل عن التاريخ تظل قراءة ناقصة تجر إلى الدوغمائية، مثلما أن اختزاله كلياً في التاريخ تجر إلى السطحية. إن القيمة الفلسفية الحقيقية لهذه الإشكالية تكمن في إبقاء السؤال مفتوحاً: التعالي لا يلغي التاريخ، والتاريخ لا ينفي بالضرورة أصل التعالي؛ بل يحدد شروط ظهوره الإنساني، ليظل النص الديني حيّاً وقادراً على العطاء في كل عصر.



#أحمد_زكرد (هاشتاغ)       Ahmed_Zakrad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إشكالية المدينة والفلسفة
- تأثيل المقدس 7 : من نقد التراث إلى تفكيك سلطة التأويل
- المرأة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية (الجزء الثاني
- المرأة بين مطرقة الدين وسندان العلمانية (الجزء الثالث)
- ثقافة الاستدانة والاستهلاك: لماذا يعيش الإنسان اليوم على الم ...
- الرقمنة ودرس الفلسفة: نحو تجديد الفعل التعليمي وبناء الإشكال ...
- الحتمية التاريخية وإشكال الضرورة والحرية في فلسفة التاريخ
- الكفاية الحجاجية في درس الفلسفة
- أثر عناصر الإجابة الرسمية على حرية التفكير والإنتاج الفلسفي: ...
- كأس العالم بين شغف الرياضة وصناعة الإلهاء
- في تحولات المسألة الطبقية: من اغتراب العامل إلى اغتراب الإنس ...
- صعاليك العرب والاشتراكية الفطرية
- من الملعب إلى القبيلة: كرة القدم والانفعال الجماعي في منظور ...
- الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافي ...
- تحوّلات العقل والعقلانية في الفلسفة المعاصرة
- اليوم العالمي للفلسفة 2025… حين يُعاد طرح الأسئلة التي تحدّد ...
- فيلم فرانكشتاين 2025: حين ينهض المخلوق شاهداً على خطايا الخا ...
- من التحليل النفسي إلى التحليل الوجودي : قراءة في فكر لودفيغ ...
- الوجود المشترك: قراءة فلسفية في فكر جان-لوك نانسي
- قراءة في فكر بيتر فيسل زابفه: مأساة الوعي وعبث الوجود


المزيد.....




- 400 قطعة يوميًا وسعر القالب 360 دولارًا.. كيف تحوّلت كعكة ور ...
- -كل قوتي وحبي لوطني-.. شاكيرا تعبر عن تضامنها مع ضحايا زلزال ...
- ما علاقة شخصية في -هاري بوتر- بتغيير مسار كابل كهرباء بحري ق ...
- إيران تسارع الزمن لإصلاح منشآت غاز تضررت خلال الحرب
- -روسيا ستنتصر-.. سكان موسكو يحرجون مراسل بي بي سي خلال استطل ...
- ترامب غادر تركيا على متن طائرة سرية خوفاً من تهديد إيراني با ...
- روسيا تشن قصفًا ليليًا مكثفًا على أوكرانيا يوقع 9 قتلى
- تقرير إسرائيلي: تل أبيب تبلغ واشنطن استعدادها لوقف الاغتيالا ...
- وزير العدل المغربي لـ DW: نطالب إسبانيا بإعادة القُصّر
- كوريا الجنوبية تعتقل ضابطين صينيين سابقين بشبهة تجسس


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد زكرد - إشكالية الوحي والتاريخ