أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية
(Ahmed Zakrad)
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 02:06
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
مقدمة: حين انتقل السؤال من «ماذا نؤمن؟» إلى «كيف تشكّل ما نؤمن به؟»
لم يكن دخول العالم العربي إلى العصر الحديث مجرد انتقال زمني من قرن إلى قرن، وإنما كان صدمة معرفية أعادت ترتيب الأسئلة التي اعتاد الفكر العربي أن يطرحها على نفسه. فقد وجد الإنسان العربي نفسه أمام عالم يتغير بسرعة هائلة: العلم يعيد تعريف المعرفة، والدولة الحديثة تعيد تنظيم المجال السياسي، والثورة الصناعية تغير علاقة الإنسان بالطبيعة، والحداثة الأوروبية تنقل مركز الثقل من المرجعيات التقليدية إلى العقل والتاريخ والتجربة والمؤسسة.
وفي المقابل، ظل العالم العربي يعيش توتراً عميقاً بين موروث ديني وفكري شديد الحضور، وبين واقع تاريخي جديد لم تعد الأدوات القديمة كافية لفهمه.
من هنا وُلد سؤال النهضة.
لكن هذا السؤال لم يكن ثابتاً. ففي البداية كان سؤالاً عن القوة: لماذا تقدم الغرب وتأخر المسلمون؟ ثم أصبح سؤالاً عن السياسة: هل الاستبداد هو سبب الانحطاط؟ ثم عن الاستعمار: هل كان الاستعمار هو الذي أجهض إمكانات النهضة؟ ثم عن الاقتصاد والاجتماع. غير أن هذه الإجابات، على الرغم من وجاهة بعضها، ظلت عاجزة عن الوصول إلى مستوى أعمق من الأزمة: مستوى البنية الذهنية التي نرى العالم من خلالها.
وهنا حدث التحول الحاسم.
بدأ بعض المفكرين العرب يدركون أن الأزمة ليست فقط في الواقع الذي نعيشه، وإنما ربما تكون أيضاً في الأدوات التي نفكر بها في هذا الواقع. لم يعد السؤال: لماذا فشلنا؟ بل أصبح: كيف تشكل العقل الذي يفسر فشلنا؟ ومن أين جاءت المفاهيم التي نستخدمها في فهم أنفسنا وديننا وتاريخنا؟
بهذا الانتقال أصبح التراث موضوعاً بعد أن كان سلطة، وأصبح النص قابلاً للسؤال بعد أن كان مرجعاً للسؤال، وأصبح العقل نفسه قابلاً للتشريح بعد أن كان أداة للتشريح.
فالمقصود بالتأثيل هنا ليس مجرد البحث عن أصل لغوي لكلمة «المقدس»، وإنما الحفر في الطبقات التاريخية والثقافية والمعرفية التي جعلت شيئاً ما مقدساً، ثم جعلت بعض التأويلات البشرية له تكتسب بدورها سلطة شبيهة بسلطة المقدس.
وهذا يفرض منذ البداية تمييزاً بالغ الأهمية بين الدين (Religion) وبين التراث (Patrimoine).
فالدين، في التصور الإيماني، يرتبط بالوحي والمقدس؛ أما التراث فهو مجموع ما أنتجه البشر في فهم ذلك الوحي وتأويله وتطبيقه والدفاع عنه. ومن هنا لا يكون السؤال النقدي موجهاً بالضرورة إلى الوحي، وإنما إلى المسافة التي تفصل بين الوحي وبين ما قاله البشر عنه.
لكن هذه المسافة ظلت في الثقافة الإسلامية موضع توتر دائم؛ إذ حدث، عبر التاريخ، أن امتدت القداسة من النص إلى تفسير النص، ومن الوحي إلى علوم الوحي، ومن الدين إلى المؤسسات التي تتحدث باسمه. وبذلك لم يعد من السهل دائماً التمييز بين المقدس وما هو بشري تاريخي.
وهنا يصبح السؤال أكثر جذرية:
هل نحن أمام دين واحد، أم أمام تاريخ طويل من التأويلات التي صنعت صوراً متعددة لذلك الدين؟
ليس المقصود بهذا السؤال إنكار حقيقة الإيمان، وإنما مساءلة الكيفية التي تحولت بها تجربة الإيمان إلى منظومات معرفية وتشريعية وسياسية وأخلاقية، ثم اكتسبت بعض هذه المنظومات حصانة من النقد.
وهذا هو المدخل الذي ستلتقي عنده، بدرجات مختلفة، المشاريع التي نبحثها هنا.
غير أن هذه المشاريع لم تكن متطابقة. أركون لم يكن الجابري، والجابري لم يكن العروي، وأبو زيد لم يكن العظم، وجعيط لم يكن أياً منهم. بل إن الاختلاف بينهم يكشف أن «نقد التراث» لم يكن مدرسة واحدة، وإنما كان مجالاً واسعاً تتصارع داخله تصورات مختلفة عن العقل والتاريخ والدين والحداثة.
ولذلك فإن قيمة هذه الدراسة لا تكمن في جمع أسماء هؤلاء المفكرين تحت عنوان واحد، بل في الكشف عن الخيط الذي يصل بينهم، وعن الحدود التي تفصل بينهم، وعن الافتراضات التي تجعل كل مشروع منهم يرى المقدس من زاوية مختلفة.
محمد أركون: عندما أصبح العقل الإسلامي موضوعاً للنقد
يمثل محمد أركون نقطة تحول أساسية في هذا المسار، لأنه لم يبدأ من السؤال التقليدي: ماذا يقول الإسلام؟ وإنما من سؤال أكثر عمقاً: كيف أصبح ممكناً أن نقول ما نقوله عن الإسلام؟
وهنا ينتقل النقد من مستوى المحتوى إلى مستوى شروط إنتاج المعرفة.
إن أهمية أركون لا تكمن فقط في استعماله مفاهيم مثل «اللامفكر فيه» و«المستحيل التفكير فيه»، وإنما في أنه غيّر طبيعة السؤال نفسه. فالمشكلة ليست فقط أن الثقافة الإسلامية تحتوي على أفكار معينة، بل أنها تحتوي أيضاً على حدود تحدد مسبقاً ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز.
وهذا هو معنى «اللامفكر فيه» (L impensé) عنده: ليس الأمر يتعلق بما نجهله، لأن الجهل يمكن علاجه بالمعرفة، وإنما بما تحيطه الثقافة بسياج يجعل مجرد التفكير فيه موضع اعتراض.
وهنا تصبح وظيفة النقد مختلفة تماماً. فالنقد لا يكتفي بطرح أفكار بديلة، وإنما يحاول اكتشاف الشروط التي تمنع ظهور الأفكار البديلة أصلاً.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم اهتمام أركون بتاريخ القرآن، وتاريخ علوم الحديث، وتكوين المذاهب، وعلاقة الدين بالسلطة. فهذه الموضوعات ليست بالنسبة إليه مجرد مسائل تاريخية، وإنما هي مناطق تكشف كيف تشكلت سلطة المعرفة داخل الثقافة الإسلامية.
غير أن مشروع أركون يحمل في داخله مفارقته الخاصة. فهو يريد تحرير التفكير الإسلامي من هيمنة الأرثوذكسية، لكنه يعتمد في ذلك على منظومة واسعة من المفاهيم والمناهج التي تشكلت في الفكر الغربي الحديث: الأنثروبولوجيا، واللسانيات، والسيميائيات، والهرمنيوطيقا، والتفكيكية.
وهنا يبرز السؤال النقدي: هل يمكن تفكيك بنية ثقافية بواسطة أدوات أنتجتها ثقافة أخرى دون أن تتحول تلك الأدوات نفسها إلى سلطة معرفية جديدة؟
هذه ليست ملاحظة هامشية. إنها واحدة من أكبر الإشكالات التي تواجه مشروع أركون. فالنقد الذي يريد تحرير العقل من كل سلطة معرفية يجب أن يكون قادراً أيضاً على نقد الأدوات التي يستخدمها.
ومع ذلك، يظل فضل أركون كبيراً في أنه حرّك السؤال من «ماذا يقول التراث؟» إلى «كيف أصبح التراث قادراً على فرض ما يقوله باعتباره الحقيقة؟».
وهنا تبدأ المسافة بين أركون والعروي.
العروي: التاريخ ليس خلفية للفكرة، بل شرط وجودها
إذا كان أركون قد بحث في شروط إنتاج المعرفة الدينية، فإن عبد الله العروي نقل المسألة إلى مستوى التاريخ.
فالعروي لا يرى أن مشكلة المجتمعات العربية يمكن اختزالها في الدين أو التراث. إنه يذهب إلى طبقة أعمق: علاقتنا بالتاريخ نفسه.
فالإنسان العربي، في نظره، يعيش مفارقة تتمثل في أنه يريد أن يدخل العالم الحديث، لكنه يحاول أحياناً أن يفهم الحداثة بواسطة مفاهيم تشكلت قبلها. يريد الدولة الحديثة، لكنه يحتفظ أحياناً بتصورات تقليدية عن السلطة. يريد الحرية، لكنه قد يستخدم مفاهيم لا تنتمي إلى تاريخ الحرية الحديثة. يريد العقلانية، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يجعلها متوافقة بالكامل مع منظومات فكرية تشكلت خارج شروطها التاريخية.
وهنا تظهر التاريخانية (Historicisme) باعتبارها أكثر من مجرد منهج في قراءة الماضي. إنها موقف فلسفي يرى أن الأفكار لا يمكن فصلها عن شروط إنتاجها.
فالفقه لم ينزل من السماء بوصفه منظومة مكتملة، وعلم الكلام لم يكن معطى أزلياً، والتصورات السياسية الإسلامية لم تكن واحدة منذ البداية. كلها استجابات بشرية لأسئلة تاريخية محددة.
وهذا يقود إلى نتيجة شديدة الأهمية: إذا كانت الإجابات تاريخية، فلا يجوز تحويلها إلى حلول أبدية.
لكن العروي يواجه هنا مشكلة لا يمكن تجاهلها: إذا جعلنا التاريخ معياراً مركزياً، فهل تصبح الحداثة الغربية نفسها نتيجة تاريخية خاصة لا يجوز تعميمها؟ أم أنها تمثل، كما يميل العروي إلى الاعتقاد، مساراً أصبح ضرورياً بفعل التاريخ العالمي؟
هنا تكمن إحدى نقاط التوتر في مشروعه.
فالعروي يريد تحرير العرب من أسر الماضي، لكنه يجعل النموذج التاريخي الأوروبي مرجعاً قوياً في تحديد معنى الحداثة. وهذا ما دفع بعض منتقديه إلى التساؤل: هل تجاوز العروي المركزية الأوروبية، أم أنه أعاد إنتاجها داخل مشروع نقدي عربي؟
ومع ذلك، فإن قوة مشروعه تكمن في أنه يمنعنا من ارتكاب خطأ شائع: أن نعامل التراث كأنه كتلة واحدة خارج التاريخ.
العروي لا يطلب منا أن نكره الماضي، بل أن نعيده إلى الزمن.
وهذه ربما تكون إحدى أهم لحظات مشروع «تأثيل المقدس»: إعادة المقدس المتجسد في التاريخ إلى شروطه التاريخية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة نفي قيمته الإيمانية.
الجابري: من تاريخ الأفكار إلى تشريح العقل الذي ينتجها
إذا كان العروي قد سأل عن علاقتنا بالتاريخ، فإن محمد عابد الجابري ذهب إلى سؤال آخر: ما البنية التي تجعل العقل العربي يفكر بالطريقة التي يفكر بها؟
وهنا يصبح «نقد العقل العربي» محاولة للانتقال من نقد الأفكار إلى نقد النظام الذي ينتجها.
الجابري لا يتعامل مع العقل العربي باعتباره عقلاً بيولوجياً أو عرقياً، وإنما باعتباره نسقاً معرفياً (Système cognitif) تشكل عبر التاريخ.
وهذه نقطة بالغة الأهمية، لأنها تمنع تحويل مفهوم «العقل العربي» إلى حكم جوهراني على الإنسان العربي.
فالبيان والعرفان والبرهان ليست مجرد تيارات فكرية، وإنما أنظمة لإنتاج الحقيقة.
في البيان تصبح اللغة والنص مرجعاً أساسياً.
وفي العرفان تصبح المعرفة مرتبطة بالكشف والباطن.
أما البرهان فيربط الحقيقة بالاستدلال العقلي.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التقسيم المنهجي إلى تفسير شامل للتاريخ العربي الإسلامي. فهل كان التراث فعلاً موزعاً بهذه الحدود الصارمة؟ وهل يمكن فصل البيان عن البرهان، أو العرفان عن العقل، بهذه السهولة؟
هنا يأتي النقد الذي وجهه جورج طرابيشي وغيره إلى الجابري: خطر تحويل التعقيد التاريخي إلى بنية ثلاثية شديدة الانتظام.
فالتراث الإسلامي لم يكن مختبراً نظرياً مستقلاً فيه ثلاث غرف مغلقة. لقد كانت هذه الأنظمة تتداخل وتتفاعل وتتصارع، وكان الفيلسوف قد يستخدم اللغة، والفقيه قد يستخدم العقل، والمتصوف قد يستخدم البرهان.
ولهذا يمكن القول إن قوة نموذج الجابري تكمن في قدرته التفسيرية، بينما تكمن نقطة ضعفه في احتمال تحوله إلى اختزال تاريخي.
ومع ذلك، يظل سؤال الجابري من أكثر الأسئلة إنتاجاً:
إذا كانت النهضة تحتاج إلى تغيير الأفكار، ألا تحتاج قبل ذلك إلى تغيير النظام المعرفي الذي ينتج هذه الأفكار؟
ومن هنا تأتي أهمية ابن رشد في مشروعه. فهو لا يستعيد ابن رشد بوصفه شخصية من الماضي، بل بوصفه رمزاً لإمكان معرفي ضاع من التاريخ العربي: إمكان البرهان والعقلانية.
لكن هذا بدوره يفتح سؤالاً آخر: هل يمكن بناء المستقبل من خلال انتقاء لحظة مضيئة من التراث؟
أم أن هذا الانتقاء نفسه يعيد إنتاج المشكلة التي يحاول الجابري تجاوزها، أي البحث عن «أصل أصيل» داخل الماضي؟
هنا تتقاطع قوة المشروع مع حدوده.
أبو زيد: حين أصبح النص نفسه ساحة للصراع بين القداسة والتأويل
مع نصر حامد أبو زيد انتقل النقاش إلى أكثر مناطقه حساسية: النص.
فإذا كان أركون قد سأل عن العقل، والعروي عن التاريخ، والجابري عن البنية المعرفية، فإن أبو زيد سأل:
كيف يتشكل معنى النص؟
وهنا تظهر الهرمنيوطيقا (Herméneutique) باعتبارها فلسفة للتأويل.
النص لا يتكلم في فراغ، والقارئ لا يأتي إليه بعقل خال من التاريخ. كل قراءة تحمل معها أسئلتها ومفاهيمها وشروطها.
وهذا يعني أن الفرق بين النص والتفسير ليس تفصيلاً منهجياً، بل هو قلب المشكلة.
فالنص شيء، وفهم النص شيء آخر.
والقرآن، في التصور الإيماني، مقدس؛ لكن تفسير الإنسان له ليس مقدساً بالضرورة.
من هنا جاءت أهمية مشروع أبو زيد، لكنه جاء أيضاً مصدر خطورته بالنسبة إلى خصومه. فإذا قلنا إن الفهم تاريخي، فإلى أي حد يمكن أن يصبح المعنى مفتوحاً؟ وهل يمكن أن يؤدي تعدد التأويلات إلى فقدان النص لمرجعيته المشتركة؟
هذه هي المشكلة الحقيقية التي ينبغي ألا تُختزل في صراع بين «التنوير» و«الظلامية».
فالتأويل المفتوح يحمل مكسباً معرفياً واضحاً: إنه يمنع احتكار المعنى.
لكنه يحمل أيضاً خطراً: إذا لم توجد أي حدود للتأويل، فقد يصبح النص قابلاً لأن يقول كل شيء، وبالتالي لا يعود قادراً على مقاومة القارئ نفسه.
وهنا يحتاج مشروع أبو زيد إلى توازن دقيق بين حرية التأويل وبين مقاومة النص للتأويل.
فالنص ليس مرآة للقارئ فقط، والقارئ ليس سيداً مطلقاً على النص.
وهذه واحدة من القضايا التي تجعل الهرمنيوطيقا أكثر تعقيداً من مجرد القول بأن «كل قراءة صحيحة».
العظم: من تأويل النص إلى نقد السلطة التي تتحدث باسمه
مع صادق جلال العظم، يتحول السؤال من بنية النص والتأويل إلى وظيفة الفكر الديني في المجال العام.
العظم لا يهتم بالدين باعتباره تجربة وجدانية فحسب، بل بما يحدث عندما يتحول الفكر الديني إلى تفسير شامل للسياسة والمجتمع والتاريخ.
وهنا يصبح نقده أكثر مباشرة.
فاللجوء إلى التفسير الغيبي لكل أزمة تاريخية يمكن أن يتحول إلى آلية لإعفاء الإنسان من مسؤوليته عن الواقع.
إذا كانت الهزيمة نتيجة قوى غيبية، فلماذا نبحث عن أسبابها العسكرية والسياسية والمؤسساتية؟
وإذا كان الفقر قدراً محضاً، فلماذا نبحث في توزيع الثروة؟
بهذا المعنى، كان العظم يريد استعادة السببية التاريخية إلى المجال العربي.
لكن مشروعه يواجه بدوره إشكالاً: هل كل تفسير ديني للواقع هو بالضرورة تعطيل للعقل؟ وهل يمكن اختزال الفكر الديني في وظيفته الإيديولوجية والسياسية؟
هنا ينبغي الحذر من تحويل نقد «التوظيف السياسي للدين» إلى نقد للدين نفسه.
ومع ذلك، تظل مساهمته الأساسية في الدفاع عن مبدأ بسيط وعميق:
لا توجد فكرة ينبغي أن تكون محصنة من السؤال لمجرد أنها تستمد شرعيتها من المقدس.
وهذا هو جوهر «ذهنية التحريم»: ليست المشكلة فقط في وجود المحرمات، بل في تحولها إلى آلية لمنع التفكير.
جعيط: ماذا يحدث عندما يدخل المؤرخ إلى قلب المقدس؟
مع هشام جعيط يتغير المشهد مرة أخرى.
فجعيط لا يبدأ من الرغبة في تفكيك المقدس، وإنما من سؤال المؤرخ:
ما الذي يمكن معرفته عن الماضي؟
وهذا السؤال بالغ الأهمية، لأنه يضع مسافة بين الحدث التاريخي وبين الذاكرة التي أعادت بناءه.
فالذاكرة لا تحفظ الماضي فقط؛ إنها تعيد إنتاجه وفق حاجات الحاضر.
ولهذا تصبح السيرة والتاريخ الإسلامي المبكر موضوعاً للنقد التاريخي (Critique historique).
لكن جعيط لا يسقط في الشك المطلق. إنه لا يقول إن كل الروايات اللاحقة باطلة، ولا أن كل ما نملكه عن الماضي مجرد اختراع.
وهنا تكمن قوته المنهجية: إنه يبحث عن منطقة وسطى بين التصديق الساذج والشك العدمي.
في دراسته للسيرة النبوية والفتنة الأولى، يصبح الإسلام ظاهرة تاريخية مركبة: ديناً ورسالة، لكنه أيضاً حركة اجتماعية، وبناءً سياسياً، وتفاعلاً مع محيط عربي وبيزنطي وفارسي.
وهنا يصبح التاريخ وسيلة لإعادة الإنسان إلى قلب الحدث.
لكن هذا المنهج نفسه يواجه سؤالاً فلسفياً عميقاً: هل يستطيع المؤرخ فعلاً أن يفصل بين «الحدث» و«الذاكرة» بصورة كاملة؟ أم أن ما نعرفه عن الحدث لا يصل إلينا إلا من خلال الذاكرة والرواية؟
إن التاريخ لا يمتلك الماضي؛ إنه يعيد بناء صورة محتملة عنه اعتماداً على ما بقي من آثار.
وهذا يجعل مشروع جعيط أكثر تواضعاً معرفياً من كثير من المشاريع الأخرى، لأنه لا يدعي امتلاك الماضي، وإنما يحاول الاقتراب منه عبر النقد.
نحو تركيب نقدي: ماذا تكشف هذه المشاريع مجتمعة؟
حين ننظر إلى هذه المشاريع منفردة، تبدو مختلفة إلى حد كبير. لكن حين نضعها جنباً إلى جنب، يظهر مسار فكري واضح.
أركون يسأل عن حدود التفكير.
العروي يسأل عن شروط التاريخ.
الجابري يسأل عن بنية المعرفة.
أبو زيد يسأل عن شروط التأويل.
العظم يسأل عن وظيفة الخطاب الديني في المجال العام.
وجعيط يسأل عن إمكان كتابة تاريخ للمقدس.
وبذلك يتحرك السؤال تدريجياً من الخارج إلى الداخل:
من نقد المؤسسة،
إلى نقد التراث،
إلى نقد العقل،
إلى نقد آليات إنتاج المعرفة،
إلى نقد التأويل،
إلى نقد الذاكرة التاريخية.
وهنا يتضح أن هذه المشاريع لا تشترك بالضرورة في موقف واحد من الدين، وإنما تشترك في شيء أكثر عمقاً: رفض تحويل القراءة البشرية للدين إلى حقيقة غير قابلة للنقد.
لكن هذا المشترك لا ينبغي أن يجعلنا نضعها في سلة واحدة.
فأركون أكثر راديكالية في نقد حدود التفكير.
والعروي أكثر ارتباطاً بفلسفة التاريخ والحداثة.
والجابري أكثر اهتماماً ببنية العقل المعرفية.
وأبو زيد أكثر انشغالاً باللغة والتأويل.
والعظم أكثر مباشرة في نقد الفكر الديني بوصفه قوة اجتماعية وسياسية.
أما جعيط فيبقى أقرب إلى المؤرخ الذي يريد إعادة بناء الماضي دون أن يحوله إلى أيديولوجيا.
وهنا تظهر حدود المشروع كله.
فإذا كان النقد يهدف إلى تحرير الإنسان من سلطة الماضي، فلا ينبغي أن يتحول النقد نفسه إلى سلطة جديدة.
وإذا كانت المناهج الغربية قد ساعدت على تفكيك كثير من المسلمات، فلا ينبغي التعامل معها باعتبارها محكمة نهائية لا تخطئ.
وإذا كان التراث تاريخياً، فهذا لا يعني أن كل ما هو تاريخي فاقد للقيمة.
وإذا كان التأويل بشرياً، فهذا لا يعني أن كل التأويلات متساوية.
وإذا كان المقدس قد دخل التاريخ، فهذا لا يعني أن التاريخ يستطيع أن يحسم كل أسئلة الإيمان.
وهنا ينبغي أن نتجنب خطأين متقابلين:
الأول هو التقديس الذي يحول التاريخ إلى عقيدة.
والثاني هو التفكيك الذي يحول التاريخ إلى آلة لنفي كل معنى.
بينهما توجد منطقة أكثر صعوبة، لكنها أكثر خصوبة: منطقة النقد.
النقد لا يعني الهدم، كما أن الفهم لا يعني التبرير.
إن القيمة الحقيقية لهذه المشاريع لا تكمن في أنها قدمت «الحقيقة النهائية» عن الدين أو التراث، وإنما في أنها جعلت التفكير ممكناً في مناطق كان التفكير فيها محفوفاً بالخوف.
ومن هنا فإن «تأثيل المقدس» لا ينبغي أن يفهم باعتباره مشروعاً لإسقاط المقدس، وإنما باعتباره محاولة لفهم كيف يصبح المقدس مقدساً في الوعي، وكيف تتحول التأويلات التاريخية إلى سلطات رمزية، وكيف تتداخل الذاكرة مع العقيدة، والتاريخ مع الأسطورة، والوحي مع القراءة البشرية له.
وهذا يفتح الباب أمام سؤال أكثر عمقاً من كل الأسئلة السابقة:
إذا كان المقدس قد مر دائماً عبر اللغة والتاريخ والمؤسسة والتأويل، فهل نستطيع أن نفصل في النهاية بين ما هو مقدس في ذاته، وبين ما أصبح مقدساً في الوعي البشري؟
إنها ليست مسألة يمكن حسمها بسهولة، وربما لا ينبغي حسمها أصلاً؛ لأن قيمة الفلسفة تبدأ تحديداً عندما يصبح السؤال أكبر من الإجابة.
خاتمة: من تفكيك المقدس إلى تحرير الإنسان من الخوف منه
تكشف رحلة الفكر العربي الحديث من أركون إلى العروي والجابري وأبو زيد والعظم وجعيط أن المسألة لم تكن، في جوهرها، حرباً على الدين بقدر ما كانت صراعاً حول من يملك حق الكلام باسم الدين، ومن يملك حق تفسير التاريخ، ومن يملك سلطة تحديد ما يجوز التفكير فيه.
لقد بدأ النقد حين اكتشف المفكر العربي أن المشكلة لا توجد دائماً في النص، وإنما قد توجد في الطريقة التي نقرأ بها النص؛ ولا توجد دائماً في التراث، وإنما في الطريقة التي نحول بها التراث إلى سلطة؛ ولا توجد دائماً في الدين، وإنما في الطريقة التي يتحول بها الخطاب الديني إلى مؤسسة تنتج الحقيقة وتحدد حدود السؤال.
ومن هنا كان الانتقال من «نقد التراث» إلى «تأثيل المقدس» انتقالاً من سؤال المحتوى إلى سؤال التكوين.
لم يعد السؤال:
ماذا يقول المقدس؟ بل: كيف تشكلت صورتنا عن المقدس؟
ولم يعد: هل هذا التفسير صحيح؟ بل: كيف اكتسب هذا التفسير سلطة الحقيقة؟
ولم يعد:هل التراث صالح أم غير صالح؟ بل: ما الشروط التاريخية التي جعلته ممكناً، وما الذي يجعلنا نستمر في التعامل معه خارج شروطه التاريخية؟
إن أعظم ما قدمته هذه المشاريع، رغم اختلافاتها وتناقضاتها، هو أنها أعادت الاعتبار إلى المسافة النقدية بين الإنسان وما ورثه. وهذه المسافة ليست عداءً للماضي، بل شرطاً لفهمه؛ وليست عداءً للإيمان، بل محاولة لمنع البشر من تحويل فهمهم المحدود للإيمان إلى حقيقة مطلقة.
غير أن النقد نفسه يحتاج إلى نقد.
فلا يجوز أن نستبدل سلطة التراث بسلطة المنهج، ولا سلطة المؤسسة الدينية بسلطة الأكاديمية، ولا مركزية التأويل التقليدي بمركزية تأويل حديث يدعي امتلاك الحقيقة النهائية.
إن التحرر الحقيقي لا يتحقق عندما نستبدل مقدساً بمقدس، وإنما عندما يصبح الإنسان قادراً على مساءلة كل سلطة تدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة.
وهنا تتحدد القيمة الفلسفية النهائية لمشروع «تأثيل المقدس»:
ليس أن ينتهي بنا إلى الإيمان أو إلى نفي الإيمان، ولا إلى الدفاع عن التراث أو إلى هدمه، وإنما أن يعيد إلينا القدرة على النظر.
أن نرى المقدس في تاريخه، والتاريخ في ذاكرته، والذاكرة في انتقائيتها، والتأويل في بشريته، والعقل في حدوده، والنص في تعدد قراءاته.
فحين يصبح المقدس قابلاً للفهم، لا يعود الخوف شرطاً للإيمان.
وحين يصبح التراث قابلاً للنقد، لا يعود الماضي سجناً للحاضر.
وحين يصبح التأويل قابلاً للمراجعة، لا يعود أحد قادراً على احتكار الحقيقة.
وربما تكون النهضة، في معناها الأعمق، هي هذه القدرة تحديداً: أن نمتلك شجاعة السؤال دون أن نفقد القدرة على المعنى.
#أحمد_زكرد (هاشتاغ)
Ahmed_Zakrad#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟