أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد زكرد - من الملعب إلى القبيلة: كرة القدم والانفعال الجماعي في منظور سوسيولوجي














المزيد.....

من الملعب إلى القبيلة: كرة القدم والانفعال الجماعي في منظور سوسيولوجي


أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)


الحوار المتمدن-العدد: 8592 - 2026 / 1 / 19 - 16:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في كل مرة تنتهي فيها مباراة حاسمة، لا تنتهي الحكاية عند حدود الملعب. الصافرة الأخيرة لا تُسكت الضجيج، بل تطلقه على نطاق أوسع، داخل البيوت، وفي الشوارع، وعلى وجوه الناس التي تستيقظ في اليوم الموالي محمّلة بمعنى الفوز أو مثقلة بعبء الهزيمة. في صباح واحد قد نجد جماعة بشرية كاملة متوترة، غاضبة، سريعة الاشتعال، بينما تعيش جماعة مجاورة حالة من النشوة والاحتفال. المدهش في الأمر أن هذا المشهد يمكن أن ينقلب في زمن قصير، فتتبادل الجماعات الأدوار، دون أن يتغير شيء جوهري في شروط الحياة المادية. هنا تحديدًا يبدأ السؤال السوسيولوجي في الإلحاح: ما الذي يجعل لعبة رمزية قادرة على إعادة ترتيب المزاج الجمعي بهذه القسوة؟
لفهم هذه الظاهرة، لا يكفي النظر إلى كرة القدم بوصفها نشاطًا ترفيهيًا أو صناعة رياضية، بل ينبغي العودة خطوة إلى الوراء، إلى الطبقات العميقة في التاريخ الإنساني، حيث تشكّلت أولى صيغ الانتماء. الأنثروبولوجيا تذكّرنا بأن الإنسان لم يولد فردًا معزولًا، بل كائنًا قبليًا بامتياز. القبيلة لم تكن خيارًا ثقافيًا، بل ضرورة وجودية. داخلها فقط كان الأمان ممكنًا، وكان الوصول إلى الغذاء والحماية والاعتراف مضمونًا. خارجها كان الخطر دائمًا، وكان الآخر يعني التهديد قبل أي شيء آخر. هذه البنية العميقة لم تختفِ مع نشوء الدولة الحديثة، بل أعادت إنتاج نفسها بأشكال أكثر تجريدًا، أقل دموية، لكنها لا تقل قوة رمزية.
في هذا السياق، يظهر المنتخب الوطني بوصفه وريثًا حديثًا للقبيلة القديمة. الألوان، النشيد، الشعار، كلها عناصر تُعيد تشكيل رابطة وجدانية كثيفة بين الفرد وجماعة متخيلة. الفرد الذي قد يختلف سياسيًا أو اجتماعيًا مع أبناء بلده، يجد نفسه فجأة جزءًا من كيان واحد متماسك، يتنفس بإيقاع واحد، ويخاف ويفرح في اللحظة نفسها. هذا الاندماج العاطفي لا يصنعه العقل، بل الغريزة، تلك التي تعلّمت منذ آلاف السنين أن البقاء مرهون بالانتماء.
من هنا يمكن فهم لماذا تُعاش المنافسة الكروية بمنطق يتجاوز العقلانية. المباراة لا تُختبر كمواجهة رياضية، بل كصراع رمزي بين “نحن” و“هم”. الخسارة لا تُقرأ كفشل تقني أو تكتيكي، بل كإهانة جماعية، وكتهديد للهوية. الفوز، بالمقابل، يتحول إلى لحظة إثبات وجود، إلى إعلان غير منطوق بأن الجماعة ما زالت قوية، ما زالت قادرة على الانتصار. السوسيولوجيا تسمي هذا النوع من الصراع صراعًا رمزيًا، حيث لا تكون الموارد المادية على المحك، بل المكانة والاعتراف والكرامة.
اللافت أن الجسد نفسه يشارك في هذه المسرحية الرمزية. علم الأعصاب الاجتماعي يبيّن أن الانتصار الرياضي يحرّك في الدماغ نفس الدوائر العصبية التي كانت تنشط عند الإنسان البدائي حين ينجح في الصيد أو يخرج منتصرًا من مواجهة قبَلية. الدوبامين يُفرز، الإحساس بالقوة يتضاعف، والثقة بالذات ترتفع. الهزيمة، بالمقابل، تُنتج توترًا وقلقًا وغضبًا، وكأن الجسد يتهيأ لخطر حقيقي، رغم أن العقل يعرف، نظريًا، أن شيئًا جوهريًا لم يُفقد. هذا التناقض بين معرفة عقلية وارتكاس جسدي يفسّر حدّة الانفعالات التي ترافق كرة القدم.
وعندما تأتي الهزيمة، تُستدعى آلية قديمة أخرى: شيطنة الآخر. الخصم لا يكون مجرد فريق أفضل في ذلك اليوم، بل يتحول إلى كيان ماكر، مستفيد، أو محظوظ بشكل غير عادل. الحكم، التنظيم، الظروف، كلها عناصر تُستثمر لبناء سردية تُخفف من وطأة الفشل. هذه السردية ليست كذبًا واعيًا بقدر ما هي وظيفة اجتماعية. في المجتمعات القبلية، كان الحفاظ على تماسك الجماعة يمر عبر حماية صورتها عن نفسها. الاعتراف بالضعف كان خطرًا داخليًا، لذلك كان تحميل الخارج مسؤولية الإخفاق وسيلة للحفاظ على الوحدة الداخلية. كرة القدم، مرة أخرى، لا تفعل سوى إعادة تمثيل هذا المنطق القديم في قالب معاصر.
غير أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس في وجودها، بل في غياب الوعي بها. حين يُؤخذ الانتماء الكروي بوصفه حقيقة مطلقة، لا رمزًا متحوّلًا، يتحول إلى تعصّب، وإلى عداوة غير عقلانية. هنا يصبح الآخر ليس منافسًا في لعبة، بل تهديدًا وجوديًا، ويضيق أفق “نحن” إلى درجة الإقصاء. والحال أن الأنثروبولوجيا تعلمنا أن القبيلة مفهوم مرن، يتوسع أو يضيق حسب السياق. ما نعتبره اليوم حدًّا نهائيًا للانتماء يمكن أن يتغير غدًا أمام خطر أكبر أو تحدٍّ أشمل. التاريخ مليء بلحظات أعادت فيها الجماعات تعريف ذاتها حين تغيّرت شروط الصراع.
من هذا المنظور، لا تكون كرة القدم مشكلة في حد ذاتها، بل فرصة لفهم أنفسنا. إنها مرآة تكشف هشاشتنا الرمزية، وحاجتنا العميقة للانتماء، وخوفنا القديم من الهزيمة. الاعتراف بأن هذه المشاعر طبيعية لا يعني الاستسلام لها، بل امتلاك المسافة النقدية التي تسمح بتحويلها من وقود للعداوة إلى مادة للفهم. حين نفهم أن ما نعيشه في المدرجات هو صدى لصراعات أقدم بكثير من اللعبة نفسها، نصبح أقدر على الاستمتاع باللعب دون أن نُستعبد له، وعلى الانتماء دون أن نُلغِي الآخر.
في النهاية، كرة القدم ليست مجرد لعبة تُلعب بالأقدام، بل سردية تُكتب في الوجدان الجمعي، حيث تلتقي الغريزة بالتاريخ، واللذة بالخوف، والانتماء بالوهم. والوعي بهذه السردية هو الخطوة الأولى نحو إنسانية أوسع، لا تنفي القبيلة، لكنها تتجاوز حدودها الضيقة.



#أحمد_زكرد (هاشتاغ)       Ahmed_Zakrad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافي ...
- تحوّلات العقل والعقلانية في الفلسفة المعاصرة
- اليوم العالمي للفلسفة 2025… حين يُعاد طرح الأسئلة التي تحدّد ...
- فيلم فرانكشتاين 2025: حين ينهض المخلوق شاهداً على خطايا الخا ...
- من التحليل النفسي إلى التحليل الوجودي : قراءة في فكر لودفيغ ...
- الوجود المشترك: قراءة فلسفية في فكر جان-لوك نانسي
- قراءة في فكر بيتر فيسل زابفه: مأساة الوعي وعبث الوجود
- الوجودية: بين الحرية والعزلة، والمعنى والعبث
- كتاب غسق الأفكار: رحلة في عوالم إميل سيوران الفلسفية
- الإنسان بين الحضور الوجودي والحضور الافتراضي نحو مساءلة فلسف ...
- إشكالية العلم والتقنية: من بدايات التفكير الفلسفي إلى تحديات ...
- مدرسة فرانكفورت: الأثر النقدي من النشأة إلى الامتداد المعاصر
- القضية الفلسطينية: مرآة الجرح الإنساني وصراع القوى الكونية
- فلسفة نيتشه عن المرأة
- أزمة القيم والتربية في عصر الإعلام الرقمي
- اليوم العالمي للمرأة: تأمل فلسفي في مسار النضال والعدالة وال ...
- الطبيعة والثقافة في ضوء فيلم LEnfant Sauvage: رحلة الإنسان م ...
- إشكالية الحب عبر التاريخ
- الريح التي حملت الأمل: قراءة في فيلم The Boy Who Harnessed t ...
- تأملات في مسيرة الإنسان وتحديات المستقبل من خلال كتاب العاقل ...


المزيد.....




- غرينلاند.. وزير خارجية الدنمارك: -هناك خطوط حمراء لا يمكن تج ...
- اتصال بين الشرع وترامب بشأن الأكراد و-داعش-.. وسوريا تعلن ال ...
- ترامب يهدد -سي بي إس-: انشروا المقابلة كاملة أو نلتقي في الم ...
- إسرائيل تدشن مستوطنة جديدة قرب بيت لحم لقطع التواصل الفلسطين ...
- ماذا بعد الاتفاق بين الرئاسة السورية و-قسد-؟
- الرقة تحت النار.. الجيش السوري يبدأ الحسم بعد فشل المفاوضات ...
- تايمز: المقاتلون الأجانب قنابل بشرية في أوكرانيا غيّرت وجه ا ...
- برافدا: ما معنى سيطرة أميركا على غرينلاند بالنسبة لروسيا؟
- دمج -قسد- تحت الاختبار.. ما أبرز التحديات والسيناريو الأقرب؟ ...
- اختطاف أكثر من 160 شخصا من كنيستين بولاية كادونا في شمال نيج ...


المزيد.....

- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد زكرد - من الملعب إلى القبيلة: كرة القدم والانفعال الجماعي في منظور سوسيولوجي