أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أحمد زكرد - الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافية العميقة














المزيد.....

الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافية العميقة


أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)


الحوار المتمدن-العدد: 8588 - 2026 / 1 / 15 - 22:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست العلاقة بين الأمازيغية والدارجة المغربية علاقةَ أصلٍ وفرع، ولا علاقةَ هيمنةٍ وخضوع، بل هي علاقة تشكُّلٍ تاريخي طويل، تشبه في بنيتها الجيولوجية طبقات الأرض: تراكمٌ بطيء، تداخلٌ صامت، ثم تماسكٌ يجعل الفصل بين الطبقات فعلاً نظرياً أكثر منه واقعياً. إن الدارجة المغربية، كما تُتداول في اليومي البسيط وفي السوق والبيت والشارع، ليست لغة “وسيطة” بين العربية الفصحى والأمازيغية، بل هي الذاكرة اللسانية الحية لمسار مغربي خاص، تشكّل خارج منطق النقاء اللغوي وداخل منطق التعايش الثقافي.
من هذا المنظور، يصبح تفكيك العلاقة بين الأمازيغية والدارجة عملاً إبستمولوجياً قبل أن يكون وصفاً لغوياً، لأنه يضعنا أمام سؤال مركزي: كيف تتكلم المجتمعات حين لا تفكّر في اللغة، بل تعيش بها؟
أول ما يلفت الانتباه في هذا المسار هو أن الدارجة لم تولد من قرار سياسي، ولا من مشروع لغوي واعٍ، بل من الاحتكاك اليومي بين الأمازيغية، باعتبارها لغة الأرض والذاكرة الأولى، والعربية، باعتبارها لغة الدين والإدارة والمعرفة المكتوبة. هذا الاحتكاك لم يكن صدامياً، بل تفاعلياً، ولذلك فإن ما يسميه محمد شفيق بـ “التوارد” (Convergence linguistique) يقدّم مفتاحاً تفسيرياً بالغ الأهمية: الدارجة ليست مجرد لهجة عربية “مُحرَّفة”، ولا أمازيغية “مُقنَّعة”، بل نظام لغوي تشكّل في منطقة التماس، حيث لا ينتصر أحد الطرفين، بل يعيدان معاً تشكيل لغة ثالثة.
ويتجلى هذا التوارد بوضوح في المعجم الدارجـي، حيث نجد مئات، بل آلاف الكلمات ذات الأصل الأمازيغي، لا باعتبارها بقايا أثرية، بل باعتبارها نواة الاستعمال اليومي: ألفاظ القرابة (بّا، يمّا، لالا)، ألفاظ الجسد والطعام والعمل والعلاقات الاجتماعية، وأدوات التعبير العاطفي والانفعالي. هنا لا تعمل الأمازيغية كـ“لغة مقتَرَضة”، بل كمنطق دلالي عميق يحدّد طريقة رؤية العالم وتسميته. فالدارجة لا تستعير الكلمة الأمازيغية فقط، بل تستعير معها الإيقاع، والصورة الذهنية، وأحياناً البنية التركيبية نفسها.
واللافت أن هذا الحضور الأمازيغي لا يقتصر على المعجم، بل يتسرّب إلى النطق (Phonétique) وإلى طرائق التشديد والتنغيم، بل وحتى إلى ما يمكن تسميته بـ“النحو الضمني” للدارجة. فبعض أساليب النفي، والاستفهام، والتوكيد، لا يمكن فهمها خارج الأفق الأمازيغي، حتى حين تُصاغ بألفاظ عربية. وهنا تظهر الدارجة كلغة تفكير قبل أن تكون لغة كلام.
أما على مستوى التسمية، فإن التردّد بين “الدّارجة” و“العرْبية” وTaɛrabt ليس مسألة لغوية بريئة، بل هو تعبير عن وعي اجتماعي متدرّج بالاختلاف بين اللغة المعيشة واللغة المدرسية. فحين يسمّي المتعلم لغته “دارجة”، فهو يعلن، ضمنياً، وعيه بالمسافة بينها وبين العربية الفصحى. وحين يسميها غير المتعلّم “العربية”، فهو لا يخطئ لغوياً، بل يعبّر عن منطق استعمالي يرى اللغة من حيث وظيفتها التواصلية لا من حيث تصنيفها العلمي.
من هنا، يبدو أن السؤال الحقيقي ليس: هل الدارجة عربية أم أمازيغية؟ بل: ماذا تكشف الدارجة عن التاريخ العميق للمجتمع المغربي؟ والجواب أن الدارجة تمثل شكلاً من الذاكرة الجماعية المنطوقة، ذاكرة لم تُكتب في المخطوطات، لكنها محفوظة في الألفاظ، وفي الأمثال، وفي نبرة الغضب والحنان والسخرية. إنها الأرشيف غير الرسمي للمغرب.
وإذا كانت بعض الخطابات الإيديولوجية تحاول اليوم فصل الأمازيغية عن الدارجة، أو استغلال العلاقة بينهما لأغراض هوياتية ضيقة، فإن التحليل اللساني والتاريخي يبيّن أن الفصل هنا تعسّف رمزي. فالأمازيغية لا تعيش فقط في معاهد البحث ولا في الاحتفالات الرسمية، بل تعيش، يومياً، في الدارجة نفسها. والدارجة، من جهتها، لا يمكن فهمها دون الاعتراف بجذرها الأمازيغي العميق.
هكذا، لا تبدو الدارجة المغربية مجرد لغة “بسيطة”، بل لغة مركّبة، ذكية، عنيدة، قاومت التبسيط القسري، واحتفظت بآثار التعدد في صميمها. إنها شهادة لغوية على أن المغرب لم يكن يوماً أحادياً، وأن وحدته لم تُبنَ على محو الاختلاف، بل على تحويله إلى نَفَسٍ مشترك.
وفي هذا المعنى، فإن الدفاع عن الأمازيغية لا يمر فقط عبر دسترتها أو تدريسها، بل أيضاً عبر إعادة الاعتبار للدارجة باعتبارها ابنة شرعية لهذا التاريخ المشترك، لا لغة هامش، ولا “فساد لسان”، بل صيغة مغربية أصيلة للتعبير عن العالم.



#أحمد_زكرد (هاشتاغ)       Ahmed_Zakrad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحوّلات العقل والعقلانية في الفلسفة المعاصرة
- اليوم العالمي للفلسفة 2025… حين يُعاد طرح الأسئلة التي تحدّد ...
- فيلم فرانكشتاين 2025: حين ينهض المخلوق شاهداً على خطايا الخا ...
- من التحليل النفسي إلى التحليل الوجودي : قراءة في فكر لودفيغ ...
- الوجود المشترك: قراءة فلسفية في فكر جان-لوك نانسي
- قراءة في فكر بيتر فيسل زابفه: مأساة الوعي وعبث الوجود
- الوجودية: بين الحرية والعزلة، والمعنى والعبث
- كتاب غسق الأفكار: رحلة في عوالم إميل سيوران الفلسفية
- الإنسان بين الحضور الوجودي والحضور الافتراضي نحو مساءلة فلسف ...
- إشكالية العلم والتقنية: من بدايات التفكير الفلسفي إلى تحديات ...
- مدرسة فرانكفورت: الأثر النقدي من النشأة إلى الامتداد المعاصر
- القضية الفلسطينية: مرآة الجرح الإنساني وصراع القوى الكونية
- فلسفة نيتشه عن المرأة
- أزمة القيم والتربية في عصر الإعلام الرقمي
- اليوم العالمي للمرأة: تأمل فلسفي في مسار النضال والعدالة وال ...
- الطبيعة والثقافة في ضوء فيلم LEnfant Sauvage: رحلة الإنسان م ...
- إشكالية الحب عبر التاريخ
- الريح التي حملت الأمل: قراءة في فيلم The Boy Who Harnessed t ...
- تأملات في مسيرة الإنسان وتحديات المستقبل من خلال كتاب العاقل ...
- إشكالية الرغبة والسعادة في عالم متغير: من خلال فيلم -Nomadla ...


المزيد.....




- انفجار كبير يهزّ وسط مدينة أوتريخت الهولندية: انهيار عدة مبا ...
- -خطوة في الاتجاه الصحيح-.. حماس تدعم تشكيل لجنة تكنوقراط في ...
- ما الدور الذي يلعبه -الموساد- في اضطرابات إيران؟
- كحل العيون... كيف صمد هذا التراث لآلاف السنين؟
- كلمة -انتفاضة- تقود ناشطا فرنسيا إلى المحاكمة
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مسؤولين أميركيين: ترامب طلب تجهيز ...
- إثيوبيا تصادر آلاف الطلقات وتتهم إريتريا بتسليح متمردين في أ ...
- وزير باكستاني: ترتيبات جارية لاتفاق دفاعي مع السعودية وتركيا ...
- أرعدت الامبريالية الأمريكية في كاراكاس فهل تزبد في طهران؟
- مسؤول خليجي لـCNN: أربع دول عربية ساعدت في خفض التوتر بين أم ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - أحمد زكرد - الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافية العميقة