أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد زكرد - كأس العالم بين شغف الرياضة وصناعة الإلهاء














المزيد.....

كأس العالم بين شغف الرياضة وصناعة الإلهاء


أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)


الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 22:17
المحور: المجتمع المدني
    


كأس العالم بين شغف الرياضة وصناعة الإلهاء

لا يُعدّ كأس العالم مجرد تظاهرة رياضية تجمع المنتخبات الوطنية في منافسة كروية، بل أصبح حدثًا كونيًا يكشف الكثير من الحقائق المتعلقة بالنفس الإنسانية، وآليات اشتغال الجماهير، ودور الإعلام والسياسة في توجيه الوعي الجماعي. فخلف الأعلام المرفوعة والهتافات الصاخبة والانفعالات المتدفقة، تتخفى رهانات نفسية وسياسية وثقافية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر.

لقد بيّن علم النفس الاجتماعي أن الجماهير عندما تنخرط في حشد كبير تفقد جزءًا من فرديتها، وتذوب داخل هوية جماعية تمنحها شعورًا بالقوة والانتماء. وهذا ما أشار إليه عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون (Gustave Le Bon) في كتابه «سيكولوجية الجماهير» (Psychologie des foules)، حيث اعتبر أن الفرد داخل الجماعة يصبح أكثر اندفاعًا، وأقل خضوعًا للعقل النقدي، وأكثر قابلية للتأثر بالشعارات والعواطف.

خلال كأس العالم تتحول كرة القدم إلى فضاء لإنتاج هويات متصارعة؛ فالفوز لا يعود مجرد انتصار رياضي، بل يصبح انتصارًا للكرامة الوطنية، في حين يُنظر إلى الهزيمة أحيانًا كجرح للهوية الجماعية. ومن هنا تنشأ أشكال من التعصب الرياضي الذي يتحول، في بعض الحالات، إلى حقد وكراهية متبادلة بين الشعوب والجماهير.

وتلعب وسائل الإعلام دورًا مركزيًا في هذه العملية. فبدل أن تكتفي بنقل الوقائع الرياضية، تعمل بعض المنابر الإعلامية على صناعة السرديات العدائية، وتضخيم الخلافات، وتأجيج المشاعر القومية والعداوات التاريخية، لأن الإثارة والصراع يضمنان نسب مشاهدة مرتفعة ويصنعان جمهورًا أكثر انفعالًا وأقل قدرة على التفكير النقدي. وهكذا يتحول الإعلام من وسيلة للإخبار إلى آلة لإنتاج الانفعالات الجماعية وتوجيهها.

إن خطاب الكراهية الذي ينتشر في بعض المنصات الإعلامية والرقمية لا ينشأ من فراغ، بل يُبنى على استثمار المشاعر البدائية لدى الإنسان: الخوف، والانتماء، والرغبة في الانتصار، والحاجة إلى وجود "عدو" يمنح الجماعة تماسكها الداخلي. لذلك نلاحظ كيف تتحول المنافسة الرياضية أحيانًا إلى صراع رمزي بين الأمم، تُستدعى فيه الصور النمطية والأحكام المسبقة، ويُستثمر فيه التاريخ والسياسة والهوية.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة كأس العالم في ضوء مفهوم "سياسة الإلهاء" (Politique de distraction). فقد أشار عدد من المفكرين إلى أن الأنظمة السياسية ودوائر النفوذ تدرك جيدًا قوة الرياضة في استقطاب الجماهير وتوجيه اهتمامها. ففي لحظات الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، يصبح الحدث الرياضي الكبير مناسبة لتحويل انتباه الناس عن قضاياهم الأساسية، وإغراقهم في تفاصيل المباريات والنتائج والانتصارات الرمزية.

ولا يعني ذلك أن كرة القدم في ذاتها أداة للتضليل أو الإلهاء، فهي رياضة قادرة على نشر قيم التضامن والتنافس الشريف والفرح الجماعي، غير أن المشكلة تظهر عندما تُستغل هذه الشغف الإنساني في توجيه الرأي العام، أو في تأجيج الكراهية بين الشعوب، أو في حجب النقاشات المرتبطة بقضايا العدالة والحرية والتنمية.

إن كأس العالم يكشف في النهاية عن مفارقة عميقة: فهو من جهة احتفال إنساني يوحد الملايين حول شغف مشترك، ومن جهة أخرى مرآة تعكس هشاشة الوعي الجماعي وقابلية الجماهير للتأثر بالدعاية الإعلامية والتوظيف السياسي. ولذلك تبقى الحاجة ملحة إلى بناء ثقافة رياضية قائمة على العقل والنقد والتسامح، حتى تظل الرياضة فضاءً للفرح الإنساني لا ساحة لإنتاج الكراهية أو وسيلة لتغييب الوعي.

فالانتصار الحقيقي لا يتحقق برفع الكأس فقط، بل يتحقق أيضًا عندما تنتصر قيم العقل على التعصب، وقيم الإنسانية على الكراهية، وقيم الوعي على الإلهاء.



#أحمد_زكرد (هاشتاغ)       Ahmed_Zakrad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في تحولات المسألة الطبقية: من اغتراب العامل إلى اغتراب الإنس ...
- صعاليك العرب والاشتراكية الفطرية
- من الملعب إلى القبيلة: كرة القدم والانفعال الجماعي في منظور ...
- الأمازيغية والدارجة : من التعايش اللساني إلى الذاكرة الثقافي ...
- تحوّلات العقل والعقلانية في الفلسفة المعاصرة
- اليوم العالمي للفلسفة 2025… حين يُعاد طرح الأسئلة التي تحدّد ...
- فيلم فرانكشتاين 2025: حين ينهض المخلوق شاهداً على خطايا الخا ...
- من التحليل النفسي إلى التحليل الوجودي : قراءة في فكر لودفيغ ...
- الوجود المشترك: قراءة فلسفية في فكر جان-لوك نانسي
- قراءة في فكر بيتر فيسل زابفه: مأساة الوعي وعبث الوجود
- الوجودية: بين الحرية والعزلة، والمعنى والعبث
- كتاب غسق الأفكار: رحلة في عوالم إميل سيوران الفلسفية
- الإنسان بين الحضور الوجودي والحضور الافتراضي نحو مساءلة فلسف ...
- إشكالية العلم والتقنية: من بدايات التفكير الفلسفي إلى تحديات ...
- مدرسة فرانكفورت: الأثر النقدي من النشأة إلى الامتداد المعاصر
- القضية الفلسطينية: مرآة الجرح الإنساني وصراع القوى الكونية
- فلسفة نيتشه عن المرأة
- أزمة القيم والتربية في عصر الإعلام الرقمي
- اليوم العالمي للمرأة: تأمل فلسفي في مسار النضال والعدالة وال ...
- الطبيعة والثقافة في ضوء فيلم LEnfant Sauvage: رحلة الإنسان م ...


المزيد.....




- مصادر تكشف لـ”الحرة” حجم المضبوطات في حملة مكافحة الفساد في ...
- إصابات واعتقالات في هجوم للمستوطنين على قرية التبنة بالقدس ا ...
- خفايا -أرنك- على الجزيرة.. كيف حولت فرنسا مستودعا إلى سجن سر ...
- إصابة فلسطينيين اثنين واعتقال 4 آخرين في هجوم لمستوطنين بالق ...
- ميدفيديف: الإجراءات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران تتعارض م ...
- هكذا يستخدم اليمين الألماني المتطرف الذكاء الاصطناعي لشيطنة ...
- مئات أحكام الإعدام والمؤبد في أكبر حملة ضد المخدرات
- ممداني: هوية الولايات المتحدة تتشكل باستمرار عبر المهاجرين إ ...
- دمشق تعلن اعتقال أحد أبرز ضباط النظام السابق وتكشف علاقته بـ ...
- الأمم المتحدة تحذر من كارثة جديدة تتكشف في مدينة الأبيض السو ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - أحمد زكرد - كأس العالم بين شغف الرياضة وصناعة الإلهاء