أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)














المزيد.....

في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)


حسن الشرع

الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 13:48
المحور: قضايا ثقافية
    


في سيولة المفهوم واختطاف رأس المال الرمزي
توطئة: نتبادل الان في مسرح الأشكال وغياب المضامين.. فإذا كان الجزء الأول قد كشف عن أوهام المفهوم وضبابيته بين أزقة شارع المتنبي ورشفات العصير السريالية، فإن الشاخص الأشد إيلاماً في واقعنا المعاصر لا يقف عند حدود التبسيط أو التسطيح العابر، بل يتعداه إلى تحول الثقافة نفسها إلى "مسرح أشكال" تفارقت فيه مظاهر الممارسة عن كينونة الوعي.
لقد أدى اقتحام العصر الرقمي وتدفق السيولة المعرفية إلى تجريد المفهوم من صلابته التاريخية والأخلاقية؛ فصار بإمكان أيّ كان أن يرتدي "عباءة الثقافة" كمادة للاستهلاك السريع، أو كـ "قناع زائف" يُعرض على منصات التواصل طلباً للاعتبار الشكلي. ومن هذه الفجوة الحادة بين الحقيقة والادعاء، ينفتح هذا الجزء لتفكيك تناقضات الثقافة في سيولتها، وتتبع مسار تسليعها، وتشريح ظاهرة أدعياء الفكر الذين ينهبون رمزيّتها دون دفع ثمنها المعرفي والأخلاقي.
حركية المفهوم: السيولة والتحول عبر أبعاد الزمان والمكان
تتفلت الثقافة من القوالب المغلقة لتؤكد حقيقتها كـ مفهومٍ زمنيٍّ مكانيٍّ دائم الحركة، ينفي الثبات والتحجر؛ فالأفكار والأعراف والقيم التي شكلت أعمدة الثقافة في عصر ما، قد تغدو في عصر تالٍ مجرد حفريات تاريخية لا روح فيها. إن الثقافة كائن حي يستمد وجوده من القدرة على التكيّف، والتجدد الذاتي عبر التراكم المعرفي والتفاعل والتلاقح مع الآخر.
ومع طغيان الفضاء الرقمي وعصر السيولة، تسارعت حركية المفهوم حتى ألغيت الحدود الجغرافية الصلبة، وأضحت الثقافات تتقاطع في لحظات خاطفة؛ مما جعل الثقافة تعيش حالة إعادة تشكل مستمرة يمارس فيها الوعي الإنساني تجدداً دائمًا يرفض الانحباس في النماذج الجاهزة.
صراع المتخيلات: بين المفهوم النخبوي والتسليع الاستهلاكي
ينتج عن هذه السيولة التاريخية والجغرافية تناقضات جليّة في كيفية تمثّل المفهوم وممارسته داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات:
1. التناقض بين المفهوم النخبوي والأنثروبولوجي:
يميل التصور النخبوي الضيق إلى اختزال الثقافة في تحصيل الأدب والفنون الرفيعة وإتقان الجدل الفلسفي المجرّد، مما يجعلها امتيازاً طبائعياً لفئة محددة.
بينما يراها التصور الأنثروبولوجي الشامل بوصفها "كل المركب" الذي يضم العادات، والتقاليد، والقوانين، والممارسات اليومية التي تشكل نهج عيش المجتمع ككل.
2. التناقض بين المعنى التنويري و"الصناعة الاستهلاكية": تتجلى في العالم المعاصر أزمة حادة حين تُنتزع الثقافة من غايتها التنويرية لتُمارس كـ "صناعة استهلاكية"؛ حيث تُحوَّل المنتجات الفكرية والفنية إلى سلع تبادلية تخضع لقوانين السوق، والرواج السريع، والمردود المادي، في تناقض صريح مع دورها الأصيل في التحرير وبناء الوعي النقدي.
أقنعة الادعاء: أشباه المثقفين واختطاف "رأس المال الرمزي"
في مقابل الفعل الثقافي الأصيل الذي يتسم بالتواضع والمسؤولية، تبرز على الدوام ظاهرة "أدعياء الثقافة" أو "أشباه المثقفين"؛ أولئك الذين يصنعون لأنفسهم أقنعة من الزيف يتخذون فيها من الفكر والرموز سواتر للتمويه للوصول إلى مكاسب اعتبارية، أو وجاهة مجتمعية، أو مواقع نفوذ.
يُسقط الأدعياء جوهر الثقافة المتمثل في الوعي والتواضع والأخلاق، ليستعيضوا عنه بالشكلية والتأنق اللفظي، وإقحام أسماء الفلاسفة والمصطلحات المعقدة في غير موضعها لإرهاب القارئ أو المستمع. إنهم يمارسون ما أسماه عالم الاجتماع بيير بورديو السعي وراء "رأس المال الرمزي" للتمتع بالهيبة الاجتماعية وسلطة التوجيه دون دفع ثمنها المعرفي والأخلاقي، مما يؤدي في النهاية إلى تسطيح الخطاب الفكري، وزعزعة ثقة المجتمع في المعرفة الحقيقية.
مأزق المعرفة وإشكالية ما بعد التخصص
إن خطورة أدعياء الثقافة وتسليع الفكر لا تقف عند حدود الشكليات والافتنان اللفظي، بل تمتد لتصدمنا بـ إشكالية "ما بعد التخصص"؛ حيث نرى العالم اليوم حافلاً بـ "الخبراء" والتقنيين من أعلى الطرازات: من أكاديميٍّ متبحرٍ في الهندسة الإقليدية وصياغة الفضاءات الرياضية، إلى عالمٍ متعمقٍ في الاحتباس الحراري ومعادلات المناخ، أو رائد فضاء يسبح في المدارات النجمية الدقيقة. بيد أن السؤال الفلسفي المؤرق يظل قائماً: هل تجعل هذه الذروة التخصصية من صاحبها "مثقفاً" بالضرورة؟
إن التخصص الدقيق -مهما بلغت رفعة درجاته- يظل حبيس "الكيف والوسيلة"، ما لم ينفكّ صاحبه عن شرنقته التقنية ليرتبط بـ "الغاية والشرط الإنساني". إن المثقف لا يولد من صلب الأجهزة والأرقام والمجردات، بل يبدأ حين يتجاوز المختص حدوده الضيقة ليشتبك مع أسئلة الأخلاق، والعدالة، ومصير الوجود الإنساني على هذا الكوكب.
في الجزء الثالث والأخير: الوعي الطبيعي في مواجهة الخوارزمية
كيف يتحول عالم المناخ، أو رائد الفضاء، أو الطبيب الجراح من مجرد "تقني رفيع" إلى مثقف يُسائل الوجود الإنساني؟ وكيف تتجلى هذه القفزة الميدانية في تجارب فكرية فارقة (من طه حسين وعلي الوردي إلى إدوارد سعيد)؟ سنخوض في الجزء القادم رحلة تفكيك تحولات دور المثقف عبر التاريخ، لنصل إلى التحدي الأكبر: في عصر الذكاء الاصطناعي وسيادة الخوارزمية، هل ينتهي دور الوعي البشري أم يبدأ عصره الحقيقي؟



#حسن_الشرع (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في كينونة الثقافة وما بعد التخصص ( 1)
- أيلول.. الدور الثالث والغش العلني
- البوهيمية (6): نقد المسلك ومآلات التمرد
- البوهيمية (5): عرائس الضوء وصعاليك النغمة والقصيدة والخشبة
- البوهيمية (4): ثوار العرش وشهداء الموقف
- البوهيمية (3) صلاة خارج المعبد
- البوهيمية (2) شويخ من ارض مكناس..
- البوهيمية (1)
- نظرة في نظرية الفساد
- الفكر وغاية يعقوب
- حمى التعليم الطبي بين النزعةةالاجتماعية والرغبة الحكومية
- المقامة المونغولية
- باب الدروازة (3) يحكي!
- باب الدروازة (3)
- باب الدروازة (2)
- باب الدروازة (1)
- أفكار نايلون
- مواسم فيسبوكية
- ثقافة المتنبي
- الحزام والطريق من ماو إلى الفاو


المزيد.....




- تقرير: شاحنة تموين وطائرة عسكرية.. كيف نفّذ ترامب عملية تموي ...
- ترامب قال إن مضيق هرمز -مفتوح-.. إلى ماذا تشير بيانات الشحن؟ ...
- عون: المفاوضات تتقدم ولن نسمح لإسرائيل بالبقاء في أي شبر من ...
- مصدر: جولة مفاوضات جديدة بين بيروت وتل أبيب في سبتمبر
- عراقجي يروي فصول -النصر الشامل- لإيران في حربها ضد الولايات ...
- الدفاع الروسية: تحرير بلدتين في خاركوف وزابوروجيه (فيديو)
- عبدالسلام: عملياتنا ضد السعودية رد مشروع على الاعتداءات ونتم ...
- إيران تكشف عبر RT شروط فتح مضيق هرمز.. وماذا طلبت من واشنطن؟ ...
- صاروخ روسي مضاد للدبابات يتحول إلى سلاح لاعتراض المسيّرات
- -لونا-24-.. عندما حفرت روسيا في جبين القمر وكشفت سرَّ الماء ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حسن الشرع - في كينونة الثقافة وما بعد التخصص(2)