أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-















المزيد.....

أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 22:50
المحور: الادب والفن
    


يقول مايكل رادفورد عن فيلمه "تاجر البندقية" إنه لا يتناول العداء لليهودية بوصفه موضوعاً تاريخياً مغلقاً، إنما يقارب المسألة من منظور حديث، مستنداً إلى قدرة شكسبير على إنتاج نصوص تتجاوز زمنها وتظل قابلة لإغراءات إعادة القراءة في سياقات أخلاقية وسياسية مختلفة.
وتكمن قوة النص الشكسبيري في قابليته الدائمة للتأويل، وفي كشفه المبكر للآليات التي تُنتج صورة الآخر. فالمسرحية لا تكتفي بعرض صراع ديني أو قانوني، بل تكشف بنية من بنيات الاستعلاء الأوروبي التي تمنح الذات المهيمنة حق تعريف القيم، وتضع الآخر أمام اختبار دائم لإثبات أهليته للانتماء.
وحين تضع بورشيا شايلوك أمام خيار مصادرة ثروته وفقدان مكانته أو التخلي عن دينه*، فإن المشهد يتجاوز وظيفته الدرامية ليكشف منطقاً تاريخياً أوسع، تصبح فيه كرامة الفرد رهناً بمدى استعداده للامتثال لمنظومة قيم تفرضها السلطة المهيمنة. فالقبول يغدو شرطاً للاعتراف، والرفض سبباً للعقاب. ومن ثم لا يعود الأمر مجرد معادلة دينية، وإنما بنية سلطة تكررت في تجارب متعددة من التاريخ الأوروبي.
لم يتوقف الاستعلاء عند لحظة الشعور بالتفوق، لكنه تحور ليصبح بنية معرفية وأخلاقية ادعت احتكار تعريف الإنسانية نفسها. فمنذ العصر الاستعماري، حين أخضعت القوى الأوروبية الشعوب عسكرياً، نصّبت نفسها مرجعاً لتحديد من هو "المتحضر"، ومن يستحق الحقوق، ومن يحتاج إلى الإصلاح أو الوصاية. لذلك لم ينفصل العنف الاستعماري عن السرديات التي سبقته، فاستند إليها واستمد منها شرعيته.
ومن هذا المنظور، لا تبدو "تاجر البندقية" مجرد نص عن العلاقة بين اليهود والمسيحيين في أوروبا، وإنما مرآة لبنية ذهنية ستجد لاحقاً امتداداتها في الممارسة الاستعمارية. فحين تمنح سلطة ما نفسها حق تعريف العدالة نيابة عن الآخرين، يصبح الانتقال من المجال الأخلاقي إلى المجال السياسي أمراً طبيعياً.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة وعد بلفور بوصفه مثالاً على هذا النمط من التفكير السياسي**. فوثيقة العام 1917، وإن جاءت في صورة إعلان دبلوماسي، حملت تصوراً استعمارياً منح قوة خارجية حق الوعد بأرض يسكنها شعب آخر، مع التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم "الجماعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين" التي ينبغي ضمان حقوقها، دون أدنى اعتبار لحقوقهم السياسية الأصيلة في تقرير مصيرهم. هنا يظهر منطق التراتب الاستعماري في أوضح صوره: الاعتراف بوجود الآخر، مع تجريده من موقع الفاعل التاريخي. وإذن، لا تكمن الصلة بين "تاجر البندقية" ووعد بلفور في وجود تطابق تاريخي بين الحدثين، بل في استمرار بنية ذهنية واحدة: سلطة مهيمنة تعرّف شروط العدالة، وتمنح الآخرين حقوقاً ضمن الحدود التي ترسمها هي، بينما يبقى حقهم في تعريف مصيرهم موضع إنكار أو تأجيل.
فالنص الشكسبيري، بهذا المعنى، لا يقتصر على كشف تناقضات الضمير الأوروبي، فهو يعري آلية أعمق في صناعة السرد؛ آلية تنتج "الآخر" بوصفه موضوعاً للتصنيف والوصاية والإخضاع، ثم تمنح هذا الترتيب الهرمي مشروعية أخلاقية باسم الحضارة أو القانون أو الضرورة التاريخية. ومن هنا لا يعود السؤال متعلقاً بواقعة تاريخية بعينها، بل بالطريقة التي تنتج بها السرديات الثقافية والقانونية أنماطاً من السلطة تجعل بعض البشر في حاجة دائمة إلى الاعتراف بإنسانيتهم.
تكشف المسرحية، بهذا المعنى، آلية أعمق في صناعة الآخر؛ فالمسألة وإن تعلقت بصورة اليهودي في المخيال الأوروبي، إلا أنها ارتبطت أيضاً بالطريقة التي تنتج بها السلطة تصنيفات تجعل بعض البشر في موقع دائم من الاختبار الأخلاقي. وهذا يستدعي مفهوم "الإنسان الحرام" Homo Sacer عند جورجيو أغامبين***، لفهم الكيفية التي قد يُدفع بها الفرد أو الجماعة إلى منطقة قانونية وأخلاقية ملتبسة: حاضر داخل النظام، لكنه محروم من المساواة الكاملة في الحماية والاعتراف، مع الأخذ في الاعتبار أن شايلوك لا يجسد هذا المفهوم حرفياً، وإنما يساعد على فهمه. وفي هذه المنطقة تتشكل شخصية "الآخر الخاضع"، حيث يجري التعامل مع المختلف كموضوع للتقويم والتصحيح والإخضاع بعكس المؤتلف الذي يكون شريكاً كاملاً في المجال الأخلاقي . وهنا يظهر أحد أخطر أوجه الاستعلاء الأوروبي، أي إنتاج معرفة تحدد من يملك حق تعريف الإنسانية، ومن يُطلب منه إثباتها وفق معايير لم يشارك في صياغتها.
فنحن إذن أمام نافذة نطل من خلالها على آلية أوسع تكشف قدرة السرديات الثقافية والقانونيةعلى إنتاج تراتبية بين البشر، تضفي بها شرعية أخلاقية تبدو في ظاهرها محايدة، بينما تخفي علاقات قوة غير متكافئة. ولا يعود جوهر المشكلة متعلقاً برواية واحدة أو بموقف سياسي منفرد، وإنما نراه ينساح في نمط معرفي يسمح للضمير المهيمن بتعريف العدالة وفق مقاييسه الخاصة، ثم يطالب الضحية بإثبات إنسانيتها قبل الاعتراف بحقوقها.
إن عدم حيادية المعرفة بوصفها أداة تمنح عملية الإقصاء شرعية أخلاقية، وتجعل نزع الحقوق يبدو دفاعاً عن النظام أو الحضارة أو التقدم، يجعلها تصنف الجماعات ضمن مراتب حضارية ليست على سوية واحدة.
ولهذا يظل السؤال الذي تطرحه المسرحية قائماً: هل يمكن المطالبة بالعدالة بلغة صاغتها منظومات الهيمنة، أم تقتضي مقاومة الظلم ابتكار لغة أخلاقية جديدة لا تعيد إنتاج منطق الإقصاء الذي تتصدى له؟
في النهاية، تكشف "تاجر البندقية" (المسرحية والفيلم معاً) أن السرديات الثقافية لا تعمل في اتجاه واحد؛ فقد تُستخدم لتبرير علاقات القوة، وقد تتحول في ذات الوقت إلى أداة لكشفها ونقدها. لكن اللحظة الحاسمة تبدأ عندما تصبح إنسانية الضحية موضع امتحان، وعندما تُربط العدالة بمدى تمثلها لقيم الجماعة المهيمنة. عندها لا يعود السؤال متعلقاً بمن يستحق العدالة فحسب، بل بمن يملك سلطة تعريفها.
..............
* لا يصح اختزال شايلوك إلى مجرد "ضحية" بالمعنى الحديث. فقد رسم شكسبير شخصية مركبة في سياق أوروبي كانت صورة اليهودي فيه محكومة بتوترات دينية واجتماعية، لكنه منحها في الوقت عينه مساحة خطابية نادرة، ولا سيما في خطابه الشهير: "أليس لليهودي عينان؟"، الذي يقلب منطق التجريد ويكشف آلية صناعة الآخر. ورغم ذلك، يخضع في النهاية للإذلال والإكراه على التحول الديني، بديلاً عن تحريره من هذا التصنيف. ومن ثم يمكن قراءة المسرحية من منظور كشف العنف الأخلاقي الكامن في هذا النظام أكثر من كونها تعيد إنتاجه.
** لا تقوم المقارنة هنا على افتراض وجود تطابق تاريخي بين محاكمة شايلوك ووعد بلفور، ولا على وجود علاقة سببية بينهما، بل على وجود بنية ذهنية مشتركة. ففي الحالتين تمنح سلطة مهيمنة نفسها حق تعريف شروط العدالة والاعتراف، وتضع الآخر أمام خيارات لا يشارك في صياغتها. والمقارنة، بهذا المعنى، مقارنة في أنماط التفكير السياسي والأخلاقي، لا في الوقائع التاريخية.
*** يترجم بعض الباحثين مصطلح Homo Sacer إلى "الإنسان المستباح"، وهو أقرب إلى مدلوله عند جورجيو أغامبين من ترجمة "الآخر الخاضع". ويقصد به الشخص الذي يُستبعد من النظامين السياسي والقانوني مع بقائه خاضعاً لسلطتهما، بحيث يصبح قابلاً للقتل من دون أن يُعامل مقتله بوصفه جريمة بالمعنى القانوني. لذلك يُستخدم المفهوم هنا بوصفه إطاراً تفسيرياً لفهم آليات الاستبعاد، لا باعتبار شايلوك مثالاً مطابقاً له.



#محمود_الصباغ (هاشتاغ)       Mahmoud_Al_Sabbagh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عن الطوفان وأشياء أخرى (66)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (65)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (64)
- لوبي إسرائيل والسياسة الخارجية الأميركية
- شتاء تورينو: المشهد الأخير
- قراءة في كتاب أنبياء مزيفون، مفهوم العبث في أعمال كامو وديست ...
- تأملات في اللاعنف
- حقيقة اكتشاف إيلات مزار لقصر الملك داود.
- علم الآثار تحت الحكم العسكري: الأثر والتراث أدوات سيادة استي ...
- السلام الإبراهيمي: لاهوت السردية الجيوسياسية
- كيف يعيد المشفى صياغة الإنسان الحديث؟ تأملات في الرعاية والض ...
- إيران في مرآة النماذج: من النقاش السياسي إلى إلغاء الموقف ال ...
- عن الطوفان وأشياء أخرى (63)
- الأفعى. قصة قصيرة
- عن الطوفان واشياء أخرى (62)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (61)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (60)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (58)
- عن الطوفان وأشياء أخرى (59)
- السيدة صاحبة النزل


المزيد.....




- بعد 3 عقود من الغموض.. انطلاق محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل ...
- مسبح وشلال وقاعة سينما.. هكذا يعيش لامين جمال في قصره الفاخر ...
- لاس فيغاس: بدء محاكمة زعيم عصابة سابق متهم بتدبير مقتل مغني ...
- 8 غرف و6 حمامات وسينما.. تفاصيل فيلا محمد صلاح في طرابزون
- الفيلم الذي تنتظره قد يدمرك رقميا.. قراصنة يستغلون هوس -أودي ...
- راغب علامة يعود إلى دمشق بعد 15 عاماً.. زيارة تفتح باب الحفل ...
- من رسائل الغربة إلى قصائد غزة.. محطات في حياة الشاعر أحمد بخ ...
- ترقب بدء محاكمة المتهم بتدبير عملية قتل مغني الراب توباك شاك ...
- توصيات المدونين ترفع الطلب على كتب جان بول سارتر في روسيا
- من ميخائيلوفسكوي إلى موسكو.. معرض يستعيد عالم بوشكين بأكثر م ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمود الصباغ - أخلاق الهيمنة وصنع الآخر:خفايا -تاجر البندقية-