أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء















المزيد.....

الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء


ثامر الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 12:16
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


إن قوانين النمو في الحياة لا تقبل الاستعجال؛ فكل شيء عظيم يولد صغيراً، ثم ينمو في صمت وهدوء حتى يبلغ تمامه، وما ينطبق على الطبيعة ينطبق على بناء النفس الإنسانية.
حينما يودع الفلاح بذرته في جوف الثرى، فإنه لا يقف في صبيحة اليوم التالي متفحصاً الأغصان بحثاً عن الثمار. إنه يدرك، بيقين العارف، أن للحياة سنناً راسخة لا يمكن اختصارها. فالبداية تكون ببذرة تتوارى في الظلام، تليها جذور تعمل في الخفاء، ثم ساق تتحدى قسوة التراب لتشقه، وصولاً إلى الأغصان والأوراق، حتى يحين قطاف الثمر بعد انقضاء الزمن المقدّر له. ولو سولت لأحد نفسه أن يقفز فوق هذه المراحل، طامعاً في قطف الثمرة من البذرة مباشرة، فلن يحصد سوى الخيبة والسراب.

الهداية في الرؤية القرآنية: مسار يتجدد
لعل هذه الصورة المستمدة من قلب الطبيعة تمثل أحد أروع المفاتيح لفهم فلسفة "الهداية" في النسق القرآني. يقع الكثيرون في فخ التصور الساذج الذي يحصر الهداية في حدث دراماتيكي يقع في لحظة زمنية خاطفة، وكأنها باب يُفتح لمرة واحدة ثم تنتهي القصة. غير أن القرآن الكريم يرسم لوحة مغايرة تماماً؛ إذ يقدم الهداية بوصفها عملية بناء تراكمية ومستمرة، تنمو كما تضرب الشجرة بجذورها في الأرض، وتتوهج كما يزداد النور سطوعاً، وتتطلب رعاية حثيثة لا تنقطع حتى تبلغ أوج كمالها.

ولهذا السبب، لا يصف القرآن المهتدين بأنهم قد بلغوا خط النهاية واستراحوا، بل يؤكد صراحة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾. ( مريم :76 ) فلو كانت الهداية حالة ناجزة ومكتملة منذ الوهلة الأولى، لانتفى المعنى من مفهوم "الزيادة". إن توظيف الفعل المضارع "يزيد" يشي بحقيقة ساطعة: الهداية ليست محطة وصول نهائية، بل هي طريق رحب ومفتوح يتجدد عطاؤه في كل مرحلة من مراحل العمر.


من المعرفة إلى السلوك: متوالية التقوى
يتعمق هذا المعنى القرآني ويتأكد في موضع آخر بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾. ( محمد: 17 ) فالهدى هنا يتجاوز حدود المعرفة الذهنية الباردة ليثمر "التقوى"، والتي هي في جوهرها سلوك حي وممارسة يومية، وليست مجرد فكرة مجردة.

يؤسس القرآن هنا لسلسلة متصلة الحلقات:


• تبدأ بـ المعرفة. تتحول إلى يقين. تترجم إلى عمل. ترتقي إلى خُلق. تتوج بـ استقامة راسخة.

لا توجد قفزة سحرية تطوي هذه المراحل المتشابكة، تماماً كما لا توجد شجرة تثمر في يوم غرسها.

دلالات اللغة: المسافة بين القول والاستقامة
من أبلغ الشواهد القرآنية التي تضيء على مبدأ التدرج، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾. ( فصلت :30 ) قد تبدو كلمة "ثُمّ" عابرة في ظاهرها، لكنها تكتنز دلالات نفسية وزمنية عميقة. ففي لسان العرب، تفيد "ثم" الترتيب مع التراخي، مما يعني أن بين لحظة "القول" (إعلان الإيمان) و"الاستقامة" (الثبات على المبدأ) مسافة زمنية ممتدة؛ تتخللها تجارب تُعاش، وامتحانات قاسية تُخاض، ولحظات ضعف قد تشهد سقوطاً، يعقبها نهوض وإصرار يتكرر، حتى تستقر النفس وتطمئن على مسارها.
لو كان إعلان الإيمان هو نقطة المنتهى، لاكتفى النص القرآني بـ "إن الذين قالوا ربنا الله". لكن إضافة "ثم استقاموا" جاءت لتؤكد أن معيار الإيمان الحقيقي لا يكمن في حماسة البدايات، بل في القدرة على الصمود ومواصلة المسير.
وهذا ما يفسر وصف القرآن للمؤمنين عند تفاعلهم مع النص الخالد: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾. فالآيات لا تستنفد أثرها في قراءة واحدة، بل تعود مع كل تلاوة لتضع لبنة جديدة في صرح الإيمان. ومن هنا يُفهم السر وراء عدم شعور القارئ الصادق بالملل؛ فهو لا يقرأ الكتاب ذاته فحسب، بل يقرأه في كل مرة بعقل أنضج، وتجربة أعمق، وتساؤلات أحدث، ليكتشف من آفاق الهداية ما كان خافياً عنه.


شجرة الإيمان: جدلية النمو والانتكاس
يضرب القرآن مثلاً عبقرياً لهذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. ( إبراهيم 24 -25 ) فالإيمان ليس حجراً أصم، بل هو كائن حي. وككل حي، لا ينمو دفعة واحدة ولا يعطي ثمره في موسم يتيم، بل يجدد دورة حياته، ويجود بعطائه كلما ضربت جذوره في أعماق اليقين.

هذا التشبيه البليغ يدعونا لإعادة هيكلة أسئلتنا الوجودية. فبدل التساؤل الحدي: "هل اهتديت أم لا؟"، ينبغي أن نسأل: "في أي مرحلة من مراحل النمو أنا أقف اليوم؟". الهداية ليست ثنائية صفرية (وجود أو عدم)، بل هي درجات ومقامات؛ يتقدم فيها المرء تارة، ويتباطأ أو يتعثر تارة أخرى، لكنه يبقى قادراً على النهوض ومتابعة الطريق.

ولأن المنهج القرآني يتسم بالواقعية التامة، فإنه لا ينفي احتمالية التراجع، بل يصورها بجلاء حين يتحدث عن قوم: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾.( الأنبياء: 65 ) فكما أن ارتقاء سلم النمو متاح، فإن الانتكاس وارد. غير أن هذه الحقيقة ليست دعوة لليأس، بل هي جرس إنذار لليقظة. فالشجرة المهملة تذبل، والنفس المحرومة من زادها الإيماني تضعف، لكن أبواب الأمل تظل مشرعة ما دام الأصل حياً لم يمت.

التحرر من الأوهام: الغرور واليأس
من قلب هذا المنهج القرآني، تتجلى حكمة نفسية بالغة الأهمية؛ إذ تعمل على تحرير العقل الإنساني من سجن وهمين متناقضين يهددان مسيرته:

• وهم الغرور: ويحدث حين يتوهم المرء أن خطوة البداية هي خط النهاية، فيعتقد أن رصيده من الأعمال يكفيه ليطوي بقية عمره، ويتوقف عن السعي ظناً منه أنه أدرك الكمال. هنا يتدخل القرآن ليصحح البوصلة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾؛ فما دامت الزيادة ممكنة ومفتوحة، فلا أحد يمكنه ادعاء الوصول إلى النهاية.
• وهم اليأس: ويصيب الإنسان حين تزل قدمه أو يضعف، فيخيل إليه أن صرحه قد انهار تماماً، وأن أبواب السماء قد أوصدت في وجهه. غير أن القرآن لا يقدم الهداية كلوح زجاجي يتهشم بلا رجعة، بل كشجرة قد تعصف بها الرياح فتسقط أوراقها، لكن جذورها الراسخة تضمن للربيع القادم أن يعيد إليها نبض الحياة.

سُلَّم التقوى ورحلة العمر
تأسيساً على ما سبق، يبرز الخطأ الفادح في مناهج التربية الدينية حين تختزل الهداية في "لحظة تاريخية واحدة" (لحظة التوبة، أو إعلان التحول). هذه اللحظات، على جلالها، ليست سوى نقطة الانطلاق، أما الطريق فهو ممتد بامتداد أنفاس الحياة. فالإنسان لا يحيى باجترار ذكريات البدايات، بل بفاعلية الاستمرار في المسير.
فالتقوى ليست مقاماً استاتيكياً ثابتاً، بل هي معراج من الدرجات يصعده الإنسان خطوة بخطوة. وكلما ظن أنه استقر على عتبة، انجلت له عتبة أسمى منها. هكذا يصوغ القرآن إنساناً ديناميكياً يتقدم في معارج الرقي، لا إنساناً راكداً يكتفي بما حَصَّل.
ختاماً، حين يغمرك الشعور بأنك قد ازددت فهماً للقرآن وللحياة، فلا تركن إلى الظن بأنك بلغت الغاية؛ بل اشكر الله أنك قطعت شوطاً، وتأهب للشوط الذي يليه. وحين تكبو بك الأيام في براثن الضعف أو التقصير، إياك أن تجعل من عثرة عابرة معول هدم لرحلة امتدت لسنوات. تذكر دائماً أن الأشجار العظيمة الشامخة لا تُقيَّم بما تساقط من أوراقها في الخريف، بل بما صمد من جذورها في وجه العواصف.

إن الهداية في الرؤية القرآنية ليست ومضة تُنسى، ولا شهادة تُعلق، ولا محطة للاستراحة. إنها رحلة العمر بأكمله؛ تبدأ بخطوة واثقة، وتستمر في النمو ما دام القلب مشرعاً لنور السماء. وكلما أخلص الإنسان في طلب الحق، فاض عليه الهدى، ليظل سائراً في دربٍ لا تنقضي بركاته إلا بانقضاء الحياة ذاتها.



#ثامر_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بوصلة البدايات: من أي عتبةٍ ندخل إلى رحاب القرآن؟
- البيان قبل الإلزام: لماذا لا يُحاسبنا الله قبل أن يُعلّمنا؟
- السؤال... أول الطريق إلى الهداية
- القرآن يخاطب العقل.. لا الذاكرة
- القرآن خطاب لا نصوص متفرقة
- الرحلة السابعة والأخيرة: نحو علم نفس قرآني
- الرحلة السادسة: النفس المطمئنة.. الغاية التي تناساها علم الن ...
- الرحلة الخامسة: علاج النفس في القرآن.. لماذا يبدأ الشفاء من ...
- الرحلة الرابعة - خريطة النفس / كيف يكشف القرآن ما يحدث داخل ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- إعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- اعادة اكتشاف الإنسان... سبع رحلات في النفس كما يصورها القرآن ...
- حين يقرأ القرآن سيرتنا لا سيرة الأولين: هل يرسم النص ملامح ا ...
- الأنبياء خارج الزمن التوراتي - قراءة قرآنية في إشكالية التار ...
- الأسرة لا تُستبدَل — حين يكتشف الغرب ما فرَّط فيه
- الاجتماع البشري في القرآن: قراءة سوسيولوجية
- رحلة الوعي المذهلة: كيف تحول الطين إلى عقل مفكر في المنظور ا ...
- بين السجادة والمختبر: المسافة المفقودة التي أضاعت بوصلة الحض ...
- نحو استعادة المركزية وتحرير العقل الإسلامي
- اللين كقانون للجاذبية الاجتماعية


المزيد.....




- رفات اليهود مقابل الأسرى.. صفقة إسرائيلية تثير الجدل في لبنا ...
- الشابندر يكشف رسائل -الشرع- ويحذر من -السلاح المنفلت- والفتن ...
- إسرائيل تعرض على بيروت صفقة لنقل رفات اليهود المدفونين في لب ...
- -صندوق البريد الرئاسي-.. ترامب يعين محاميا يهوديا مساعدا له ...
- -المسلمون أقل بريطانية-.. تصريحات يمينية تفجر جدل المواطنة
- وكالة مهر: الرئيس الإيراني يلتقي المرشد الأعلى مجتبى خامنئي ...
- الاسلامية المسيحية تحذر من نزيف ديمغرافي يهدد الوجود المسيح ...
- ما الذي ينبغي أن تكون عليه الجامعة الإسلامية؟
- الإعلامي باسم يوسف يعلق بطريقة ساخرة على حفل عمرو دياب الأخي ...
- موضة -التكفير- لدى التيارات الدينية في إسرائيل


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - ثامر الزبيدي - الهداية ليست ومضة عابرة... بل رحلة بناء لا تعرف الانتهاء