أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حمزة آيت إيشو - كلام في الفلسفة الحية: من الهومو-زفزاف إلى الهومو-مخزن















المزيد.....

كلام في الفلسفة الحية: من الهومو-زفزاف إلى الهومو-مخزن


حمزة آيت إيشو

الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 08:38
المحور: المجتمع المدني
    


مرت أزيد من تسع سنوات على اعتقال ناصر الزفزافي ورفاقه، وإسدال الستار على الاحتجاجات التي عرفها الريف سنة 2016، والتي أُطلق عليها فيما بعد «حراك الريف»، إثر مقتل محسن فكري داخل حاوية للنفايات. وإذا كانت تلك الحادثة، من الناحية التحليلية، هي التي قصمت ظهر البعير، فإنها لم تكن سوى لحظة انفجار لتراكمات سابقة، كان من أبرزها الجرح الذي خلفته أحداث حركة 20 فبراير بالمنطقة، وما رافقها من مقتل خمسة شبان داخل وكالة بنكية، في قضية ما تزال أسئلتها معلقة.

ولم يمض زمن طويل حتى خرج جيل جديد إلى الشارع، هذه المرة تحت اسم جيل Z، في سياق وفاة 9 نساء حوامل بمستشفى بمدينة أكادير، رافعا ثلاثية مطلبية تبدو في بساطتها أكثر راديكالية مما توحي به: تعليم جيد ، والصحة، ومجابهة الفساد. جيل لم يحمل شعارات اليسار، ولا انتظم داخل الإسلام السياسي، ولا انتظر من الدكاكين السياسية أن تتحدث باسمه، بل جاء من خارجها، من فضاء الشبكات الاجتماعية، ليعيد طرح القضايا نفسها بلغة أخرى.

فهل يمكن التفكير بعد الآن في السياسة؟ أي إبستيم يصير ممكنا عندما تصبح السلطة غاية في ذاتها، وليست قاطرة نحو بناء عقد اجتماعي يرسخ السيادة الشعبية والحريات، وحينما يغدو التفكير فعلا مراقبا يمر عبر مصفاة الأمن؟

يذهب حسن أوريد، في كتابه "إغراء الشعبوية في العالم العربي: الاستعباد الطوعي الجديد"، إلى أن المنظومة المهيمنة في عهد الملك محمد السادس قائمة على ملكية تنفيذية تدبر الشأن العام من خلال أدوات الاحتواء والزجر. وانتقل هذا البراديكم من حقل الحزب والنقابة إلى الصحافة والمجتمع المدني( فضيحة لجنة التأديب في المجلس الوطني للصحافة، وحل جمعية جذور بقرار من وزارة الداخلية).

فمنذ عهد حكومة التناوب، تم الاشتغال والتعامل مع ملفين اثنين: تيار الملكية البرلمانية داخل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وصعود الإسلام السياسي. فبقي دور الشعب خارج مصدر الشرعية والسيادة، لأن المؤسسة الملكية تمارس الوصاية عليه باسمها. وهي وضعية مستمرة في الحالة السياسية المغربية.

لتوسيع مستوى التحليل والإحاطة بالوقائع المطروحة للنظر، أستعير مفهوم الهومو-زفزاف من مقالة المفكر الأمازيغي الراحل إبراهيم عيناني بعنوان: "الهُمو-زفزاف: فيما وراء "المقدس" المستباح والأمن الروحي "المُسيّس"، لتوصيف حالة مستمرة منذ ولادة عهد جديد مع حراك الريف؛ وهي حالة «حرب أهلية قانونية»، وتعليق للنقاش العمومي حول المستقبل السياسي للأمازيغ، وسيادة للمقاربة الأمنية، بسبب القطيعة التي أحدثها الحراك مع التقاليد السياسية، على الأقل منذ حكومة التناوب.

وهي قطيعة تتجلى، من بين أمور أخرى، في الفصل بين مجال دار المخزن، «لّي فدهوم الشغل»، أي من يدبرون دواليب الإدارة ويصرفون القرارات، وبين مجال دار الملك، «مالين شي»، أي من يملكون مصادر السلطة وينابيع الثروة.
كما أستعير مفهوم الهومو-مخزن من مقالة الأستاذ الراحل محمد بودهان: "حراك الريف وميلاد الهومو-زفزاف المغربي"، وفيها حلل العلاقة التداخلية بين محاولة القضاء على نموذج الهومو-زفزاف وترسيخ نموذج الهومو-مخزن.

يقول محمد بودهان في المقال المذكور:
"ما يميّز عصر “الهومو ـ مخزن”، هو أنه أنتج إنسانا خانعا، قانعا، مُكرها أن لا يكون إلا “عياشيا”، قابلا للتحوّل إلى إنسان عروبي تمشيا مع ما تدّعيه الدولة المخزنية من انتماء عروبي رغم اسمها ـ “المخزن” ـ ذي الأصل الأمازيغي، هلِعا من جبروت هذا المخزن وطغيانه، مستسلما لاستبداده وفساده، صابرا على ظلمه وشططه، راضيا بالعيش في دولة تستحوذ عليها وتستفيد منها مجموعة صغيرة مما يسميه المنتمون لهذه المجموعة بـ”خدّام الدولة”.( انتهى كلام محمد بوذهان)

ومع الهومو-زفزاف، بدا أن عصر التوافقات مع اليسار الجذري، الذي بدأ بالإنصاف والمصالحة وغاض بريقه مع «الخروج عن المنهجية الديمقراطية»، قد دخل طورًا جديدًا. بدأ عصر المصارحة والمطالبة بالمحاسبة، ولم يعد «الإسلام الانتخابي»، الناطق باسم المؤمنين، رأس حربة الشارع، بل أضحى شباب الهومو-زفزاف، غير المنضوي في «الدكاكين السياسية»، يطرح سؤالًا وجوديًا على المنظومة: هل أنتم حكومة أم عصابة؟
لكنني أقلب هنا اتجاه السهم: من الهومو-زفزاف إلى الهومو-مخزن. ليس لأن الهومو-زفزاف لم يولد، وإنما لأن السؤال الذي يطرحه الحاضر هو: هل استطاع الهومو-مخزن أن يستعيد زمام المبادرة، وأن يعيد إنتاج نفسه بعد الحراك، من خلال الأمن والاحتواء وإعادة تنظيم المجال الرمزي؟
في كتابه "الإنسان المستباح: السلطة السيادية والحياة العارية"، بيّن جورجيو أغامبن أن السيادة لا تتحدد فقط بقدرتها على سن القانون، بل أيضًا بقدرتها على تعليقه. ففي حالة الاستثناء تنتج السلطة ما يسميه "الحياة العارية"، أي الحياة التي تُدرج داخل النظام القانوني عبر استبعادها من حمايته.

فالفتنة، وهي هنا تذكّر بما أسمته بعض الكتابات التاريخية، من منظور المخزن، بفتنة بوحمارة، ليست مجرد مفهوم ديني، وإنما تصبح تقنية سياسية لإعادة تسمية الاختلاف، كما كانت السيبة في المخيال المخزني القديم تسميةً لكل ما يقع خارج مجال الطاعة.

غير أن السلطة، في الحالة المغربية، تبدو اليوم وكأنها لا تكتفي بإنتاج الحياة العارية، بل تعمل أيضًا على إنتاج ذات أمنية يمكن قراءة بعض ملامحها من خلال مفهوم الهومو-مخزن؛ إنسان يعيد تشكيل علاقته بالعالم من خلال معجم الأمن والفتنة، بوصفهما تحيينًا لمنطق السيبة والزطاطة، فيغدو الأمن بالنسبة إلى الهومو-مخزن معيارًا للحقيقة، وحدًا لما يجوز التفكير فيه.

وفي هذا السياق، أعادت خطبة الجمعة بتاريخ 7 غشت 2026 بناء مفهومي الأمن الروحي والأمن الفكري في سياق الأحداث المأساوية المرتبطة بمحاولات الهجرة الجماعية نحو سبتة، وما رافقها من خسائر بشرية مؤلمة. ولا تكمن أهمية هذه الخطبة في بعدها الوعظي فحسب، بل في دلالتها على اتساع الحقل الأمني ليشمل المجال الرمزي نفسه، بحيث لا يعود الأمن مقتصرًا على حماية الأجساد وتدبيرها، بل يمتد إلى توظيف اللاهوت المسيّس في توجيه وتنظيم أنماط الاعتقاد والتفكير، وترسيم حدود الاختلاف السياسي والفكري المشروع.

فحينما يغشى الناس بيوتهم ليلًا، وقد هدّهم تعب النهار، وقد انتهت بلاطوهات «العرايشي» من حواراتها المصطنعة، تجوب الفلسفة الأزقة الموحشة للمدن لتتنفس الأكسجين، بعدما ضاقت بها جدران مكاتب عمال الفلسفة. وفي طريقها نحو المجهول، قد تتعثر أمام مسجد من المساجد الوفيرة في المملكة، أو تتلعثم أمام سياج أمني للمراقبة الطرقية، أو ترتطم بمدونة قانونية. وفي أسوأ الأحوال، قد تُختطف غيلة، لتتحول إلى هامش في نهاية التاريخ، أو إلى مجرد كلام لتزجية الوقت في زمن السوق الرأسمالية وقيم الليبرالية الجديدة.

تُقاد الفلسفة، اليوم، في دروب التاريخ نحو اللايقين، في عصر ما بعد الحقيقة، حيث لم يعد ثمة معيار يقيني للحكم، ولم تعد تدّعي امتلاك الأجوبة الكبرى عن أسئلة الماهية: ما الإنسان؟ ما الحقيقة؟ وما العدالة؟

قد تتخذ الفلسفة هيئة خبير مالي أو مصرفي، فتغدو عقلانية أداتية أو براغماتية، تجعل من الحوار والفعالية والتوافق وسائل لتدبير الشأن العام، دون المساس بما يسميه ميشيل فوكو "أنظمة الحقيقة" أو ما يطلق عليه، في سياقات أخرى، "الاقتصاد السياسي للحقيقة". وقد تتمظهر، في المقابل، في هيئة رجل دين، فتصير فلسفة مثالية تعد بمعالجة شرور العالم، دون مساءلة جذورها، أو فضح أجهزتها، أو تعرية البنيات التي تعيد إنتاجها.
وفي الحالتين معًا، تتقنع الفلسفة بصورة النبي؛ فتُستدعى كلما اشتدت الأزمة، ويُعهد إليها بكشف الحجاب عن المستور أو اللامرئي، فتغدو استشرافية حين تتكلم بلسان العلوم الإنسانية.
وإذا كانت الفلسفة، مع كل الاعتراضات الممكنة، إرادةً للمعرفة تعيد ترتيب القيم، وتعيد توزيع علاقات القوى داخل حقل الأفكار، فإنها تظل، قبل كل شيء، علبة أدوات لتشخيص الحاضر في كليته، وفق التصور الأرسطي للكل.

لقد ربط تيار واسع من الفكر الفلسفي، من نيتشه إلى دولوز، بين قيم الحزن والارتكاس والاضطغان، كما ينتجها ويعيد توزيعها رجل الدين والمؤسسة التي يمثلها، وبين الطاغية المستبد في مختلف الأنظمة السياسية؛ فبين الاثنين رابطة روحية لا تنقطع. وهي نفسها العلاقة الوطيدة بين أخلاق الفقيه، وأخلاق الطاعة والتوكل وتقبيل اليد، وبين المخزن، وأخلاق الولاء والاستكانة والخضوع.

وإذا كان الهومو-ساكر قد كشف، عند أغامبين، عن الإنسان الذي يستبعد من حماية القانون، فإن الهومو-مخزن يكشف، مغربيا، عن طور جديد من السلطة، لا تكتفي فيه الدولة بإدارة الأجساد، بل تعمل أيضًا على تشكيل الذوات، وإعادة تعريف الحقيقة باسم الأمن، وإعادة رسم حدود الممكن في السياسة والفكر.
وهنا من الحيوي أن تستعيد الفلسفة مهمتها الأصلية، في نداء نيتشوي وجودي: إعادة إعلان موت الإله، وإطلاق قهقهات السخرية من إله يدعي أنه الإله الوحيد؛ إله يريد أن يجعل تاريخه الخاص، وسلالته، ومرجعيته، مرجعًا تأسيسيًا للذاكرة والحاضر والمستقبل.



#حمزة_آيت_إيشو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إلى السيد حسن بناجح عضو الأمانة العامة لجماعة العدل والإحسان
- المثقف الأمازيغي: أسئلة الهوية ورهانات التنوير (الجزء الثاني ...
- الأخوة في العقيدة والأخوة في المواطنة: محنة العقل النقدي في ...
- المثقف الأمازيغي: أسئلة الهوية ورهانات التنوير
- المغرب الذي نريده!
- أسواق عيد الأضحى بالمغرب : ملاحظات
- مال الموتشو!
- الذاكرة والإستعمار (2):
- الإستعمار والذاكرة:
- أحمد الدغرني: مسيرة وطن من أجل التحرر السياسي والهوياتي
- سوسيولوجيا السرعة: كيف يصنع التلفزيون مثقفيه؟
- التاريخ المضاد أو: من يملك وسائل إنتاج المسخ بين «سيرة حمار» ...
- الهيمنة الثقافية بالمغرب
- جلسة شاي مع أحمد ويحمان
- رسالة إلى الصحفي عمر الراضي


المزيد.....




- لحظات انتشال قارب بعد انقلابه قرب تمثال الحرية.. واعتقال الق ...
- المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة: عهد جديد من الأمن والازد ...
- اعتقالات الفساد تعود بعد استراحة قصيرة.. و-أبو مازن- أول الو ...
- زلزال مكافحة الفساد في العراق: أوامر قبض بحق وزير سابق وملاح ...
- ألمانيا.. آلاف الأشخاص يتظاهرون في كولونيا تضامنا مع المثليي ...
- بريطانيا تشهد احتجاجات ضد إنشاء مركز لطالبي اللجوء
- من نار المعارك إلى مياه الأمطار.. مأساة النازحين في السودان ...
- وجهك يكفي.. كيف تتقفى السلطات الأمريكية المهاجرين ومؤيديهم؟ ...
- جنون الإيجارات يحاصر النازحين العائدين إلى ركام الضاحية الجن ...
- خارطة طريق تركية لإعادة السوريين اللاجئين لديها إلى ديارهم


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حمزة آيت إيشو - كلام في الفلسفة الحية: من الهومو-زفزاف إلى الهومو-مخزن