حمزة آيت إيشو
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 07:34
المحور:
قضايا ثقافية
تمهيد
على إثر زيارة الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر ورفيقته سيمون دو بوفوار إلى اليابان في شتنبر سنة 1966، ألقى سارتر أولى محاضراته بجامعة كيو بمدينة طوكيو، بحضور فاق عشرة آلاف مستمع، لمتابعته وهو يتناول مفهوم المثقف تعريفًا ووظيفةً. وقد شكّلت محاضراته الثلاث باكورة العمل الذي صدر له سنة 1972 بعنوان: "دفاع عن المثقفين" (Plaidoyer pour les intellectuels).
فمن هو المثقف؟
1. L’intellectuel est celui qui se mêle de ce qui ne le regarde pas. C’est un « technicien du savoir » (professeur, médecin, ingénieur…) qui acquiert une notoriété dans son domaine de compétence et qui la met، à profit، pour intervenir dans le champ politique.
– المثقف هو من يتدخل فيما لا يعنيه بشكل مباشر، انطلاقًا من التناقض الذي يكتشفه داخل مساره العلمي أو الأدبي، فينبري للتعبير عن مواقفه، ويتدخل في قضايا الشأن العام.
ما دور المثقف؟
2. La fonction de l’intellectuel est de dévoiler la contradiction dans laquelle ils se débattent. Pris dans la bourrasque des événements de son temps, l’intellectuel cherche à comprendre, il tâtonne, il enquête, et d’abord sur lui-même.
– يمارس المثقف دوره حين يعي التناقضات التي يعيشها، بين وضعه الاجتماعي كأجير يستفيد من ريع القيمة المضافة لقوة عمل العمال، وبين التزامه الأخلاقي بقول الحقيقة في مواجهة السلطة، والتفاعل النقدي مع الأحداث الجارية داخل مجتمعه.
وما موقع الكاتب من قضايا عصره؟
3. D’habitude, on dit que la fonction de l’écrivain (intellectuel de plume) est d’exprimer en d’autres termes, que l’intellectuel est quelqu’un qui a quelque chose à -dir-e. Mais tout le monde a quelque chose à -dir-e.
– ليس الكاتب/المثقف هو من يملك مجرد «شيءٍ ليقوله»، بل هو حارس اللغة المشتركة، تلك اللغة المتداولة في الفضاء العمومي بين الصحافي والسياسي والعالِم. يشتغل عليها بوصفها مادةً للتحليل، فيسائل مضامينها ومنطلقاتها والرهانات التي تنطوي عليها.
وما موقع الكاتب من قضايا عصره؟
فهل يمارس المثقف الأمازيغي أدواره المركزية في مجتمعه وعصره؟
بالعودة إلى تاريخ الأفكار والتنظيمات في مسار الحركة الأمازيغية، يمكن الوقوف عند بعض الملامح العامة التي تحدد طبيعة المثقف الأمازيغي وموقعه في المعارك الفكرية والسياسية بالمغرب.
فهو، شأنه شأن أي مثقف آخر، يُنتج خطابًا، وينافح عن قضايا، ويتخذ موقفًا من المجتمع والدولة وما يعتمل فيهما من تحولات. كما أنه مناضل هوياتي يجعل من قضية اللغة والثقافة موضوعًا للبحث والمعرفة والمرافعة. وينشط داخل فضاء المجتمع المدني بالمرافعة والاقتراح، بوصفه صوتًا ناقدًا للسياسات اللغوية والثقافية، مطالبًا حينًا ومحتجًا حينًا آخر.
غير أن المثقف الأمازيغي يجد نفسه محاطًا بمثقفين من مشارب مختلفة. أولهم مثقف تقليدي التكوين، من الفقهاء والدعاة، سواء المنتمين إلى حقل «إمارة المؤمنين» أو إلى التيار المحافظ خارجها، خصوصًا داخل حركات الإسلام السياسي.
وثانيهم مثقف حداثي ، من اليسار الليبرالي أو الاشتراكي الديمقراطي، ينشط داخل الأحزاب والجمعيات. يتغذى خطابه من مرجعية حقوق الإنسان وفلسفة الأنوار، وينشد قيم الدولة الحديثة من حرية وعدالة وكرامة.
وإلى جانب هؤلاء، نجد فئة من الأساتذة الجامعيين والباحثين التكنوقراط، الذين ينتجون معرفة وظيفية تقدم في شكل استشارات لمالكي السلطة.
يستند المثقف الحداثي بنموذجيه إلى شرعية المشروع الحداثي الديمقراطي للملكية في العهد الجديد، بينما يجد المثقف التقليدي ضالته في مشروعية إمارة المؤمنين وشعار الإسلام دين ودولة. في حين يبررالتكنوقراطي وجوده باسم الكفاءءة والفعالية في سياق الحاجة إلى الهندسة الإجتماعية و متطلبات الاقتصاد المعولم .
فيما كان الخطاب الملكي بأجدير في أكتوبر سنة 2001، لحظة خروج المثقف الأمازيغي من منطقة المحظور، وصار معترفا به كمكون مدني، يحق له الكلام، ومزاحمة الخطابات الأخرى، بشريطة أن:
"الأمازيغية، التي تمتد جذورها في أعماق تاريخ الشعب المغربي، هي ملك لجميع المغاربة دون استثناء، ولا يمكن اتخاذها مطية لخدمة أغراض سياسية، كيفما كانت طبيعتها."( مقتطف من خطاب أجدير.
وقد مثّل هذا الخطاب اعترافًا سياسيًا بالهوية الثقافية الأمازيغية من طرف أعلى سلطة في الدولة المغربية، مع التأكيد على طابعها الثقافي لا السياسي. ومع هذا التحول، انتقل جزء من الفاعلين الأمازيغيين من ممارسة وظيفة المثقف النقدي إلى التموضع في دور المثقف المساهم في «مغرب العهد الجديد»، سواء بصفته فاعلًا جمعويًا أو جامعيًا أو صحافيًا.
ومنذ سنة 2011، ومع إقرار اللغة الأمازيغية لغةً رسمية للدولة، تعزز هذا الانتقال نحو مثقف ذي خطاب اقتراحي، يستند إلى الدستور وإلى القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، مع الاستمرار في مساءلة بطء التنزيل، وتفاوت التطبيق، وغياب آليات التتبع والمساءلة.
فهل بإمكان المثقف المشتغل في حقل الدراسات الأمازيغية، في ظل الاعتراف الدستوري، أن يمارس عمله النقدي دون أن يثير حفيظة واضعي القواعد؟
في رواية الكاتب حميد توعلي، "أمناي الأمازيغي أو الهوية السرية" (Amnay le berbère ou l’identité clandestine). وهي رواية-مفكرة تطرح أسئلة الهوية واللغة وقضايا الشأن العام.
يعود الكاتب، بوصفه أحد الفاعلين الرئيسيين في بداية تسعينيات القرن الماضي، إلى تجربة تأسيس الحركة الثقافية الأمازيغية بالجامعة، وتحديدًا بجامعة ظهر المهراز بفاس. فيتناول، فضلًا عن تبيانه الدور الحاسم لشباب آيت أميزار (بلاد أسامر) في ميلاد الحركة المطلبية الأمازيغية داخل الجامعة، المعارك الفكرية والأيديولوجية التي خاضها الرعيل الأول في مواجهة خصومهم من اليسار القومي والإسلاميين.
يسارٍ ينظر إلى الأمازيغية باعتبارها ثقافة شعبية لا ترقى إلى مستوى أن تكون قضية ثورية أو حتى مطلبًا ثقافيًا، وإسلاميين اعتبروا العربية جوهر روح الإسلام، ورأوا أن كل مسلم عربي بالقوة.
يمثل كل من علال الأزهر، في كتابه «المسألة القومية والنزعة الأمازيغية وبناء المغرب العربي» (طبعات 1984 و1988) ، وعبد السلام ياسين، المرشد العام لجماعة العدل والإحسان، في كتابه «حوار مع صديق أمازيغي»، حالتين ذهنيتين، يمكن من خلال دراستهما فهم الموقف الفكري والسياسي للتيار الديني واليسار القومي من الأمازيغية.
بل يمثلان حالة سريرية لفهم رد فعل اليسار القومي العربي والإسلام السياسي تجاه ظهور خطاب الحركة الأمازيغية في النقاش العمومي. وهي حالة راجعة إلى عوامل أهمها:
• هزيمة مشروع 1967 البعثي الناصري؛
• ولادة شعار «الإسلام هو الحل» مع حركة الإخوان المسلمين بمصر؛
• بداية تشكل وعي أمازيغي عصري ينهل من مرجعية حقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الشعوب الأصلية وحق تقرير المصير؛
• تداعيات تأثير أحداث الربيع الأمازيغي سنة 1980 بالجزائر على المغرب، بعد منع محاضرة مولود معمري حول الشعر القبائلي القديم.
• لا ديمقراطية ثقافية دون الاعتراف بحق مكونات المجتمع في الذاكرة واللغة.
• التاريخ لا يُكتب بالشعارات، فالتاريخ المدرسي يضخم فترات ويمحو فترات (البورغواطية مثلًا).
يميز علال الأزهر بين الحقوق الثقافية الأمازيغية، وبين النزعة الأمازيغية كحركة أيديولوجية ذات أهداف سياسية وأداة لتفتيت الهوية الوطنية... إلخ. وكأنه يستعيد التمييز الذي قدمه سالم شاكر في كتابه «إيمازين أسا» (الأمازيغ اليوم)، بين الحساسية الثقافية والنزعة السياسية الأمازيغية.
وفيما ينافح علال الأزهر عن «مغرب عربي» موحد بوصفه ضرورة تاريخية، يتبين في الدرس الأنثروبولوجي لمحمد أركون أن «العالم العربي ما هو إلا بناء أيديولوجي منافٍ لحقائق التاريخ والواقع».
وفي كلتا الحالتين ـ موقف اليسار القومي وموقف الإسلام السياسي ـ فليس للأمازيغية موقع يمكن أن يكون لها في مؤسسات الدولة، ولا دورٌ تلعبه في الحياة الثقافية للبلاد.
أما اليوم، وبعد مخاض عسير ومسار تاريخي، فإن الوعي الأمازيغي قد انتقل من كونه موضوعًا لإرادة المعرفة العربية (بربر) والسياسة البربرية في مرحلة الاستعمار الفرنسي وفي لحظة الدولة الوطنية (سيبا، لهجات، هامش)، ليكون ـ هذا الوعي ـ ذاتًا تعي ذاتها ككينونة حضارية (علم أمازيغي، حروف تيفيناغ، أسماء أمازيغية، حركات سياسية وثقافية)، من خلال معرفة مضادة، وفضاءً مضادًا لعلوم اللطيف وللفضاء الرسمي المقنن.
فهل تحول هذا الوعي ليكون فاعلًا في تاريخيا؟ وهل يمارس دوره ضد كل أشكال الهيمنة اللغوية والسياسية والاجتماعية؟
يعيش خطاب الهوية في أزمة، وبخاصة خطاب الحركة الأمازيغية، الذي لم يرقَ إلى حركة سياسية، وبقي في دائرة الاعتراف الرمزي واستقطاب المخزن، والخضوع لمغازلة أحزاب رجعية أو محافظة، أو التحول إلى أداة لفئات منها.
وهو بذلك يتنكر لأصوله الاجتماعية وموقعه من البنية السياسية التي يشتغل داخلها. فإذا كانت البادية والمناطق القروية هي العمود الفقري للمطلب الأمازيغي، فهي تعيش استنزافًا ديمغرافيًا وتخلفًا تنمويًا. أما النخب الفكرية للحركة، فقد حملت على عاتقها النضال الثقافي دون أن تطرح، بما يكفي، أسئلة العدالة المجالية أو طبيعة العلاقات السياسية التي يجب أن يُحتكم إليها في علاقة الهامش بالمركز.
يتبع...
#حمزة_آيت_إيشو (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟