أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمزة آيت إيشو - سوسيولوجيا السرعة: كيف يصنع التلفزيون مثقفيه؟














المزيد.....

سوسيولوجيا السرعة: كيف يصنع التلفزيون مثقفيه؟


حمزة آيت إيشو

الحوار المتمدن-العدد: 8602 - 2026 / 1 / 29 - 21:03
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


«يفضّل التلفزيون نوعًا خاصًا من المفكّرين: السريعين (fast-thinkers)، الذين يقدّمون غداءً ثقافيًا على السريع (fast food culturel).»
التلفزيون و آليات التلاعب بالعقول — بيير بورديو ص 67

يطلّ علينا الأستاذ عبد الرحيم العطري، وهو يندب حال ما يُسمّى بـ«مجتمع التفاهة»، مستندًا إلى أطروحة الفيلسوف الكندي ألان دونو حول «نظام التفاهة». أطروحةٌ تنتهي إلى خلاصةٍ متشائمة: من الحكمة اليوم الانحناء للعاصفة، لأنّ الزمن تغيّر، ولأنّ التافهين باتوا يمتلكون السلطة. أمّا الفكر الفلسفي أو العلمي، فلا يُقابَل إلا بالسخرية أو اللامبالاة، لذلك يغدو كتمه—لا عرضه—شكلًا من أشكال الحكمة.

تحت هذه المظلّة، وُضع «روتيني اليومي» في طاحونة المساءلة. تلك الموجة التي اجتاحت الأغلبية، وتابعها الصغير والكبير، تحوّلت إلى كرنفالٍ شعبويّ، امتزج فيه الابتذال بالجموح الجنساني، حتى صار «موضوع الساعة»، وكثر فيه القول والادّعاء.

غير أنّ ما يثير الاستغراب ليس الظاهرة في حدّ ذاتها، بل طريقة مقاربتها. فقد كان حريًّا بـ«سوسيولوجي لالة إيمان»، المقيم بقناة ميدي 1، في برنامج بلا حرج، وهو ضيف دائم يتقاضى أجره مقابل التدخّل في كل شيء تقريبًا، أن يتوقّف قليلًا للتفكير في شروط إنتاج خطابه.

فهو، وفق توصيف بورديو، «يفكّر في كل شيء وفي زمن قياسي»، متوهّمًا أنّ ما يقوله منفصل عن زمن البرنامج، وعن منطق الأوديمات (audimat) التي لا تحصي المشاهدات فحسب، بل تحدّد أيضًا قابلية الاستمرار، ومبلغ الدفع، وحدود المسموح قوله.

بل أكثر من ذلك، تحدّد هذه الآليات—بشكلٍ ضمني—تموقعه داخل الصراع الاجتماعي الدائر، بوصفه أستاذًا جامعيًا منسجمًا مع القائم، ينتقد أعراضه لا بنيته، ويحوّل رأسماله الرمزي إلى سلعة قابلة للتداول عبر التلفزيون، والمحاضرات، ودور النشر، والمجلات.

وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان عدد المشاهدين معيارًا لنجاح «روتيني اليومي»، فلماذا يُوصَف بالتفاهة، بينما يُستثنى ما يُقدَّم باسمه هو من هذا الحكم؟

لا يبدو أنّ الأستاذ، وهو يتحدّث في بلاطو بلا حرج، قد ساءل لحظةً ما إذا كان خطابه يتجاوز «المعرفة الشائعة»، أو ما إذا كان يقدّم فعلًا تصوّرًا سوسيولوجيًا. إذ يُستعمل علم الاجتماع هنا كعلمٍ بارد، وصفيّ، تشريحيّ، لتناول قضايا «محدّدة سلفًا» باعتبارها وحدها «جديرة بالنقاش»، فيما تُقصى قضايا أخرى وتُوضَع خارج دائرة التداول.

فلا شك أن إحلال مواضع محل أخرى في الفضاء العمومي التلفزي، لا يخرج عن قاعدة إكساب الكفاءة الشرعية لما يعتبر من وجهة نظر السلطة مسموحا به ومعترفا به، في مقابل ما لا يحوز القبول و الشرعية، فيتم حجبه عن التداول العمومي.

لقد كان من باب النزاهة العلمية أن يُستحضَر بيير بورديو، لا بوصفه اسمًا للاستهلاك، بل كمنهجٍ نقدي. فبورديو أوضح، في كتابه المرجعي«التلفزيون وآليات التلاعب بالعقول»، أنّ التلفزة لا تستدعي المفكّرين من أجل التفكير، بل من أجل التفكير السريع، تحت ضغط الاستعجال والطلب. يلهث المتدخّل كي يُنهي فكرته قبل انتهاء الوقت، فيتحوّل—شئنا أم أبينا—إلى أداة لإنتاج الإثارة، لا المعرفة.

يريد الأستاذ عبد الرحيم أن يُقنعنا بأنّ «روتيني» واقعة سوسيولوجية، كي يتحوّل الأخلاقي إلى موضوعٍ لعلم الاجتماع. غير أنّ الواقعة السوسيولوجية لا تُفهم خارج الحقول الاجتماعية، ولا بمعزل عن صراعات الفاعلين، وقواعد اللعبة، وتوزيع الرساميل. تلك معارك قائمة، وباذخة، في كل مجتمع. لكن ما نعوزه حقًّا ليس مزيدًا من الوعظ الأخلاقي، بل عالم اجتماعٍ يُفكّك الشروط، لا واعظًا يفتي في الأعراض.

ليست المشكلة إذا في وجود التفاهة من عدمه، فهي قائمة في كل المجتمعات، بل في الشروط التي تُنتجها، وتُعيد تدويرها، وتمنحها شرعية الاستمرارية.
فحين يعجز علم الاجتماع عن مساءلة الإعلام بوصفه حقلًا للسلطة الرمزية، ويتحوّل إلى مجرّد تعليق أخلاقي على الوقائع، فإنه يفقد وظيفته النقدية، ويصبح جزءًا من الآلية ذاتها التي يدّعي فضحها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التاريخ المضاد أو: من يملك وسائل إنتاج المسخ بين «سيرة حمار» ...
- الهيمنة الثقافية بالمغرب
- جلسة شاي مع أحمد ويحمان
- رسالة إلى الصحفي عمر الراضي


المزيد.....




- أمريكيون يقضون 45 مليار دقيقة في مشاهدة -بلووي- مسلسل الرسوم ...
- إيران تنهض بوجه ترامب: ألف مسيّرة جاهزة للقتال.. ومناورات با ...
- فيديو ضرب شرطي مسلمتين في هولندا والسلطات تحقق
- دخلت الفن صدفة.. مقتل هدى شعراوي بطلة -باب الحارة- واتهام خا ...
- دراسة تحذر: ما تفعله في الثلاثينات يحدد شكل شيخوختك
- الجزيرة تستنكر حظر -يوتيوب- بثها بإسرائيل
- -المقاتل زودني ببندقية وتركني-.. تكتيكات القسام برواية أسير ...
- فولكس فاغن تستهدف السوق الصيني بأكبر -هجوم كهربائي-
- -الجندي البطريق-.. جندي روسي يحاول خداع مسيّرة أوكرانية وسط ...
- -جواسيس- أم هدايا؟ استعادة الصين توأم الباندا من اليابان تثي ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حمزة آيت إيشو - سوسيولوجيا السرعة: كيف يصنع التلفزيون مثقفيه؟