أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حمزة آيت إيشو - التاريخ المضاد أو: من يملك وسائل إنتاج المسخ بين «سيرة حمار» لحسن أوريد وحكاية حمار موحا أبحري














المزيد.....

التاريخ المضاد أو: من يملك وسائل إنتاج المسخ بين «سيرة حمار» لحسن أوريد وحكاية حمار موحا أبحري


حمزة آيت إيشو

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 22:50
المحور: قضايا ثقافية
    


«لقد كان حقي أوعلي يردد ساخطًا: هذه هي وطنية المكاتب. كان عليه أن يفعل مثل أهل فاس، أن يتعلم كيف يوقّع على البيانات… فالتوقيع لم يقتل أحدًا ولم
يبتر رجل أحد».
— محمد بودهان، من سيحكي عن بيقشا بعد رحيلك يا موحا أبحري؟، جريدة تويزا، العدد 78، 2003.

هل تطهّر أدربال، بطل رواية حسن أوريد «سيرة حمار»، من أدران الوحل، وحل السلطة وبريق النفوذ؟ أكانت عودته إلى إنسانيته نهايةً سعيدة فعلًا بعد مأساة المسخ؟
نحن أمام إنسان أراد أن ينسلخ من تربته وهويته، فصار حمارًا يُعدم فيه كل ما هو إنساني، باستثناء الوعي. أيُّ مشقّة هذه التي يمكن أن يتحمّلها كائن وهو يحتفظ بوعيه داخل هيئة مُحتقرة؟
كان عبور النهر المؤدي إلى البلدة طقسَ تطهّر، أقرب إلى المعمودية المسيحية. رويدًا رويدًا، تعافى أدربال من «حماريته»، وعاد منتصرًا على أهوائه وجوارحه، بعدما اهتدى بقلبه. غير أن هذا الانتصار ليس بريئًا، ولا خاليًا
من الشروط.

استلهم أوريد راويته من رواية الحمار الذهبي لأبليوس ( أو أفولاي بالامازيغية)، وإن كانت ذات طابع عجائبي، فهي كذلك تحمل قيما إنسانية.

لحظة المسخ، شأنها شأن لحظة الجنون كما حلّلها ميشيل فوكو في «تاريخ الجنون»، هي حالة لا-سواء تُقابل بالريبة، لأنها لا تدخل ضمن القوالب الاجتماعية المألوفة. لذلك كان لا بد أن يعود الحمار الواعي إلى «طبيعته الاجتماعية» كإنسان يملك وعيًا مضبوطًا بمنطق الانتماء والولاء.

كان عليه أن يُكفّر عن ميله إلى الفلسفة — هذا «الداء» الذي يصيب من يكتشف هشاشة العالم — ليعود إلى رشده كما أراده الأب: القانون بدل السؤال، والإدارة بدل التفكير. فالفلسفة، كما قال نيتشه، ذوق قبل أن تكون تخصصًا، لكنها ذوقٌ مُكلف في عالم لا يحتمل الشك.
هنا يستدعي النص ظلّ موحا الأبله لدى الطاهر بنجلون: أسير الكلمة والسؤال، في مقابل محمد الملياردير الذي يسير الناس ويمتلك الأشياء.

انسجم أدربال، في النهاية، مع وعيٍ أخلاقيٍّ مزيّف: وعي الشعور بالذنب. صار هذا الوعي عذابه ثم توبته. توبة المثقف من خطورة أن يكون «حمارًا واعيًا»؛ واعيًا باحتقاره، بسخريته، وبموضعه في السيرك الاجتماعي. خطورته ليست في نهقه، بل في وعيه بكل ذلك. وعي شقي، ممزّق، بين بين.

يُذكّرنا هذا المصير بجريجور سامسا، بطل «المسخ» لفرانز كافكا. هناك يكون التحوّل دائمًا إلى الأسوأ: من إنسان إلى حشرة، من ذات إلى شيء، من الهامش إلى القاع. مسخٌ يفضح روتينية العمل والآلة الرأسمالية التي تلتهم الحياة وتُنتج النفايات البشرية.

لكن السؤال الحقيقي ليس: كيف مسخ أدربال؟
فالرواية الرسمية — أي رواية السلطة — تملك دائمًا تبريراتها، وتقدّم نفسها شاهدًا محايدًا لا فاعلًا. أقصى ما

تمنحه تقريرًا باردًا عن الوقائع.

السؤال الأجدر هو: من يملك مصنع المسخ؟
مأساة أدربال تنتهي بتوبةٍ مدفوعة الثمن: الاعتراف بلا اعتراف، كما قال سيوران. تسديد الدَّين بالعملة المزيفة. مرحبًا بك إنسانًا بعقل حمار في عالم القانون؛ عالم لا مكان فيه للفلسفة، لأنه عالم الحمير بكامل وعيهم.
من هنا، يصبح السؤال سؤالًا جينالوجيًا، حفريًا: من أين تأتي آليات المسخ؟ كيف تُنتَج؟ وفي أي سياق تاريخي؟
لسنا معنيين بالضحايا ولا بالجلادين بقدر ما نحن معنيون بوسائل إنتاج المسخ نفسها. تلك هي مهمة
التاريخ المضاد.

في هذا الأفق، تبدو «سيرة حمار» سيرةً مزيفة، سيمولاكر، نسخة مضادة لحكاية الغائب دائمًا: موحا
أبحري.

حمار القرية الذي هو تاريخها الحي. يعرف أحجارها، أزقتها، وحدودها. ظهره ذاكرة جماعية. كان شاهدًا على بناء المسجد حجرًا حجرًا، فكان محبوب الجميع لأنه يحمل الثقل.

وحين اكتمل البناء، واشتد عطشه يومًا، ساقته قدماه إلى بئر المسجد. لم يكن يعلم أنه لم يعد مرحّبًا به. انهالت عليه الحجارة، وطُرد كأنه لا أحد.
هنا لا مسخ، ولا خلاص، ولا نهاية سعيدة.
الحمار حمار.

القدر مأساوي وصريح.
في وضع كهذا، لا يبقى أمام الحمار إلا التفكير. لا نولد مفكّرين؛ الضرورة هي التي تدفعنا إلى ذلك. التفكير دائمًا تفكير في الخارج، في المنع، في ما لا يُسمح لنا بامتلاكه.

حمار أبحري لا يريد التحوّل إلى إنسان، ولا إلى طائر عاشق. يريد فقط أن يروي عطشه. حاجة أولية، طبيعية، مشتركة. لكن فضاء المقدّس — بئر المسجد — تحوّل إلى مسرح للعنف ضد الحاجة، وصار الجسد مجرد معبر للمنع.

شتّان بين الحمارين.
أحدهما فرويدي: مسكون بعقدة الذنب والتوبة،
والآخر دولوزي: صيرورة خالصة، مقاومة لفعل الإقصاء.

شارك حمار أبحري في عمل جماعي، وتعرض للنكران والعنف في باحة القداسة، باحة المسجد، كفضاء شاهد على جماعة المؤمنين وقد تحولت إلى حزب سياسي وعقيدة رسمية للدولة، تمارس الاكراه على من لا يدخل في جبتهما، وثم التضحية به بينما حمار حسن أوريد،

الإبن المدلل الذي أراد من خلال طموحه الشخصي وخفقان قلبه بالحب أن يعاقر مشروبا، يتحول على إثره إلى طائر مع معشوقته، ولكن القدر جعل منه حمارا. هو حمار لا يحمل أصفارا، ولكنه ينهق ويأكل التبن ويتسلى به في السيرك.

ذاك شأن من يضع المعرفة في خدمة السلطة، لا في كشف الحقيقة، فيكون أداة لمن هم فوق. من يريد أن يصير واحدا من الأغلبية، تلك التي تملك وسائل الانتاج الاقتصادي والقانوني والثقافي، ضد الأقلية التي تكون موضوعا للمعرفة المهيمنة، و للمسخ.

هل بإمكان حمار موحا أبحري أن يقنع حراس المقدس بحقه الوجودي في الحياة؟ أن يصير معترفا به في إختلافه عن جماعة المؤمنين و المتحدثين بكلام العربي المبين ؟ هل حضي بهذه الفرصة ؟

في المأساة لا توجد نهاية سعيدة، بل دعوة للتفكير في الأفق التحرري وإمكانياته. ذلك ما تعلمنا إياه حكاية حمار المسجد.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهيمنة الثقافية بالمغرب
- جلسة شاي مع أحمد ويحمان
- رسالة إلى الصحفي عمر الراضي


المزيد.....




- معركة قانونية قد تكلّف ميتا وتيك توك ويوتيوب مليارات الدولار ...
- هيفاء وهبي ترقص -السامري- في الرياض وأحمد سعد يدعم مهند البا ...
- بعد توجيه السيسي.. مصر تعمل على تشريع ينظم استخدام الأطفال ل ...
- ترامب وغرينلاند: كيف تمتلك دول أراضٍ خارج حدودها؟
- حزب الله يعلن موقفه بوضوح: لسنا على الحياد.. وأي هجوم على إي ...
- -القوة الضاربة- تصل إلى الشرق الأوسط.. والإمارات: نرفض الهجو ...
- غزة أمام الاستحقاق الأصعب بعد الرهائن: الهدنة وسلاح حماس في ...
- الدبلوماسية تحت الغارات: اجتماع بين سفارتي الولايات المتحدة ...
- ضبط -المتمارضين-.. مهنة جديدة تزداد رواجا في ألمانيا
- ترامب يرسل مسؤولا إلى مينيابوليس ولا يريد أن يرى -جرحى أو قت ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حمزة آيت إيشو - التاريخ المضاد أو: من يملك وسائل إنتاج المسخ بين «سيرة حمار» لحسن أوريد وحكاية حمار موحا أبحري