أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ














المزيد.....

حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ


أوزجان يشار
كاتب وباحث وروائي

(Ozjan Yeshar)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 20:46
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


لو كانت المشاعر دليلًا لا يخطئ، لكان أشد الناس غضبًا أحكمهم، وأكثرهم خوفًا أبصرهم، وأسرعهم اندفاعًا أقدرهم على اتخاذ القرارات الصائبة. لكن الحياة، بكل ما تمنحه من دروس قاسية وأخرى رحيمة، تروي لنا قصة مختلفة تمامًا. فكثير من الكوارث الإنسانية لم تبدأ من نوايا شريرة، بل من مشاعر صادقة مُنحت سلطة الحقيقة المطلقة من دون مراجعة أو تمحيص.

نعيش اليوم في زمن يكاد يقدّس المشاعر. نسمع باستمرار عبارات من قبيل: «اتبع قلبك»، و«ثق بإحساسك»، و«لا تخن ما تشعر به». وهي عبارات تحمل قدرًا من الصدق والجمال، لكنها قد تتحول إلى فخ إذا أوحت بأن كل شعور حقيقة، وأن كل انفعال يستحق أن يتحول فورًا إلى كلمة جارحة أو قرار مصيري.

فالمشاعر لا تكذب لأنها تصف ما يجري داخلنا، لكنها قد تخطئ حين تفسر ما يجري حولنا.

المشاعر جزء أصيل من إنسانيتنا. فهي التي تمنح الحياة ألوانها؛ الفرح الذي يملأ الروح بالحيوية، والحزن الذي يذكرنا بقيمة ما فقدناه، والغضب الذي ينبهنا إلى انتهاك حدودنا. لكنها ليست معصومة من الخطأ. إنها تنبهنا، لكنها لا تحكم نيابة عنا. فقد نشعر بالإهانة من نظرة بريئة، أو نفسر صمت صديق على أنه خيانة، بينما كان يخوض معركة صامتة لا نعرف عنها شيئًا. وقد يهمس الخوف في آذاننا بأن الفرصة أكبر منا، فننسحب، ثم نكتشف لاحقًا أن ما بدا جبلًا شاهقًا لم يكن سوى باب موارب يقود إلى مستقبل أكثر اتساعًا.

المشكلة ليست في أن نشعر، بل في أن نسلّم مشاعرنا زمام حياتنا.

كم من علاقة انهارت بسبب كلمة قيلت في لحظة غضب، ثم أمضى صاحبها سنوات يندم عليها؟ وكم من صداقة تآكلت بسبب تفسير متسرع لتأخر رسالة؟ وكم من طفل حمل في قلبه جرحًا عميقًا لأن أحد والديه انفعل لدقائق، بينما امتد أثر تلك الدقائق إلى سنوات؟ فاللحظة عابرة، لكن آثارها قد تمتد طويلًا كظلال الغروب. وما إن تهدأ العاصفة حتى يتساءل الإنسان بدهشة: «لم أكن أقصد ذلك»، وكأن شخصًا آخر كان يتحدث بلسانه.

غير أن ذلك الشخص ليس غريبًا عنا؛ بل هو نحن عندما يخفت صوت العقل ويتصدر الانفعال المشهد. وهنا تتجلى الحكمة التي صاغها أرسطو قبل أكثر من ألفي عام حين قال: «أيُّ إنسان يستطيع أن يغضب، فهذا أمر يسير؛ لكن أن تغضب من الشخص المناسب، وبالقدر المناسب، وفي الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وبالطريقة المناسبة، فذلك ليس بالأمر اليسير.» وكأن أرسطو لم يكن يتحدث عن الغضب وحده، بل عن كل انفعال يهدد بأن ينتزع من العقل دوره.

فالانفعال في ذاته ليس عيبًا، وإنما العيب أن نسمح له بأن يحتكر الحقيقة ويصادر حكم العقل. فالمشكلة ليست في وجود الغضب أو الخوف أو الحزن، وإنما في اللحظة التي نسمح فيها لهذه المشاعر بأن تقود أحكامنا وقراراتنا.

في غضبنا نرى الآخر من خلال عدسة مشوهة؛ ننسى تاريخه الطيب، ونختزله في كلمة واحدة أو موقف عابر. وفي خوفنا لا نرى إلا أسوأ الاحتمالات، ونمنح الوهم قوة الواقع قبل أن يقع شيء. أما الحزن فيغلق نوافذ الرؤية، فيبدو العالم كله رماديًا، مع أن العتمة ليست في العالم، بل في أعيننا التي أثقلتها الدموع مؤقتًا.

هنا يتجلى النضج الحقيقي. فالناضج ليس من يخلو من المشاعر، ولا من يتظاهر بالصلابة أو البرود، بل من يعترف بمشاعره بصدق من دون أن يمنحها سلطة مطلقة. يقول لنفسه: «أنا غاضب، لكن ربما أسأت الفهم»، أو «أنا خائف، لكن خوفي لا يعني أن الخطر حقيقي»، أو «أنا مجروح، لكن جرحي لا يمنحني حق جرح الآخرين». إنه لا ينكر ما يشعر به، لكنه يرفض أن يجعل شعوره الحكم الأخير على الناس والأحداث.

هذه المسافة الفاصلة بين الشعور والفعل هي المساحة التي تنمو فيها الحرية الداخلية، وفيها تتشكل الشخصية القادرة على الاختيار. فمن دونها نصبح أسرى لكل مؤثر خارجي؛ تعليق يفسد يومنا، أو نظرة تزرع فينا القلق، أو منشور يوقظ شعورًا بالنقص لم يكن حاضرًا قبل لحظات. وعندها لا نعود نعيش وفق قيمنا، بل وفق انفعالات الآخرين، فنصبح مرايا تعكس ما يحيط بها بدل أن نكون أصحاب رؤية وموقف وإرادة.

القوة الحقيقية لا تكمن في ارتفاع الصوت، ولا في سرعة الرد، ولا في قسوة الكلمات، بل في القدرة على الاحتفاظ بالهدوء عندما ترتفع أصوات الآخرين، وعلى صون الاتزان حين تضطرب النفوس. فإذا استطاع أحدهم أن يستفزك حتى تفقد هدوءك، فقد امتلك زمام رد فعلك، حتى وإن ظننت أنك خرجت من الموقف منتصرًا. فالانتصار الحقيقي ليس أن تُسكت خصمك، بل أن تبقى سيد نفسك.

لذلك قد يكون الصمت في بعض المواقف موقفًا أخلاقيًا لا عجزًا، وقد يكون تأجيل الرد حكمة لا جبنًا. فالصمت أحيانًا ليس انكسارًا، بل رفض نبيل لأن تتحول إلى دمية في يد المستفز. والتريث ليس هروبًا من المواجهة، بل حماية للعقل من أن يصدر حكمًا نهائيًا تحت وطأة عاصفة عابرة. فما يقال في لحظة انفعال قد يحتاج إلى دقائق، لكن إصلاح آثاره قد يحتاج إلى سنوات.

ومع ذلك، فإن إدارة المشاعر لا تعني كبتها. فالكبت لا يطفئ النار، بل يؤجل اشتعالها، والإنكار لا يمحو الألم، بل قد يحوله إلى قسوة، أو برود، أو عدوان صامت. والمطلوب ليس إسكات المشاعر أو معاملتها كشيء معيب، وإنما الإصغاء إليها، وفهم الرسالة التي تحملها، ثم اتخاذ القرار في ضوء العقل والضمير.

فالغضب يخبرنا بأن حدودًا ما قد انتُهكت، لكنه لا يحدد الطريقة التي ينبغي أن ندافع بها عنها. والخوف ينبهنا إلى احتمال وجود خطر، لكنه لا يملك أن يحرمنا من كل فرصة. أما الحزن فيكشف لنا قيمة ما فقدناه، لكنه لا يحق له أن يقنعنا بأن الحياة فقدت معناها أو أن الأبواب كلها أُغلقت.

إن المشاعر، مهما بلغت قوتها، تظل إشارات تحتاج إلى تفسير، لا أحكامًا نهائية يجب تنفيذها. إنها تشبه أضواء التحذير في لوحة قيادة السيارة؛ تنبه السائق إلى وجود أمر يستحق الانتباه، لكنها لا تمسك المقود بدلًا منه، ولا تحدد الطريق الذي ينبغي أن يسلكه. فإذا خلط الإنسان بين الإشارة والقرار، قادته مشاعره إلى حيث لم يكن يريد أن يصل.

المشاعر رسائل… وليست أوامر.



#أوزجان_يشار (هاشتاغ)       Ozjan_Yeshar#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كل غضب لا ينتهي بانتهاء الموقف… بل يترك أثرًا في دماغك
- هل الرفاهية قيدًا والراحة تكاسل… كيف نصنع سجوننا بإرادتنا؟
- 15 شيئًا يتخلص منه اليابانيون: كيف تعكس مقتنيات المنزل الياب ...
- النباتات الداخلية… ديتوكس المنازل وحلفاؤنا الخضر في مواجهة ا ...
- دروع العقل: كيف تبني شخصية مؤثرة وتحمي ذاتك من فخاخ الأفكار ...
- متلازمة “وهم القمة المعرفية”: حين يعتقد العقل وهمًا بأنه لا ...
- أسطورة الجلد والكبرياء: سيالكوت والنساء اللواتي صنعن مجد كأس ...
- الخوف من الرفض… السجن الخفي الذي يصنعه المجتمع داخل الإنسان
- حين تصبح حياة الآخرين مرآة تحطّمنا: لماذا نقارن أنفسنا بغيرن ...
- قراءة شاملة لكتاب “كن أنت” للكاتبة إيلين لامب
- فن التجاهل: عندما يصبح الصمت أقوى سلاح واللامبالاة أسمى درجا ...
- حين تُستدعى الحقيقة: العنف ليس دينًا، والعدالة لا تعرف الانت ...
- قراءة في كتاب -المجد الرئيسي- للكاتب ستيفن آر. كوفي
- من الدعم إلى الشراكة المشروطة: لماذا تغيّر موقف الخليج من إد ...
- حين يصنع التخطيط مصير الأمم: من إدارة الأزمات إلى هندسة المس ...
- بين القبول والنفور: جسور العلاقات البشرية
- حين تتحول السياسة إلى مقامرة… قراءة في إدارة المشهد السياسي ...
- مهارة إدارة المخاطر: بين حدس المغامر وانضباط المثابر
- اضطراب ثنائي القطب: حين لا يكون الألم صاخباً… لكنه لا يتوقف
- شخصية الضحية المزمنة: بين قناع الضعف وحقيقة الاستنزاف


المزيد.....




- ترامب: المفاوضات مع إيران جارية مثل لعبة الشطرنج
- سوريا.. ازدحام لدى إغلاق معبر إعزاز وسط مخاوف المواطنين على ...
- اليمن: هل يعود شبح الحرب من جديد مع تجدد المواجهات العسكرية؟ ...
- التصعيد الحوثي في اليمن ـ جبهة حرب جديدة للضغط لصالح إيران؟ ...
- مقترح تركي لحماية الملاحة بالبحر الأسود
- رئيس صربيا يتهم الاتحاد الأوروبي بشن -حرب هجينة- على روسيا
- حزب الله يتهم إسرائيل بتنفيذ عملية إبادة من نوع مختلف في جنو ...
- القبض على مصري خلال هروبه من الكويت بعد ارتكابه جرائم مروعة ...
- زاخاروفا: اليابان تهين نفسها بتجاهل من ألقى القنابل الذرية ع ...
- إيران تمضي بمشروع لحظر عبور سفن أمريكية وإسرائيلية مضيق هرمز ...


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - أوزجان يشار - حين يصبح العقل أسيرًا للانفعال: المشاعر مرشدٌ لا قاضٍ