أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - العفيفي فيصل - مجتمعات جنائزية














المزيد.....

مجتمعات جنائزية


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 20:13
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


المجتمعات التي تجعل من ثقافة الموت حاضراً في الوعي الجمعي أكثر من الحياة، والآخرة أكثر من الدنيا، هي مجتمعات جنائزية، لأن الإشكال ليس في الإيمان بالموت، إذ هذا الأخير حقيقة إنسانية لا جدال فيها، وإنما حينما يتّم تحويله من حقيقته الطبيعية إلى منظومة ثقافية، فلما يصير الحديث عن القبر وعذابه، وعن النار وجحيمها أكثر كثافة من الحديث عن العلم، والفن، والحرية، والعمران، فهذا تحريف للدين بتقديمه كعدّو للحياة، وللأسف هذا ما وقع بعدما أبدع الخطاب الديني في التعامل مع الحياة وكأنها شّر يجب الحذر منه، والفرح كأنه فخ أو استدراج، والاختلاف كأنه انحراف وضلال.
لا مشكلة في استخدام الخطاب الوعظي لأسلوب الوعيد والتخويف من العقاب الأخروي، ولكن المصيبة حين تصبح مفاهيم هذا الأسلوب ومصطلحاته هي اللغة الدينية السائدة داخل المجتمع، فالإنسان الذي يقضي طوال حياته يسمع أن الدنيا دار ابتلاء، وأن العلم والفلسفة والاختراعات والمال والأعمال لا فائدة منهم، وأن الفن والسينما والمسرح والرياضة وغيرها فيها شبهة، وأن التفكير والنقد والتساؤل قد يضّل بصاحبه ... الخ، قد ينتهي به الأمر متصالحاً مع الحزن باعتباره هو الأصل، وهو دليل التقوى والفضيلة.
والقول بانتشار ثقافة كراهية الحياة لا تعني بالضرورة الرغبة في الموت، فقد تظهر في صور مختلفة مثل احتقار الجسد، والتضييق على الفنون، والتشاؤم من السعادة، والخوف من الموسيقى، ومراقبة لباس الآخرين (حتى الأطفال)، والتدخل في تفاصيل حياة الناس، واتهام المختلف فكرياً، وتقديم الشكل الديني بوصفه معيارا للتقوى ... وهكذا يصير مع المجتمع قائمة طويلة بما يجوز وما لا يجوز، وليس فيها نقطة النهاية.
ولما يطغى المزاج الجنائزي داخل المجتمع فسيحصل رجال الدين على سلطة مؤثرة كتحصيل حاصل، لأن الإنسان الخائف من الغيب خوفاً مرضياً (الوسواس القهري) يسهل قيادته مقارنة بالإنسان الواعي والواثق والمتوازن نفسياً، بتعبير آخر، من يخشى الوقوع في الذنوب ودخول جهنم في كل حركة يقوم بها، سيبحث باستمرار عن شخص يفسر له هذا حلال وهذا حرام وهذا مكروه، وهكذا قد سلّم عقله لهذا الشخص صاحب صكوك الغفران والذي يفتي في كل شيء.
من باب الإنصاف، الإسلام بريء من هذا، فنصّه التأسيسي (القرآن الكريم) يتحدث عن الطيبات، والزينة، والعمران، والتعارف بين الناس، والعمل وإتقانه، والسير في الأرض، والنظر في الكون، بل والتراث الإسلامي نفسه يشهد على وجود عدد كبير من الفلاسفة والأطباء والشعراء والموسيقيين والعلماء في الفلك والطبيعيات لم يفهموا الدين بوصفه إعلان حرب على الحياة، إذن المشكلة ليست في الإسلام كما يروّج البعض عن جهل أو عن قصد، وإنما في نوع محدد من التديّن قام بتحويل المشروع القرآني (بناء إنسان متكامل ومتوازن روحياً ومادياً) إلى مشروع "مراقبة الإنسان للإنسان".
في الأخير، ما يفعله التديّن الراديكالي من تذكير هستيري للإنسان بالموت، سيجعل هذا الأخير يعيش وكأنه ميت قبل أن يموت بيولوجياً، ومنه فمثل هذه المجتمعات هي بحاجة لإحياء مختلف العلوم حتى تتعلّم أولاً كيف تعيش بطريقة صحيحة (حياة تليق بالإنسان المعاصر)، ثم لا بأس إن تعلّمت كيف تموت كخطوة ثانية لن تؤثر سلباً على سابقتها.



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشيخ والسبايا
- الأصولية وسرقة روح المجتمع الجزائري
- نظرية التطور: بين المدرسة العقلية الإسلامية وعلم البيولوجيا
- فقهاء الربيع العربي: يوسف القرضاوي نموذجاً
- الانحطاط الفكري بقناع التديّن
- حكومات المنابر في زمن أسلحة الخيال العلمي
- المرأة في المتخيّل الديني
- بين وهم المعرفة والتطّرف الديني
- الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان
- عيد يناير والفكر الأصولي
- من نوح الطوفان إلى نوح غانا
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- مذكرة تفاهم بين دمشق وموسكو بشأن مستقبل قاعدتي طرطوس وحميميم ...
- الحوثيون يكثفون هجماتهم والعليمي يطالب العالم وواشنطن بالضغط ...
- سقوط طائرة بدون طيار أمريكية من طراز -MQ-9- في جيبوتي (فيديو ...
- سوريا.. الأمن الداخلي يعلن توقيف خلية مرتبطة بتنظيم -داعش- ف ...
- مخزن للكيماويات يتحول إلى جحيم في مصر ويوقع قتلى ومصابين
- مكتبة حسين..جسر ثفافي بين الجزائر وروسيا
- وزير خارجية باكستان ينشر 7 نقاط توضيحية حول -اتفاقية مكة للد ...
- هدوء حذر في صرمان بعد توقف الاشتباكات
- ليبيا تفقد 390 هكتارا من الغطاء الشجري خلال 25 عاما
- إسرائيل ترفض خطة النقاط الـ15 بشأن غزة


المزيد.....

- حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة- / عبد الغني القباج
- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - العفيفي فيصل - مجتمعات جنائزية