أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - العفيفي فيصل - نظرية التطور: بين المدرسة العقلية الإسلامية وعلم البيولوجيا















المزيد.....

نظرية التطور: بين المدرسة العقلية الإسلامية وعلم البيولوجيا


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 07:50
المحور: قضايا ثقافية
    


كلما تكلّم أحدهم عن نظرية التطّور الداروينية، وفكرة تدرّج الإنسان من مراتب كائنات غير عاقلة سابقة، إلاّ ويتّم تسارع البعض في اتهامه بالإلحاد، وأنّه أسير الاستلاب الفكري المادي الغربي، ولكن المفارقة التاريخية أنّ الحديث عن تدرّج الموجودات، واقتراب الإنسان من عالم الحيوان، ليس غريباً عن التراث الفكر الإسلامي، القديم منه والمعاصر.
خلال القرن الرابع الهجري، طرح إخوان الصفا عبر رسائلهم تصوراً لتدرّج الكائنات واتصال مراتبها من المعادن إلى النبات، فالحيوان، فالإنسان، ولعّل من أشهر النصوص المنسوبة إليهم نجد: "واعلم يا أخي أن أوّل مراتب النبات مُتصلة بآخر مراتب الجماد، وأول مراتب الحيوان متصلة بآخر مراتب النبات، وأول مراتب الإنسان متصلة بآخر مراتب الحيوان"، وأيضاً قولهم في وصف هذا التدرّج: "فآخر أفق النبات مُتصّل بأوّل أفق الحيوان، وآخر أفق الحيوان مُتصل بأوّل أفق الإنسان"، كما يشيرون إلى أن بعض الحيوانات تمثل أقرب المراتب إلى الإنسان، ومن أشهر ما ورد عندهم في هذا السياق: "وأقرب الحيوانات إلى الإنسان القرد"، وفي المقابل جعلوا الحلزون في أدنى مراتب الحيوان من حيث القرب إلى النبات ... هذه النصوص تُعّد من التراث الإسلامي لفكرة التدرج والارتقاء في الموجودات، ولكن وجب التمييز بين التدرج الكوني والفلسفي عند إخوان الصفا، ونظرية التطّور الداروينية القائمة على الانتخاب الطبيعي والأصل المشترك للكائنات، فالإخوان لم يتحدثوا عن هذا الانتخاب كآلية بيولوجية للتطّور، بل عن سلم وجودي متدرّج تتصل فيه مراتب الكائنات بعضها ببعض.
ومن دون مغادرة هذا القرن الرابع للهجرة، لا بد أن نقف عند أعمال الفيلسوف واللغوي أبو علي مسكويه الذي تحدث أيضاً في كتابه "الفوز الأصغر" عن سلسلة متدرجة تبدأ من الجماد ثم النبات ثم الحيوان ثم الإنسان، بل وأشار صراحة إلى وجود مراتب متقاربة بين بعض الحيوانات والإنسان، ومن نصوصه التي توضّح فلسفته في تفسير تدرّج الموجودات قوله: " ثم ارتقت إلى مرتبة الحيوان، فكان أول الحيوان ما قارب النبات، ثم تدرجت حتى انتهت إلى القرد الذي هو آخر مراتب الحيوان وأقربها إلى الإنسان".
بعدهما بثلاثة قرون، جاء ابن خلدون في "المقدمة" برؤية مشابهة تقوم على تدرج عوالم الوجود، حيث العالم عنده عبارة عن حلقات متصلة، يتصل آخر النبات بأوّل الحيوان، ويتصل آخر الحيوان بأوّل الإنسان. وضرب مثالاً بالقردة التي تقع حسب تصّوره في المنطقة الفاصلة بين الحيوان والإنسان، يقول: " ثم انظر إلى عالم التكوين كيف ابتدأ من المعادن ثم النباتات ثم الحيوان على هيئة بديعة من التدريج، وآخر أفق المعادن متصل بأول أفق النبات، مثل الحشائش وما لا بذر له، وآخر أفق النبات، مثل النخل والكروم، متصل بأول أفق الحيوان، مثل الحلزون والصدف، مما لا حِسّ له إلا اللمس، ومعنى الاتصال في هذه المكونات أن آخر أفق منها مستعد غاية الاستعداد لأن يصير أول أفق الذي بعده. واتسع عالم الحيوان وتعددت أنواعه، وانتهى في تدريج التكوين إلى الإنسان صاحب الفكر والروية، وارتفع إليه من عالم القردة الذي اجتمع فيه الحس والإدراك، ولم ينته إلى الروية والفكر بالفعل، فكان أول أفق من الإنسان بعده"، ومن المهم علمياً التنبيه إلى أن ابن خلدون يتحدث عن تدرّج في مراتب الوجود والكائنات، ولا يشرح آلية الانتخاب الطبيعي البيولوجية التي اكتشفها تشارلز داروين، كما أنه لا يقول إنّ الإنسان انحدر من القرد، بل يتحدث عن اتصال أفق الحيوان بأول أفق الإنسان ضمن تصور فلسفي كوني للتكوين، تماماً مثلما لم يقل أبداً داروين في كتبه وتصريحاته أنّ الإنسان ينحدر من القردة، بل قال أنّ الكائنات الحية جميعها نشأت من أصل واحد، وأنّ الكائنات المعاصرة تسللت من كائنات أبسط منها.
أما في الفكر الإسلامي المعاصر، فلعّل جمال الدين الأفغاني هو أوّل من كانت له الجرأة الأدبية في التعبير عن تأييده لنظرية التطّور، بل والدفاع عنها من الجانب الديني لأنها لا تعارض نصوص الوحي، يقول في رسالة الواردات : "ولعلّك على ما تحقّقت من لزوم الترتيب في عالم التركيب تقول: إن أوّل ما ظهر في هذه الكرة النباتات على تفاوتها في الدرجات من متناقص الخلقة جداً، ثم يتكامل شيئاً فشيئاً حتى انتهت إلى غايتها، ثم الحيوانات كذلك، ثم نتيجة الكلّ وغاية منتهى السير هو الإنسان، ثم كذلك بتفاوت مراتبه في الوجود من غاية التوحّش إلى أدنى منها، ثم وثم، ولا يزال هكذا، وقد نطق بهذا كتابنا، وأشار إليه في قوله:{وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأرْضِ نَبَاتًا}، فهذا قليل تستغني به عن كثير، وإجمال يغنيك عن لبس التفاصيل"، وتقريباً في نفس الاتجاه سار محمد عبده، إذ رأى أن القرآن ينفي أن يكون آدم أوّل البشر، ورغم عدم تأييده بشكل صريح لنظرية التطور، إلاّ أنّ اتخاذه لهذا المنحى في تفسيره آيات الخلق راجع لخشية الاصطدام مع مقررات الأبحاث العلمية الحديثة، فهو لا يريد أن يقع الطعن في القرآن بسبب مسائل علمية، وقد أيّده المراغي حيث ذهب أيضاً إلى أن المراد بالنفس الواحدة ليس آدم عليه السلام، واستند إضافة إلى أدلة شيخه إلى نتائج الأبحاث العلمية التي أسفرت على أن البشر تفرعوا من عدة سلالات (انظر تفسير المراغي)، في حين ذهب طنطاوي إلى أن حجج المنكرين للتطور لا تقوم من القرآن الكريم، لأن هذا الأخير لم يتضمن كيفية معينة يقينية لخلق آدم، ويقرر أنه ليس من مهمة الكتب الدينية أن تدلي بحكمها في المسائل العلمية، إذ يقول في تفسير الجواهر:"واعلم إن خلق آدم وحواء ليس هناك دليل قطعي على كيفيته، والقرآن أتى به مجملاً على مقتضى ما تقبله العقول وتفهمه النفوس، فأما التفصيل فليس ذلك للكتب السماوية وإنما هذه مقدمات يؤتى بها للمقاصد. فأما التفصيل فقد قام به علماء الأمم من عجم وعرب، ومن العجب أنهم لم يهتدوا للحقائق ولم يصلوا إلى أصل الخلق".
كل هذا لا يعني أن إخوان الصفا ومسكويه وابن خلدون والأفغاني ومحمد عبده وجوهري طنطاوي وغيرهم كثير من أعلام الإسلام كانوا داروينيين بالمعنى العلمي الحديث، كما لا يعني أنهم سبقوا داروين في تقديم تفسير متكامل لتطور الأنواع، ولكن من الموضوعية أيضاً الاعتراف بأن فكرة التدرّج والارتقاء في سلم الكائنات كانت مطروحة في الفكر الإسلامي قبل ظهور هذا الطبيب الباحث البريطاني بثمانية قرون، وهذا دليل أنّ تاريخنا الفكري لم يكن متخلفاً ورجعياً طولاً وعرضاً كما يظن الكثير، وإنّما غاص في التخلف بعدما غلب التيار النصوصي نظيره العقلي والفلسفي ، فصرنا نعيش الشعارات الأيديولوجية، والمعارك الوهمية، والجهل المقدس، عوض ركب قطار الحضارة والمعرفة الإنسانية، غير مدركين أنّ الحقائق تبقى حقائق سواء وافقت أهواءنا أم خالفتها.



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فقهاء الربيع العربي: يوسف القرضاوي نموذجاً
- الانحطاط الفكري بقناع التديّن
- حكومات المنابر في زمن أسلحة الخيال العلمي
- المرأة في المتخيّل الديني
- بين وهم المعرفة والتطّرف الديني
- الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان
- عيد يناير والفكر الأصولي
- من نوح الطوفان إلى نوح غانا
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- مصدر يكشف لـCNN محاولات ترامب لتجنب تكرار -اتفاق أوباما- مع ...
- على خطى ترمب.. أوروبا تشدد سياسات الهجرة والترحيل
- إيران تضع -شرطاً- يرتبط بلبنان لإنهاء حربها مع أمريكا وإسرائ ...
- ما الخيارات أمام إسرائيل إذا توصلت إيران والولايات المتحدة إ ...
- 9 شهداء في غارات إسرائيلية استهدفت شققا سكنية بمدينة غزة
- مقتل 3 عسكريين في تحطم مروحية تابعة للبحرية البريطانية
- الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار مؤامرات ورسائل حب ووصفات طبية غا ...
- أين تخفي إيران مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب؟
- محمد بن زايد يلتقي الملك محمد السادس في إطار زيارة خاصة
- ترامب: إيران على وشك توقيع اتفاق.. ومضيق هرمز سيُفتح فورا


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - العفيفي فيصل - نظرية التطور: بين المدرسة العقلية الإسلامية وعلم البيولوجيا