أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - فقهاء الربيع العربي: يوسف القرضاوي نموذجاً















المزيد.....

فقهاء الربيع العربي: يوسف القرضاوي نموذجاً


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8674 - 2026 / 4 / 11 - 18:12
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لم تكن ثورات الربيع العربي لتعرف ذلك المستوى المرعب من العنف والتوحش لولا فتاوى عدد كبير من الفقهاء، وحملاتهم التحريضّية، ولعّل القرضاوي هو كبيرهم حيث تصّدر المشهد بفتاوى خالفت ما هو مُتعارف عليه في المنظومة الفقهية، كيف لا وقد اعتبرها نفحة من نفحات الله تعالى، ورأى أنّ من واجبهم المقدس دعمها، يقول: "دعمناها من منطلق الدور المنوط بالعلماء، أن يقوموا به تجاه دينهم، والأمانة التي وكّلوا بها من قبل الله عزّ وجلّ، فالثورات جاءت لتغيّر واقع الأمة وتنشئها خلقاً آخر، فكان لزاماً على العلماء العاملين أن يشّدوا أزر الشباب، ويقوّوا عودهم"، وفعلاً تغيّر واقع الأمة كما قال ولكن من السيئ إلى الأسوأ.
السؤال الذي يجب طرحه لأمثال هؤلاء الشيوخ، لماذا لم يقوموا بهذا الواجب الديني وبهذه الأمانة التي استودعهم الله تعالى طيلة السنوات الماضية ؟ إذ كانوا في ظّل الأنظمة الحاكمة ومغانم السلطة ومتاعها، فالأصل أنّ النخبة هي من تقوم بعمليات التغيير والإصلاح وقيادة الشعوب، وليس العكس، حيث ينتظرون خروج الشعب لتقرير مصيره، وتقديم التضحيات لإسقاط النظام، ثم يركبون الموجة، والمؤسف أنّ هؤلاء الفقهاء يعيشون خارج الزمن، لأن الشعوب العربية التي تعيش حالياً واقع ما بعد ثوراتها، ليست بحاجة إلى آراء ومساعدة من يعيش زمن ما قبل الثورة.
من المقولات الغريبة للقرضاوي، والتي جاء بها لتبرير التحاقه المتأخر بالثورة، استخفافه بظاهرة الانتحار حتى أضحى قاب قوسين أو أدنى من إباحتها، رغم أنّها من كبائر الجرائم والذنوب، يقول الله تعالى: "ولا تقتلوا أنفسكم إنّ الله كان بكم رحيما"، وجاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنّه من قتل نفسه بحديدة، فإنّه يعّذب يوم القيامة في النار بهذه الحديدة التي قتل بها نفسه، فإصرار القرضاوي على القول: "من ينظر إلى الأمر برمته يجد عذراً لهذا الشاب الذي أقدم على حرق نفسه احتجاجاً، فقد كان غير مالك لإرادته تماماً" لهو مخالفة صريحة للأحكام الشرعية الإلهية الثابتة، ولعّل هذا ما دفع بمؤسسة الأزهر على الردّ عليه، والتحذير من ظاهرة الانتحار التي تفشت بين الثوار، إذ قال ممثل هذه المؤسسة الدينية محمد رفاعة الطهطاوي: "القاعدة الشرعية العامة تؤكد أنّ الإسلام يحرّم الانتحار تحريماً قطعياً لأي سبب كان، ولا يُبيح للإنسان أن يزهق روحه كتعبير عن ضيق أو احتجاج أو غضب".
لم يتحمّل القرضاوي النقد الموجّه له من طرف الكثير من الأعلام، بعضهم كانوا زملاء معه أثناء مسيرته العلمية والدعوية، فقال فيهم: "هؤلاء المشايخ أفسدوا الدين، وكادت فتاواهم الآثمة تفشل الثورات العظيمة للشعوب العربية، التي حررّتهم من العبودية والظلم والبطش"، وهذا مستوى جديد من الخطاب الديني الذي يُفترض أن يكون مثلاً في الفضيلة والأخلاق، وليس وسيلة لرمي العلماء بالفساد والإثم، فقط بسبب الاختلاف في الرأي والتصّورات.
انتقل القرضاوي مع ارتفاع وتيرة الثورات العربية من مجال الفقه إلى مجال النبوءات والكشف الغيبي، حيث وصف اليوم الذي قُتِل فيه معمر القذافي بيوم من أيام الله المباركة، وكيف أنّه كان قد تنبأ بسقوطه، مع يقينه بسقوط كل الطغاة، وهكذا قام بنسب هذه الثورات وما تخللها من سفك للدماء للإرادة الإلهية، وأنّ الغيب هو صانع الثورة وليس الإنسان، مع العلم أنّ هذا الشيخ قبل الثورة كان من المترددين على نظام القذافي في زيارات كثيرة إلى ليبيا، أين يتّم استقباله ومعاملته معاملة الزعماء ورؤساء الدول، ومنه نفهم أنّ القذافي تحوّل في نظر القرضاوي إلى طاغية وظالم فقط يوم اندلاع الاحتجاج الشعبي ضده.
كما وجب التنبيه، أنّ طائرات الحلف الأطلسي (قوات صليبية بالمفهوم الديني الإسلامي) هي التي أسقطت النظام الليبي عسكرياً، ليتّم فيما بعد إعدام القذافي كتحصيل حاصل في الشارع بطريقة همجية شوّهت صورة المسلمين في العالمين، فهل فعلاً يُعّد هذا اليوم مباركاً من الله تعالى في تاريخ الأمة الإسلامية كما يزعم القرضاوي !!
أما عن مستقبل ليبيا، يرى الشيخ القرضاوي: "ننتظر لهم في الفترة القادمة أن يقيموا ليبيا الحديثة ... الجمهورية الإسلامية الديمقراطية المدنية، وليس هناك تعارض بين الإسلامية والديمقراطية والمدنية، فالإسلام يأمر بالشورى، وحقّ الناس في الشورى، وإقامة الشورى في الحياة، شأن أي مجتمع إسلامي ... هذا في القرآن المكي والمدني، وشاورهم في الأمر، فلا تختار إنساناً إلاّ الإنسان الصالح، تختار الأصلح وإن لم يكن لك به أية صلة ... الديمقراطية الحقيقية أن تشهد للحق ... شهادة الزور من الكبائر، اختر أفضل الناس ... هذه هي الأمانة، ولا تختر أناساً زوراً بغير حق ... ولا تكتم الشهادة ..."، وهنا لم يضرب الشيخ عرض الحائط أدبيات التيار الإخواني التي نشأ عليها وعلى رأسها الحاكمية، بل أضاف إلى القاموس الإسلامي مصطلحات حداثية مرفوضة من طرف المنظومة الفقهية، لأنّ القول بالجمهورية يعني السيادة ليست للنص الشرعي، أما المدنية فهي العلمانية أين فصل الدين عن السياسة من أركانها، كما أنّ الديمقراطية تعني حرية الاعتقاد والتعبير بلا قيود، عكس الشرع الذي وضع حدوداً لهذه الحريّات، فعجيب أمر الشيخ الذي يرى عدم وجود تعارض بين العلمانية والشريعة، ولا يفرّق بين الديمقراطية والشورى، بل هو نفسه في كتبه السابقة هاجم الديمقراطية والعلمانية إلى درجة تجريمهما.
وربما أكثر ما صدم العالم الإسلامي في المسألة الليبية أيام الثورة، إباحة دم القذافي بفتوى دينية على المباشر من طرف القرضاوي إذ قال: "وأنا هنا أُفتي من يستطيع من الجيش الليبي أن يُطلق رصاصة على القذافي أن يقتله ويريح الناس من شرّه"، رغم أنّه كان لسنوات طويلة ينتقد الجماعات المتطّرفة التي تبيح اغتيال الحكام والمسؤولين ورجال الجيش والشرطة، بل وكان من أشّد المعارضين لاغتيال أنور السادات الذي وقّع معاهدة كام ديفيد مع الإسرائيليين، وكان في ردوده على هذه الجماعات يستند على أدلة من القرآن والسنة وكتب أعلام المذاهب الأربعة، إلاّ في هذه المرة، فقد أفتى بقتل حاكم عربي مسلم بحجّة إنقاذ الناس من شرّه ! ولعّل الخصومة التاريخية بين القذافي والإخوان المسلمين (القرضاوي من أهّم مراجعهم الدينية) هي الدافع الحقيقي/الخفي لهذا العداء المتجسّد في فتوى خطيرة.
لا يخفى أيضاً على أحد أنّ الحُكم على ثورات الربيع العربي وتصنيفها من اختصاص القرضاوي، فهو الذي يزّكيها ويمنحها الشرعية، أو يُنزلها إلى مستوى الفتنة ووجوب القضاء عليها، والمعيار الذي يقف عليه هو الانتماء الطائفي، وهكذا صار الاحتجاج الشعبي مسموحاً لطوائف محددة، ومُحّرماً على طوائف أخرى، على أساس عقدي ومذهبي، وليس على أساس تحقيق العدل الاجتماعي.
في الأخير، لم تكشف ثورات الربيع العربي هشاشة الأنظمة الحاكمة فقط، بل أيضاً مدى انهيار الضمير الديني بعدما تحوّل بعض رجاله من دعاة هداية إلى محرّضي دماء، كيف لا وقد قاموا بتسليع الفتوى، وتسيّيس المقدس، إلى درجة صار التكفير والقتل لغتهم لتهيّيج الجماهير، وهذا انحراف خطير يُبرز كيف يستطيع رجل الدين إشعال الحرب الأهلية داخل الأوطان حين يغيب عنه الضمير الإنساني والضابط العلمي.
المرجع / محمد بغداد، الفتنة الصغرى: الفتوى الفقهية في زمن الثورات العربية، دار الحكمة، الجزائر. ص 106-128



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانحطاط الفكري بقناع التديّن
- حكومات المنابر في زمن أسلحة الخيال العلمي
- المرأة في المتخيّل الديني
- بين وهم المعرفة والتطّرف الديني
- الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان
- عيد يناير والفكر الأصولي
- من نوح الطوفان إلى نوح غانا
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- بدء جولة جديدة من المفاوضات الثلاثية بين الجمهورية الاسلامية ...
- بابا الفاتيكان لقادة العالم: كفى استعراضا للقوة كفى حربا
- ما هي رهانات زيارة بابا الفاتيكان إلى الجزائر؟
- قائد الثورة الاسلامية يبعث برسالة شكر إلى الأمين العام لحرك ...
- الأردن يدين اعتداءات إسرائيل على المسيحيين في سبت النور بالق ...
- فلسطين تدعو لحماية دولية للمقدسات المسيحية بالقدس
- للمرة الأولى.. بابا الفاتيكان ينطلق لأفريقيا من بوابة الجزائ ...
- للمرة الأولى.. بابا الفاتيكان يبدأ جولة أفريقية من الجزائر
- الاحتلال يشدد إجراءاته في القدس مع احتفالات المسيحيين بـ-سبت ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي ووزير الخارجية الايرانيين يلتقيان ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - فقهاء الربيع العربي: يوسف القرضاوي نموذجاً