أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - بين وهم المعرفة والتطّرف الديني














المزيد.....

بين وهم المعرفة والتطّرف الديني


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8604 - 2026 / 1 / 31 - 23:36
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


أكبر عدو للدين لم يكن الفلسفة، ولا العلم، ولا النقد، ولا حتى الإلحاد، بل تلك الحالة النفسية المرضية التي يتوهّم فيها المتديّن أنه وصل إلى الحقيقة النهائية، وهذا ما يسمى في علم النفس بوهم المعرفة، ويتجلى هذا المرض الخطير في اللحظة التي يتحوّل فيها الإيمان إلى ادّعاء امتلاك معرفة الله، وحقّ إصدار الأحكام على البشر باسمه.
الغريب أن أكثر التيارات الإسلامية المعاصرة عداوة للعقل تتصرف وكأنها الوريث الشرعي والوحيد للتراث الإسلامي، بينما التراث نفسه قواعده مؤسسة على الشك والسؤال والنظر، فمثلا أهل السنة الأشاعرة وخصومهم المعتزلة، ورغم خلافاتهم العميقة إلاّ أنّ بينهما اتفاق على أنّ الإيمان لا يكون على التقليد الأعمى، بل على النظر العقلي، فالمعتزلة جعلوا العقل أصلًا في معرفة الله، والأشاعرة قالوا صراحة إن النظر واجب شرعي، وأنّ الإيمان الموروث بلا تفكير إيمان ناقص.
يمكن القول أنّ كبار متكلمي الإسلام كانوا ضد وهم المعرفة، وضد فكرة إتباع السلف بلا نقد، وضد ما يُعرف بقيل لنا وقال الشيخ فلان بلا مراجعة موضوعية، والشاهد إدراكهم أنّ العقيدة التي لا تمّر عبر العقل تتحوّل إلى خرافة، وأنّ الإيمان الذي لا يُمتحن بالشك هش ومُهدد بالسقوط، ولذلك لم يخافوا السؤال والجدل والمناقشة، بل جعلوه جزءا من العلم والعبادة.
لعّل تجربة أبي حامد الغزالي تُعّد أقوى صفعة تاريخية في وجه كل مُدعي اليقين، الرجل الذي بلغ أعلى مراتب العلم، ودرّس في أرقى مدارس عصره، أبدا لم يقل عرفتُ فاطمأننت، بل قال شككتُ في كل شيء، شكّ في الحواس، في العقل، في الموروث، ثم قام بهدم البناء كله ليس ليكفر، بل ليبحث وينظر من جديد، والغزالي نفسه يعترف أن اليقين الذي لا يمّر عبر الشك ليس يقينا، بل عادة نفسية مريحة.
الراجح أنّ الخطاب الإسلامي المعاصر يتجنّب استدعاء هذا التراث الجريء إما عن جهل أو خوف، ولهذا قام بتحويله إلى حكايات الأولين، وإلى شعار من أنت لتنتقد فلان وعلان، ليس لأنّ هؤلاء القدماء أكثر فهماً، بل لأن التوقف عن الفهم أسهل من مواصلة البحث، والنتيجة تفرعن الأصولية، وارتفاع صوت التطرّف، حتى صار الآن الباحث والناقد متهماً بالكفر والزندقة، وأضحى السؤال جريمة، والرأي الآخر من المُحرّمات، ولا إشكال في منع كل هؤلاء بالعنف من طرف الأصولي الذي يؤمن أنّ هذا واجبه المقدّس في الأرض (أخطر نتيجة لمرض وهم المعرفة)، فلو عاد الأشاعرة والمعتزلة والغزالي اليوم، لاعتُبروا مشكّكين بل ومن أعداء الدين، وهذه هي المأساة التي نعيشها حاليا (اتهام النظر والتفكير بالكفر، ومباركة الجهل والتقليد الأعمى واعتبارهما من علامات التقوى).
في الأخير، الدين لا يتصادم مع العقل، فلا حاجة لمن يحرسه منه، بل يحتاج في الحقيقة لمن يحميه من وهم المعرفة.



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان
- عيد يناير والفكر الأصولي
- من نوح الطوفان إلى نوح غانا
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- مستوطنون يقتحمون المسجد الأقصى
- الأردن يعلن القبض على منفذي الاعتداء على الكنيسة ويشن ضربات ...
- آخر صانعي أجراس الكنائس في لبنان.. آل نفّاع وحراسة إرث عمره ...
- نهاية المطاردة: القبض على مهاجمي الكنيسة في الأردن
- عشرات القتلى في هجوم مسلح استهدف مسيحيين بإقليم أوروميا الإث ...
- الضفة الغربية: هجرة المسيحيين من الأراضي الفلسطينية
- بزشكيان: الدول الإسلامية قادرة على أن تقدم للعالم نموذجا للع ...
- عشية الانتخابات.. بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية مشددة م ...
- قبل الانتخابات الإسرائيلية.. بن غفير يقتحم المسجد الأقصى
- مراقبون: اليهود الأمريكيون في إسرائيل قد يحسمون انتخابات الث ...


المزيد.....

- محادثات مع الله للمراهقين / نيل دونالد والش
- في ظلال عرفات تأملات في الرحلة الإيمانية المباركة / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- عرفات رحلة الروح من الأرض إلى السماء / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الخروج من الإسلام السياسي / رزيقة عدناني
- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - بين وهم المعرفة والتطّرف الديني