أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - من نوح الطوفان إلى نوح غانا














المزيد.....

من نوح الطوفان إلى نوح غانا


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 21:50
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


بعيدا عن الجدل القائم حول أصل القصص الدينية إن كانت تقارير تاريخية، أو فقط سرديات ذات صبغة ميتافيزيقية، إلا أنها وباتفاق المختصين في علم أنثروبولوجيا الأديان ذات بناءات رمزية كثيفة، ظهرت في سياقات اجتماعية محددة لتخفيف القلق الوجودي من جهة، وتأسيس الهوية الجمعية من جهة أخرى، غير أن الإشكال يبدأ حين تنتقل هذه القصص من مجال الرمز الحكائي إلى مجال العقيدة، ومن أفق القراءات التأويلية، إلى مطرقة لاهوتية صلبة تُستخدم لتحقيق الطاعة والهيمنة.
يرى كلود ليفي ستروس أن القصص الدينية كانت لغة تفكير المجتمعات القديمة أمام ما تواجهه من توترات لا تستطيع فهمها وتفسيرها (الموت، الأمراض، الفياضات، الزلازل ...)، ولهذا لا يجب أن تُفهم حرفيًا وإنما بالمعنى والمقصد، غير أن اللاهوت في مختلف الأديان فعل العكس إذ أبعد القراءة الرمزية لها، وحوّلها إلى حقيقة واحدة نهائية، ثم بنى عليها بشكل مُؤدلج منظومة أحكام وتشريعات لا تقبل النقاش، وهنا لا تعود القصة مجالًا للفهم، بل أداة حكم وتحكّم، ولعّل الأنثروبولوجي ميرسيا إلياد قصد هذا حين أكّد أن الزمن المقدس في الأسطورة يُستحضر كلما أُعيدت القصة، أي أن السرد هو ما يمنح الجماعة ذلك الشعور بالعودة إلى الأصل، وبما أن هذا الاستحضار غالباً ما يكون من طرف مؤسسة دينية أو رجل دين كاريزمي، فإن القصة ستتحوّل إلى سلاح بيد من يحسن إعادة سرديتها، إذ من يملكها يملك حق تعريف الأصل، ومن يُعرّف الأصل له حقّ تحديد المؤمن من الفاسق من الكافر، ومن هي الفرقة الناجية والفرقة الضالة.
لا يمكن حصر أمثلة هذا التحويل في مقال نظراً لكثرة القصص الدينية (قصة الولادة من عذراء، الصعود إلى السماء، الثالوث، الخروج، الفداء، نهاية العالم...)، ولكن لنركّز على قصة الطوفان والسفينة نظراً لتواجدها منذ أديان بلاد الرافدين واليونان والصين إلى الأديان التوحيدية، فمن حيث قراءتها الرمزية هي تعبير عن الخوف الجمعي من الفناء، من الفساد والظلم في العالم ونتيجته العقوبة الإلهية، وعن الحلم بإعادة تأسيس عالم مثالي خالي من الشرّ، ولكن من الناحية اللاهوتية والقراءة الحرفية المغلقة لها ستصبح خطاب تهديد متكرر في كل زمان ومكان (نحن سفينة النجاة، ومن يتبعنا فقط سيكون من الناجين)، وبهذا المنطق، لا يعود الطوفان حدثا رمزيا للعبرة، بل وعدا أيديولوجيا بالعقاب، ولعّل مدعي النبوّة نوح غانا هو المثال المعاصر الحيّ على كيفية استغلال الرمز القصصي في الخطاب الديني الشعبوي، حيث نجح في إعادة إنتاج نوح الطوفان كرمز لا بوصفه شخصية تاريخية، والدليل أن النبي نوح في قصته يحاور قومه ويدعوهم بالتي هي أحسن، وصبر على أذى غير المؤمنين برسالته مئات السنين، وكان هو من يصنع السفينة ... غير أن نوح غانا بعدما أفلح في تمرير فكرة فساد العالم، وقرب نهايته، والنجاة لا تكون سوى بركوب سفينته، قام بتبرير القطيعة مع فئات المجتمع غير المصدقة له باسم السماء، وشرعنة الإقصاء باسم الإيمان، وجمع ملايين الدولارات باسم الامتثال لأوامر الرب، ونجح في إعادة إنتاج ثنائية “نحن الناجون” و“هم الغارقون” في مجتمعات إفريقية تعاني الفقر المعرفي والاقتصادي، وتُعلّق آمالها في الهوس الديني، وبالتالي لم يتّم استخدام القصة لفهم الإنسان، بل لإدانته، وإعادة ضبطه، وسرقة ما في جيبه.
في هذا السياق، لم يعّد مهماً التساؤل هل القصة صحيحة تاريخيًا، بل وجب النظر كيف تُستعمل؟ ولصالح من؟ وضد من؟ لأن استدعاء رموز القصص الدينية لتكريس خطاب الكراهية، أو لتخويف الناس من العلم والآخر المختلف والأنثى والعقوبة من السماء، وهذا ما تفعله بعض الحركات الدينية، وما يصنعه بعض الوعاظ، فسنكون أمام لاهوت سياسي مسلّح وليس أمام إيمان بريء، بتعبير آخر، المحك اليوم ليس في نقد القصص الدينية، بل في تحريرها من السجن اللاهوتي، وإعادتها إلى مجالها الإنساني والرمزي، فالأصل فيها نشر الوعي وليس توظيفها لتسيير الجماعة.



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- المقاومة الإسلامية في #لبنان تعلن تدمير 17 دبابة -ميركافا- م ...
- خطاب -أهل الشر-: لماذا يطارد شبح الإخوان تصريحات السيسي المس ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: استهداف مروحية معادية أثناء محا ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان: استهدفنا دبّابة ميركافا قرب الب ...
- حرس الثورة الاسلامية يشن الموجة الـ82 من عملية الوعد الصادق ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان: استهدفنا بقذائف مدفعية تجمعا لج ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان تعلن استهدف 21 دبابة صهيونية خلا ...
- رئيس الكنيست السابق: استهداف المسجد الأقصى سيكون كارثة كبرى ...
- المقاومة الاسلامية في لبنان تعلن استهداف مغتصبة -نهاريّا- بص ...
- المقاومة الإسلامية في لبنان: إستهدفنا تجمعاً لجنود وآليات جي ...


المزيد.....

- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي
- إله الغد / نيل دونالد والش
- في البيت مع الله / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله - ثلاثة أجزاء / نيل دونالد والش
- محادثات مع الله للمراهقين / يل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- صداقة مع الله / نيل دونالد والش
- شركة مع الله / نيل دونالد والش
- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - من نوح الطوفان إلى نوح غانا