أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان














المزيد.....

الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 21:10
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


تُعّد الطقوس الدينية من حيث أصلها مجرد لغة رمزية بين الفرد والمقدّس، إلاّ أنها سهلة المصادرة من طرف السلطة الدينية بتحويلها من فعل روحي فردي إلى أداة ضبط سياسي واجتماعي، أي من شعيرة تربط الإنسان بذاته، إلا رابطة جامعة بين الجماعة والسلطة وهذه هي الأيديولوجية.
في أوروبا خلال القرون الوسطى، لعبت الكنيسة دور الدولة داخل الدولة، حيث على سبيل المثال حوّلت طقس القدّاس من مجرد لقاء روحي إلى طقس إلزامي يحدد موقع الفرد داخل الجماعة المسيحية، والغياب عنه صار شبهة تستحق الاستجواب، أما سرّ الاعتراف، فلم يكن وسيلة خلاص روحي فحسب، بل أداة معرفة دقيقة بحياة الأفراد، ولطالما استخدمته الكنيسة للضبط والتأديب لأنها تعرف كل شيء (الرغبات، الشكوك الفكرية والفلسفية، الحياة العاطفية، الميول السياسية، العلاقات الجنسية ...)، وهكذا تحوّل الطقس إلى جهاز مراقبة يومي للناس، وهو ما مكّن الكنيسة من ممارسة محاكمها التفتيشية على كل من خالف أو شكّك أو قصّر في تنفيذ أوامرها الدينية بتهمة الهرطقة والدفاع عن الإيمان.
بالنسبة لطقس التوبة (صكوك الغفران) والذي يفترض أن يكون مراجعة أخلاقية، فقد حوّلته الكنيسة إلى أيديولوجيا مالية وسياسية (خلاص مقابل المال)، وبهذا الدعم المادي الكبير، تمكّنت من فرض نفوذها سياسيا، ومن بناء الكاتدرائيات، وكذلك تمويل الحروب الصليبية، وبالتالي لم يعد هذا الطقس الديني يربط الإنسان بالله تعالى، بل يربطه بمؤسسة إدارية قوية تتحدث باسم الله، وحتى الحجّ المسيحي لم يسلم من الأدلجة، حيث تحوّلت زيارة الأماكن المقدسة إلى علامة قياس درجة الإيمان والولاء السياسي وخاصة في زمن الحرب مع المسلمين، ولطالما أحرقت الكنيسة من خرج عن هذا الإجماع الطقوسي أو انتقده بتهمة الخيانة الدينية.
حاليا في الغرب ورغم علمانيته، إلا أن الكنائس لا تزال تستغل الطقوس لتمرير أجندات سياسية، وخاصة في الولايات المتحدة من طرف الكنائس الإنجيلية، إذ يتخذ قدّاس الأحد كمنبر للتعبئة السياسية، وتمرير أفكار أحزاب محددة في قضايا مختلفة (الموقف من: فلسطين، المثلية، الإجهاض، التأمينات ...)، وهكذا أضحى الإيمان يُقاس بالتصويت لا بالسلوك الأخلاقي.
في عالم الإسلام السياسي، نجد نفس الآلية تتكرر مع اختلاف اللغة والرموز (الصلاة الجماعية، كيفية الصلاة في المسجد، الحجاب، اللحية، الصوم، صيغة السلام ...)، فلم تعد الشعيرة تُمارس لذاتها، بل لتُرى، أو بصراحة فقد أضحت العبادات شارات انتماء (من دون تعميم)، وهو ما يُفسّر كثرة الفساد وتعدده رغم كثرة المساجد، لأنّ الأخلاق اُختزلت في المظاهر، وإذا أردنا بعض الأمثلة من واقعنا، فإن الصلاة والتي هي فعل فردي في جوهرها (علاقة خاصة بين العبد وربّه)، تحوّلت في خطاب الإسلام السياسي إلى أداة فرز اجتماعي (فلان مواظب على الصلاة في مسجد كذا، إذن هو على المنهج الصحيح، علان يصلي بمسجد كذا، فهو مشكوك في عقيدته: قبوري، مبتدع، شيعي ...)، أما الصوم، فلم يعد تلك التربية الروحية، بل أداة رقابة جماعية، وقضية أمنية، وأخلاقية، ومحاكمات في الشارع وفي المحاكم في حالة إفطار علني.
بالنسبة للحجاب، فهو أكثر ما تمّ استغلاله أيديولوجيا، لأنه في الأصل ممارسة دينية اجتماعية وثقافية متنوّعة، لكن التيارات الإسلاموية حوّلته إلى راية لها، مثلا في إيران بعد الثورة، صار الحجاب قانونا سياسيا لا طقسا دينيا، بينما في تجارب الإخوان المسلمين والسلفية، نجده تحوّل إلى معيار ولاء لمشروعهما الراديكالي، ولم يعّد ذلك الخيار التعبّدي، أو بتعبير آخر، صار جسد المرأة لوحة إشهارية لمختلف الأيديولوجيات، كلما زاد الاحتشام في شكل محدد، كلما زادت شرعية الجماعة التي روجّت لهذا الشكل.
الجامع بين كنائس القرون الوسطى وتيارات الإسلام السياسي اليوم هو منطق نزع الطقس من بعده الروحي، وإعادة حقنه بوظيفة أيديولوجية، فيصير الطقس علامة هوية، وعلى أساس هذه الهوية يُمارس العنف والإقصاء باسم حماية الدين، وفي هذا السياق، لا بأس بالتذكير أن المقال لا ينتقد الأديان وطقوسها، بل ينتقد مُصادرة الإيمان عن طريق الطقوس بتسيّيسها، ما يُفقدها جوهرها الأخلاقي، وهذه هي معركة الحداثي الحقيقية، إذ يرى أن ارتفاع منسوب استعراض الطقوس في مجتمعاتنا من دون عدالة وحرية، يعني أننا أمام أيديولوجيا تتخفّى في لباس الإيمان.



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيد يناير والفكر الأصولي
- من نوح الطوفان إلى نوح غانا
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- الدخول لم يعد مجانا.. كاتدرائية كولونيا الشهيرة تفرض رسوم دخ ...
- وصول الوفد الباكستاني إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمش ...
- الوفد الهندي يصل إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية للمشاركة ...
- السيد يحصد أول تأييد لمرشح لمجلس الشيوخ من منظمة يهودية مناه ...
- إيران في أيام الحداد الكبرى.. الملايين يشيّعون المرشد الأعلى ...
- رئيس البرلمان البنغلاديشي يلتقي رئيس مجلس الشورى الاسلامي مح ...
- وفد من الجماعة الإسلامية ووفد برلماني من بنغلاديش يؤدّيان وا ...
- رئيس مجلس الشورى الاسلامي -محمد باقر قاليباف- خلال لقاء نائب ...
- حرس الثورة الاسلامية: نحذر الأعداء بأن أي أخطاء في الحسابات ...
- حرس الثورة الاسلامية: نحذر الأعداء بأن أي أخطاء في الحسابات ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - العفيفي فيصل - الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان