أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - العفيفي فيصل - الانحطاط الفكري بقناع التديّن














المزيد.....

الانحطاط الفكري بقناع التديّن


العفيفي فيصل

الحوار المتمدن-العدد: 8660 - 2026 / 3 / 28 - 20:13
المحور: اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي
    


صدق من قال أنّ التاريخ يعيد نفسه، لأنّ البشر يميلون إلى تكرار نفس السلوكيات عبر الزمن (التعصّب، الصراع على السلطة، الجشع ...)، كما أنّ المجتمعات التي لا تتعلم من أخطائها السابقة، ستقع مجدداً في نفس الأزمات وخاصة عندما تتشابه الظروف، ويتّم إعادة نفس أنماط التفكير، ولعّل ما يحدث الآن في شمال إفريقيا من أزمة فكرية لها غلاف ديني، هي نفسها تلك الأزمة التي عصفت بالمنطقة خلال حقبة تواجد العثمانيين.
لقد تدهور مجال التحرك العقلي والفكري الفلسفي في العصر العثماني المتأخر وخاصة في شمال إفريقيا، وتراجع كثيراً مستوى التعليم، وانغلق باب الاجتهاد، ولم تكن الخلافات والمناظرات بين أعلام المالكية والحنفية تتجاوز مسائل فقهية تافهة في الأحوال الشخصية، أما في مجال العقيدة، فكانت تدور حول فلان أو علان وزندقته أو استقامته (محاكم التفتيش)، وغالباً ما كانت تتدخل السلطة العثمانية لصالح الطرف الحنفي، ولهذا في المجتمع ساد التديّن السطحي، تديّن يهتم بالمظاهر، ويُعظّم الجزئيات، ويُهمل الأسئلة الكبرى، واجتهاد شغله شكل اللباس، وأساطير الأولين، والمجلدات الضخمة في كيفية الصلاة والصيام، وليس في شكل العقل وجودة الوعي، كما وقعت العقيدة بين مطرقة التصوّف العملي من حضرة ورقص وجذب وذبائح وشعوذة، وسندان السلفية وحرفية فهمهم للنصوص الدينية وما يترتب عن هذا من غلّو وتجسيم وتصادم مع الواقع، ومن هنا تحوّل الدين من قوة تحرير وإبداع إلى أداة تخدير وتصدير للأزمات.
أمام هذا الانحطاط الفكري باسم الدين، والذي تسبّب فيه المدافعون عنه المزعومون، برز بعض الأعلام الناقدين لهذا الوضع المزري، ومنهم محمد البوزيدي الذي قال في علم التوحيد وهو إمام بجامع القصبة في قسنطينة، ضارباً بعرض الحائط غضب الغوغاء، وسخط دراويش التصوّف، وتهديد الفقهاء والسلفية، وبصوت مرتفع من فوق المنبر أنّ المقلّد غير مؤمن، وأنّ العامة مختلف في إيمانها، وأنّ قدرة الله لا تتعلق بتحيّز الجوهر.
هذه العبارة التي أجدها صالحة لزماننا ليست بالفلسفة المعقدة بقدر ما هي صرخة في وجه واقع نعيشه، واقع يُختزل فيه الإيمان إلى المظاهر، والعقيدة إلى عادة، والله إلى فكرة مادية تعالى عما يصفون، فالقول إن المقلّد غير مؤمن لا تعني أبداً تكفير الناس، بل تذكير أنّ الإيمان في جوهره فعل وعي واختيار، وأنّ ترديد ما قاله الأجداد والقدماء دون نقد لا يصنع إيمانا،ً بل قطيعاً بلا عقل، ولهذا فإنّ صلب أزمتنا الفكرية هو الجهل المركب، أي لما يتحوّل الجهل نفسه إيمان.
أما القول إنّ العامة مختلف في إيمانها، فهو اعتراف بواقع مُحرج لا أكثر ولا أقّل، إذ هناك فرق شاسع بين من يؤمن لأنه خائف، ومن يؤمن لأنه فاهم، ومن يؤمن لأنه وُلد في بيئة معينة (إيمان الجغرافيا)، ومن يؤمن لأنه اختار بعد نظر وبحث وتجارب، وهذه الحقيقة تُزعج الخطاب الديني الشعبوي الذي يُقدّس الكثرة، مع العلم أنّ هذه الأخيرة ليست دليلًا على الصواب.
وبالنسبة للجملة التي تمّس أصل الدين وكل أركانه “إنّ قدرة الله لا تتعلق بتحيز الجواهر”، فهذا ضرب وبشكل مباشر لذلك التصّور البدائي الذي يجعل الله تعالى كأنه جسم داخل العالم، أو قوة تتجلى في مكان أو منطقة أو شخص ... هذا التفكير هو الذي يجعل البعض يتخيّل أن الله ينزل بطريقة مادية، أو يحتاج إلى وسطاء وطقوس شكلية ليجيب الدعاء أو ليُسترضى ... وهذا فيه إعادة إنتاج للوثنية بطريقة ضمنية، مع العلم أنّ للعقائد أثر بالغ في تحديد السلوكيات الفردية والاجتماعية.
قد يقول قائل أنّ نقد التراث والخطاب الديني الرجعي عندنا موجود حالياً، بل لا تكاد تجد مكتبة إلاّ وبها مؤلفات مفكرين وباحثين مشروعهم الإصلاح وهذا صحيح، ولكن شتان بين الإمام محمد البوزيدي الذي يعلم أن الإصلاح الحقيقي ينطلق من الأصول وليس الفروع، ولا يخشى في هذا لومة لائم، وبين جماعة محاربة طواحين الهواء.



#العفيفي_فيصل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حكومات المنابر في زمن أسلحة الخيال العلمي
- المرأة في المتخيّل الديني
- بين وهم المعرفة والتطّرف الديني
- الطقوس الدينية ومُصادرة الإيمان
- عيد يناير والفكر الأصولي
- من نوح الطوفان إلى نوح غانا
- الحجاب في دهاليز الإسلاموية
- لماذا ترحمت على سيد القمني ؟
- حيرة في جبل
- الطاهر حداد: المفكر المظلوم
- الجهم بن صفوان: الرجل الثائر
- بين الأمراض النفسية والرقية الشرعية


المزيد.....




- إسرائيل..11 مُصابًا ودمار واسع جراء سقوط حطام صاروخ إيراني ب ...
- الشرطة الفرنسية تحبط محاولة تفجير أمام بنك أمريكي في باريس
- فرنسا تستضيف مسيرة -لا ملوك- مع اتساع الاحتجاجات ضد ترامب
- ما هو حجم الخسائر في المنشآت النووية الإيرانية؟
- إصابة 12 جنديا أمريكيا جراء هجوم إيراني على قاعدة الأمير سلط ...
- عون يندد بمقتل صحافيين بغارة إسرائيلية جنوبي لبنان
- خلف الأبواب المغلقة.. كيف فشل رجال ترمب في منع مغامرة إيران؟ ...
- فانس: حققنا معظم أهدافنا ولسنا مهتمين ببقاء طويل في إيران
- بعد مرور شهر على حرب إيران.. أين وصلت حدود المواجهة؟
- وصول 3500 من قوات المارينز إلى الشرق الأوسط


المزيد.....

- حوار الرفيق ع.الغني القباج مع جريدة -المناضل-ة- / عبد الغني القباج
- عن الجامعة والعنف الطلابي وأسبابه الحقيقية / مصطفى بن صالح
- بناء الأداة الثورية مهمة لا محيد عنها / وديع السرغيني
- غلاء الأسعار: البرجوازيون ينهبون الشعب / المناضل-ة
- دروس مصر2013 و تونس2021 : حول بعض القضايا السياسية / احمد المغربي
- الكتاب الأول - دراسات في الاقتصاد والمجتمع وحالة حقوق الإنسا ... / كاظم حبيب
- ردّا على انتقادات: -حيثما تكون الحريّة أكون-(1) / حمه الهمامي
- برنامجنا : مضمون النضال النقابي الفلاحي بالمغرب / النقابة الوطنية للفلاحين الصغار والمهنيين الغابويين
- المستعمرة المنسية: الصحراء الغربية المحتلة / سعاد الولي
- حول النموذج “التنموي” المزعوم في المغرب / عبدالله الحريف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المغرب العربي - العفيفي فيصل - الانحطاط الفكري بقناع التديّن