أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حنان بديع - هل فاقد الشيء يعطيه؟














المزيد.....

هل فاقد الشيء يعطيه؟


حنان بديع
كاتبة وشاعرة

(Hanan Badih)


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 15:33
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لطالما رددنا العبارة الشهيرة: «فاقد الشيء لا يعطيه»، وكأنها حقيقة لا تقبل النقاش. فإذا حُرم الإنسان الحب، قيل إنه لا يستطيع أن يحب. وإذا افتقد الأمان، قيل إنه عاجز عن منحه للآخرين. وإذا عاش طفولة قاسية، افترضنا أنه سيعيد القسوة نفسها في علاقاته. لكن هل الأمر بهذه البساطة حقًا؟
ربما يكون فاقد الشيء أكثر الناس قدرة على إعطائه أحيانًا، لأنه يعرف، من الداخل، كيف يبدو غيابه،، نحن نعطي أحيانًا ما كنا نتمنى الحصول عليه

هناك أشخاص يبالغون في منح الآخرين الأشياء التي حُرموا منها. ليس بالضرورة بحثًا عن تعويض مباشر، وإنما لأن الحرمان جعلهم أكثر حساسية تجاه احتياجات الآخرين.

الأم التي عاشت طفولة خالية من الاحتضان قد تصبح أمًا لا تبخل على أطفالها بالعناق. والرجل الذي لم يسمع في طفولته كلمات التقدير قد يصبح شريكًا حريصًا على التعبير عن امتنانه. والشخص الذي ذاق الخذلان قد يكون أكثر الناس وفاءً حين يجد من يستحق الوفاء.

كأن الإنسان يقول للحياة، بطريقة غير معلنة: "لن أسمح بأن يتكرر ما حدث لي مع شخص آخر"..
وهنا يتحول الألم إلى وعي، والحرمان إلى حساسية، والتجربة القاسية إلى رغبة في حماية الآخرين منها.

لكن فاقد الشيء قد لا يعطيه أيضًا، فبعض الناس يعيدون إنتاج ما تعرضوا له. الطفل الذي تربى على العنف قد يصبح عنيفًا، والشخص الذي عاش الإهمال قد يهمل الآخرين، ومن لم يعرف الحوار قد يلجأ إلى الصمت أو القسوة كلما واجه خلافًا.
ليس لأن الشر متأصل فيه، ولكن لأن الإنسان غالبًا يعطي من الأدوات التي تعلمها.
وبين جرح يتحول إلى قسوة وجرح يتحول إلى رحمة.. الفرق الحقيقي ربما لا يكمن في الشيء الذي فقدناه، وإنما في الطريقة التي تعاملنا بها مع فقدانه.
هناك من يحمل جرحه كأنه حكم مؤبد، فينقل ألمه إلى الآخرين. وهناك من ينظر إلى جرحه باعتباره درسًا قاسيًا، فيقرر ألا يجعل أحدًا يدفع ثمنه.

وهنا تظهر واحدة من أجمل قدرات الإنسان: أن يكسر سلسلة الألم بدل أن يورثها.
وقد يكون أجمل انتصار يحققه الإنسان على ماضيه أن يمنح الآخرين الشيء الذي ظل يبحث عنه طويلًا، دون أن ينتظر منهم أن يعوضوه عنه.
ففاقد الحنان قد يصبح مصدر حنان.
وفاقد الأمان قد يصبح وطنًا صغيرًا لمن حوله.
وفاقد التقدير قد يكون أول من يصفق للآخرين.
وفاقد الحب قد يكون، أكثر الناس قدرة على الحب.
ليس لأن الجرح لم يؤلمه، بل لأنه قرر ألا يجعل ألمه يؤذي أحدًا بعده.
وهنا فقط، لا يعود فاقد الشيء مجرد شخص حُرم من شيء، بل يصبح إنسانًا استطاع أن يحول نقصه إلى معنى، وألمه إلى رحمة، وما لم يحصل عليه إلى هدية يمنحها للآخرين.



#حنان_بديع (هاشتاغ)       Hanan_Badih#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل الجيل الجديد أقل ذكاءً ؟
- جرس الإنذار الأخير يدق؟
- ما بين القلق والندم ..
- الرحمة بالحيوان ليست ترفاً أخلاقياً
- الندم في مرايا العمر
- أين تُصنع السعادة؟
- حين يسقط الإنسان من امتحان الرحمة
- الفقد الذي لا يُرى
- مذكرات ميتة
- الموت… اللغز الذي يرافقنا منذ البداية
- فنلندا… حيث تُقاس السعادة بهدوء الروح لا بضجيج الحياة
- الحب من طرف واحد
- طفولتنا بين اليوم والأمس
- روايات -بالذكاء الاصطناعي-
- جرحٌ صامت يتوارثه المجتمع
- أعظم خسارة في الحياة
- أشعر أني لست من هذا العالم
- أنواع الآباء والأمهات
- الآثار التكنولوجية إرثنا النهائي
- الغفلة عن اللحظة


المزيد.....




- كشك تصوير في نيويورك.. هل تقود هذه الصور غرباء إلى الحب؟
- رغم فقدانه البصر.. رجل يتحدى واقعه ويصنع خبز التورتيلا في مط ...
- وزير خارجية إيران: لا محادثات مع أمريكا بظل انتهاك مذكرة الت ...
- سوريا تعلن التوصل لاتفاق مع روسيا بشأن مصير قاعدتي حميميم وط ...
- إعلام إيراني: نشر صور للمرشد الأعلى مجتبى خامنئي في أماكن عا ...
- ما مدى قدرة ألمانيا على حماية منشآتها الحيوية ضد المسيرات؟
- -روساتوم- تبدأ في إعادة موظفيها إلى محطة -بوشهر- النووية في ...
- مقاطعة خاركوف.. تدمير مستودعات للأسلحة الأوكرانية
- مقاطعة زابوروجيه.. مدفع هاوتزر الروسي -D-30- يدمر مواقع لقوا ...
- هنغاريا.. خنزير بري ينزل عبر السلم المتحرك إلى داخل محطة الم ...


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حنان بديع - هل فاقد الشيء يعطيه؟