حنان بديع
كاتبة وشاعرة
(Hanan Badih)
الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 17:05
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
في زحام الحياة، حيث تتقاطع الخطوات وتتشابك المصائر، يظل سؤال السعادة معلقًا كغيمة لا تستقر: هل هي قرار نتخذه في صمتنا الداخلي، أم تصميم خفيّ تنسجه المجتمعات من حولنا؟
هل نحن صُنّاع بهجتنا، أم مجرد عابرين في طرق مرسومة سلفًا؟
يذهب أرسطو إلى أن السعادة ليست ومضة عابرة، بل حالة من الاتزان العميق، تُبنى عبر حياة فاضلة، يختار فيها الإنسان أن يكون أفضل نسخة من ذاته. كأن السعادة هنا فعلٌ إرادي، قرار يومي يتكرر في تفاصيل صغيرة: أن تغفر، أن تمتّن، أن ترى الضوء رغم كل ما يحيط بك من ظلال.
وفي زمننا الحديث، يعيد مارتن سليجمان صياغة هذا المعنى بلغة العلم، فيخبرنا أن السعادة مهارة يمكن تعلّمها، وأن الامتنان، والعلاقات، والإحساس بالمعنى، ليست رفاهية، بل أدوات بناء حقيقية لروح أكثر إشراقًا. وكأن الإنسان، مهما ضاقت به الحياة، يملك مفتاحًا داخليًا، إن أحسن استخدامه، فتح له باب الطمأنينة.
لكن، هل يكفي ذلك؟
لنتأمل المدن التي نعيش فيها:
شوارعها، قوانينها، مدارسها، ومستشفياتها… كلها تشارك بصمت في تشكيل مزاجنا اليومي. في مجتمعات تحتفي بالعدالة وتوفر الأمان، يصبح البحث عن السعادة رحلة أقصر وأقل وعورة. وليس عبثًا أن تتصدر دول مثل فنلندا مؤشرات السعادة عالميًا، حيث لا يُترك الفرد وحيدًا في مواجهة قلقه، بل يجد حوله نظامًا يسانده ويمنحه حدًا أدنى من الطمأنينة.
في المقابل، حين يثقل المجتمع كاهل أفراده بالضغوط، ويتركهم في مواجهة عدم اليقين، تتحول السعادة إلى مقاومة يومية، إلى فعل شجاع أشبه بالتمسك بزهرة في قلب عاصفة.
هنا، تتجلى الحقيقة الأكثر إنصافًا:
السعادة ليست خيارًا فرديًا خالصًا، ولا نتاجًا اجتماعيًا صرفًا. إنها مساحة مشتركة، يلتقي فيها ما نملكه من وعي، مع ما يقدمه لنا العالم من فرص.
هي حوار دائم بين القلب والمدينة… بين ما نشعر به، وما نُجبر على عيشه.
قد يستطيع الإنسان أن يخلق لحظة صفاء في أكثر البيئات قسوة، لكن لا يمكن إنكار أن بعض الأمكنة تُسهّل عليه ذلك، بينما أخرى تجعله يدفع ثمنًا باهظًا لكل شعور جميل.
السعادة، إذًا، ليست قرارًا فقط… ولا قدرًا فقط.
إنها ما يحدث عندما يلتقي الوعي الإنساني ببيئة تُحسن احتضانه.
#حنان_بديع (هاشتاغ)
Hanan_Badih#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟