أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حنان بديع - الندم في مرايا العمر














المزيد.....

الندم في مرايا العمر


حنان بديع
كاتبة وشاعرة

(Hanan Badih)


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 18:36
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ليس الندم شعورًا عابرًا كما نظن، بل هو مرآة داخلية تعكس علاقتنا بما عشناه، وما تركناه يفلت من بين أيدينا. وكلما تقدم الإنسان في العمر، تغيّرت طبيعة هذا الشعور، وتبدّلت أسبابه، حتى يصبح الندم في بعض المراحل أكثر عمقًا من الحزن نفسه، لأنه مرتبط بما لا يمكن استعادته.
فالإنسان لا يندم بالطريقة ذاتها في العشرين كما في الأربعين أو السبعين. العمر يغيّر زاوية النظر، ويمنح التجارب معاني جديدة، لذلك يبدو الندم وكأنه يسير بالتوازي مع الزمن، ينضج كلما نضجت الروح.
في مرحلة الشباب، يرتبط الندم غالبًا بالاندفاع. يندم الشاب على قرار متسرع، أو علاقة عاطفية، أو فرصة ضاعت بسبب التردد أو التهور. لكنه ندم سريع الاشتعال وسريع الخفوت أيضًا، لأن العمر ما زال ممتلئًا بالإمكانات، ولأن المستقبل يبدو طويلًا بما يكفي لتعويض الخسائر. في تلك المرحلة، يكون الإنسان مؤمنًا بأن الحياة تمنحه فرصًا لا تنتهي، لذلك لا يخيفه الندم بقدر ما يدفعه أحيانًا إلى المغامرة مرة أخرى.
أما في منتصف العمر، فيصبح الندم أكثر تعقيدًا وهدوءًا. هنا يبدأ الإنسان بمراجعة اختياراته الكبرى: العمل، الزواج، الأحلام التي تم تأجيلها، كثيرون يكتشفون في هذه المرحلة أنهم عاشوا سنوات طويلة لإرضاء الآخرين، أو انشغلوا بالنجاح المادي على حساب ذواتهم. ويبدأ سؤال داخلي قاسٍ بالتشكل: “هل عشت الحياة التي أردتها فعلًا؟”
هذا النوع من الندم لا يرتبط بلحظة واحدة، بل بإحساس ثقيل بأن الوقت يمضي أسرع مما توقعنا، وأن بعض الطرق التي لم نسلكها لن تعود مفتوحة مرة أخرى.
وفي الشيخوخة، يتحول الندم إلى تأمل وجودي عميق. لا يعود الإنسان يندم على الأشياء الصغيرة، بل على ما لم يعشه بالكامل: الحب الذي لم يعبّر عنه، الوقت الذي لم يمنحه لعائلته، القسوة التي مارسها أحيانًا، أو الخوف الذي منعه من أن يكون نفسه. هنا يصبح الندم أكثر هدوءًا لكنه أكثر صدقًا أيضًا، وكأن الروح تعيد قراءة حياتها للمرة الأخيرة.
الغريب أن الندم لا يرتبط دائمًا بالأخطاء، بل كثيرًا ما يرتبط بما لم نفعله أصلًا. فالدراسات النفسية تشير إلى أن الإنسان مع التقدم في العمر يندم أكثر على الفرص التي لم يجربها، لا على التجارب التي خاضها وفشل فيها. ومع ذلك، لا يجب النظر إلى الندم باعتباره شعورًا سلبيًا بالكامل. ففي أحيان كثيرة، يكون الندم علامة على نضج الضمير ونمو الوعي. الإنسان الذي لا يندم أبدًا قد يكون إنسانًا لم يتأمل حياته بما يكفي. فالندم المعتدل يساعدنا على إعادة ترتيب أولوياتنا، ويجعلنا أكثر رحمة بأنفسنا وبالآخرين.
لكن الخطورة تبدأ حين يتحول الندم إلى إقامة دائمة في الماضي، فيفقد الإنسان قدرته على العيش في الحاضر. فالحياة لا تمنح أحدًا نسخة مثالية منها، وكل مرحلة عمرية تحمل أخطاءها الخاصة، لأننا نتخذ قراراتنا دائمًا وفق الوعي الذي نملكه في تلك اللحظة، لا وفق الحكمة التي نكتسبها لاحقًا.
ربما لهذا السبب، يصبح التصالح مع الذات أحد أهم أشكال النضج الإنساني. أن يفهم الإنسان أن حياته لم تكن ناقصة، بل بشرية فقط. وأن الأخطاء ليست دائمًا دليل سقوط، بل أحيانًا دليل محاولة.



#حنان_بديع (هاشتاغ)       Hanan_Badih#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أين تُصنع السعادة؟
- حين يسقط الإنسان من امتحان الرحمة
- الفقد الذي لا يُرى
- مذكرات ميتة
- الموت… اللغز الذي يرافقنا منذ البداية
- فنلندا… حيث تُقاس السعادة بهدوء الروح لا بضجيج الحياة
- الحب من طرف واحد
- طفولتنا بين اليوم والأمس
- روايات -بالذكاء الاصطناعي-
- جرحٌ صامت يتوارثه المجتمع
- أعظم خسارة في الحياة
- أشعر أني لست من هذا العالم
- أنواع الآباء والأمهات
- الآثار التكنولوجية إرثنا النهائي
- الغفلة عن اللحظة
- ما رايكم أيها النباتيون؟
- الهوس الجماعي
- الزوجة العاملة أم ربة البيت؟
- الحياة عندما تصبح رقمية
- عقلية الضحية


المزيد.....




- الحرب الإيرانية تلقي بظلالها على زيارة ترامب للصين
- تحقيق حصري لـCNN.. تفجير واغتيال يكشف دورًا خفيًا لـCIA في ا ...
- -اختاروا جانبًا-.. سفير أمريكي يدعو دول الخليج للاختيار ما ب ...
- اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل اليمن.. قراصنة يقتادون السفينة ...
- شاهد: البرلمان البريطاني يحيي طقسا عمره قرون قبل خطاب الملك ...
- على وقع المفاوضات المتعثرة.. توغلات إسرائيلية جديدة في جنوب ...
- محاطة بطلاب المدارس والأعلام الحمراء.. طائرة ترامب تهبط في ب ...
- فعلها أوزدمير.. أول حاكم ولاية من أصول تركية في ألمانيا!
- وسط مراسم مهيبة... الملك تشارلز يلقي خطاب العرش في ظل غموض ي ...
- ماكرون خلال قمة -أفريكا فورورد- : لم يعد لأوروبا أمولا لمساع ...


المزيد.....

- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حنان بديع - الندم في مرايا العمر