أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرشدة جاويش - مقال نقدي / الفينومين /















المزيد.....

مقال نقدي / الفينومين /


مرشدة جاويش

الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 14:00
المحور: الادب والفن
    


مقال نقدي

الفينومين( الفينومينولوجيا):
من إنارة الظاهرة إلى تجلي النص
دَأَبْتُ في مقارباتي على تجريد المفاهيم النقدية والمنهجية من تعقيداتها لتقديمها في أبسط صورها القرائية بعيداً عن الجفاف الفلسفي أو التمترس خلف المناهج المغلقة
فكثيراً ما يتردد في الدراسات النقدية مصطلح (الفينومينولوجيا) وهو ما يدعونا إلى التوقف عنده لنقارب معناه وسياقه بطريقة يسيرة تنقل للمتلقي جوهر هذا المفهوم كما أدركته ومن خلال رؤيتي القرائية:
فهو لفظ يتكرر بحمولات متعددة تجعله يبدو للوهلة الأولى مفهوماً معقداً أو حكراً على الفلسفات المغلقة غير أن فك الارتباط بين هذا المصطلح وإبهامه يستدعي الوقوف عند معناه الدقيق وتتبع جذوره وتبيان الفرق الحاسم بين الظاهرة الكائنة في الواقع والطريقة التي تتجلى بها في وعينا الإنساني في هذا المقال نتقصى أصل المصطلح ونفصل المستويات المفاهيمية التي مر بها عبر محطاته الرائدة لننتهي إلى كيفية توظيفه نقدياً واستكشاف قيمته المعرفية في قراءة النص الأدبي
الفينومين:
هندسة الظهور ومسارات المعنى في الوعي والنقد:
​تستدعي العودة إلى أصل كلمة (فينومين) نبشاً عميقاً في جذرها اليوناني القديم المشتق من الفعل:
( فَايْ نِينْ) أو (Phainein)
الذي يحيل إلى الإضاءة والإنارة والجلاء وإماطة اللثام عن الحجب فالفينومين في أصله اللغوي والوجودي هو (الظاهرة) أو كل ما يبرز إلى النور ويتجلى للعيان ويفرض حضوراً إدراكياً حياً في مساحة الرؤية والوعي
إنه المعطى المباشر الذي يبدو للحواس والعقل قبل أن يقع تحت طائلة التفسيرات المسبقة أو يُسجن في أطر المفاهيم القبلية
فهو ليس القشرة الخارجية الزائفة التي تخفي خلفها جوهراً غائباً إنما الحقيقة ذاتها وهي تسفر عن وجهها وتعلن عن كينونتها في لحظة التجلي المباشر
فلقد ​تطور هذا المفهوم عبر مسار التاريخ الفكري ليتجاوز حدود الانطباع الحسي العابر مسجلاً تحولات عميقة في كيفية فهمنا للتلقي والإدراك الإنساني
يظهر ذلك جلياً في الأطروحة (الكانتية) التي أرست تمييزاً حاسماً بين الظاهرة والمعرفة بحيث يقرر (إيمانويل كانت) أن العقل البشري غير متصل بالجوهر المجرّد للأشياء في ذاتها
إنما بالطريقة التي تظهر بها تلك الأشياء داخل إطار التجربة والشروط الذاتية للإدراك
مكرساً مقولته المرجعية:
(إننا لا نعرف عن الأشياء إلا طريقتنا في إدراكها) هذا الفهم التأسيسي منح الفينومين موقع البطولة المطلقة في إنتاج المعرفة الإنسانية باعتباره الفضاء الوحيد المتاح للعقل كي يمارس فيه نشاطه وتأملاته
​ثم جاءت الظاهراتية الحديثة لترمّم الفجوة بين الظاهر والباطن محولةً المفهوم من مجرد مقولة معرفية إلى منهج كامل لإعادة اكتشاف العالم والإنسان إذ يتصدر (إدموند هوسرل) هذا التحول العظيم حين رفع شعاره المرجعي الشهير:
(العودة إلى الأشياء ذاتها!) تدعو هذه المقولة إلى تجريد الوعي من الأحكام الجاهزة والنظريات المعلقة عبر عملية القصدية وتعليق الحكم للإنصات المباشر للظاهرة كما تعلن عن نفسها في تجربة التلقي الحية بحيث ينبثق المعنى من أصل العلاقة التفاعلية التي تربط بين الذات المدرِكة والشيء المدرَك
​وتكتمل هذه العمارة الفكرية مع (مارتن هايدجر) الذي نقل /الفينومين/ من المساحة /الإبستيمولوجية/ إلى أفق الوجود معتبراً أن الكينونة ماهي بذاك الموضوع الغامض المختبئ خلف حجب /الميتافيزيقا/ لكنها الحضور الحي الذي يكشف عن نفسه عبر التجربة المعيشة واللغة
إذ يرى أن /الفينومينولوجيا/ هي المنهج الذي يجعل ما يعلن عن نفسه مرئياً ومفهوماً انطلاقاً من ذاته وبنيته الخاصة
​وفي الفضاء النقدي الأدبي يشكل الفينومين زاوية رؤية استثنائية تُخرج النص الإبداعي من خانة الوثائق التاريخية أو المستندات الاجتماعية لتضعه في مقام التجربة المعيشة والحدث الإدراكي المستقل
فالعمل الأدبي يُبتعد به عن أطر الآثار المحنطة التواقة للتنقيب عن نوايا مؤلفها أو ظروف عصره ويتشكل بدلاً من ذلك كـ (فينومين) قائم بذاته داخل وعي القارئ
هنا تلتقي بنية النص البلاغية والإيقاعية والصورية مع قصدية التلقي ليصبح المعنى حدثاً متجدداً يتولد في لحظة القراءة المباشرة متحرراً من أسر الحتميات الإديولوجية أو التحليلات النفسية الإسقاطية
​يتجسد التوظيف النقدي لهذا المفهوم في وقوف الناقد أمام الأثر الفني بموقف من يتلقى الظاهرة في صفائها الأولي معلّقاً كل افتراض سابق ومتابعاً كيفية انشياع الصور والاستعارات وتولّد الدلالات داخل شبكة القراءة يتيح هذا المقترب تحويل عملية التأويل إلى استكشاف مفتوح ومستمر
فالقصيدة أو الرواية تتكشف عبر لغتها وتراكيبها كواقعة إدراكية حية تتجدد وتتسع مع كل قراءة جديدة مما يمنح النقد الأدبي قدرة فائقة على ملامسة جوهر التجربة الجمالية في أرقى صور حركيتها وثرائها
و​تتوّج القيمة
/الفينومينولوجية/ في الممارسة النقدية قدرتها العالية على نقل القراءة من مجرد معالجة شكلية أو انطباع عابر إلى تجربة معرفية وجدانية مكتملة حيث يستعيد العمل الأدبي حريته الكاملة ويتنفس عبر وعي المتلقي بعيداً عن السلطات القبلية والإسقاطات الجاهزة
وماهو أقرب إلى روح القراءة الحرة عن الفينومين:
هو أن تقرأ النص وكأنك تكتشفه للوهلة الأولى تتلقى معناه بعقلك وحسك المباشر دون أن تشغل بالك بالبحث عما يُخفيه الكاتب
أي أن تدع النص يتجلى لك ويكشف عن جماله في لحظة القراءة ذاتها
وبالختام فإن استحضار (الفينومين) كمنهج ورؤية يمنح الباحث والناقد أداة حفر إدراكية عميقة تعيد الاعتبار لصفاء اللحظة الجمالية وترتقي بالعملية التأويلية لتغدو حواراً حياً متجدداً يلامس أعماق الكينونة، ويجعل من كل قراءة جديدة ميلاداً فريداً ومستقلاً للمعنى
فليس الهدف من مقاربة (الفينومينولوجيا) هنا هو إضافة تعقيد جديد لرفوف النقد
إنما استعادة الشغف باللحظة الأولى للتلقي
أن نمنح النص فرصة كي يتحدث عن نفسه ونمنح أنفسنا متعة اكتشاف المعنى وهو يتجلى في وعينا أصفى ما يكون



#مرشدة_جاويش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السؤال الطعين
- هذيان النور
- قدّاس
- التعالق الأجناسي
- على مقام الوجد
- توبة العصف / نص شعري
- ميراث الريح
- ألوان القيامة / شعر
- ألوان القيامة
- يقين الطين
- مقال نقدي
- نسك الضوء
- شعر حداثي
- وهم السحاب
- نص شعري ...محراب الروح
- مقاربة تفكيكية وجودية
- نسيج المَدَر
- الميتافيزيقا الاستعادية
- برزخ الشهد
- إليكِ إلا قليلا قراءة في نص


المزيد.....




- آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست ...
- -خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي ...
- صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
- الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع ...
- -أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا ...
- عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت ...
- نوادر أدبية وفنية في مزاد ليتفوند.. من نيكراسوف المحظور إلى ...
- فنان مصري شهير يعلن اعتزاله التمثيل نهائيا
- رجل يعيش داخل لوحة إعلانية.. نتفليكس تبتكر أغرب دعاية لفيلم ...
- ما علاقة القطط بالكهرباء والفلسفة والأدب؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرشدة جاويش - مقال نقدي / الفينومين /