أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرشدة جاويش - مقاربة تفكيكية وجودية















المزيد.....

مقاربة تفكيكية وجودية


مرشدة جاويش

الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 21:06
المحور: الادب والفن
    


مقاربة تفكيكية وجودية في شعرية الانكشاف المعتم
باستنطاق العدم وتقويض اليقين في نص (المصباح المظلم) للشاعر المصري المبدع محمد أبو عيد
النص:
المصباح المظلم

غيمة رماد ......
أمطار مظلمة .....
النهار يحتاج إلى مصباح !
ابتلع آلاف السنين .......
ومازال عارياً بلا طريق !؟
الأيام التي جمعتها أقدامه في مراياه
ليس فيها غير ذكرى وعدة أكوام من الوهم !
القناع الأليف داخل الدوامة
يقرأ شيئاً من مجهول نعرفه !
في أية عيون انتحرت الدموع النظيفة ؟
غضضت الطرف ؛ لم يكن لي سوى ذلك !
زهرة الندم ....
ذات البساتين والأضواء المطيرة
أراها تجلس على باب الخراب ؛ ممزقة الأغصان
تتسول من الأحجار رعشة ماء !
ماتت على ذراع الجذر الناعس .....
الكوكب ينزف غباراً باردا
ارتدينا النوافذ الثقيلة
بنفيخ النايات أشعلنا الصمت
وتطوفنا حول المدفأة !
زهرة الغفلة عطرها أعمى
العائدون من الجفاف
أغرقوا المشهد في سؤال عقيم
في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف ؟!!
صلاة الأوهام ؛ لن تعيد القميص إلى وجه الأرض
لسنا أنبياء ؛ لا نملك عصفاً في العروق
لم يكن بخوراً هذا الذي أيقظنا به الابتهالات
كانت خمرة خطيرة الأهواء والألوان
على الحبلين ؛ مارسنا كل طقوس الرقص
ارتعش الجذر ؛ اهتزت كل الأغصان
تساقطت أوراق شجرتنا مدينة مدينة
دون أدنى شك
لن نجد ظلاً يواري عرايانا
كل من سقط بمحض إرادته
ليس له من السماء منحة ضوء
المصباح في كف أعمى
لا يمحو شخابيط الظلام
مقدمة منهجية رؤيوية:
إن الولوج إلى فضاء نص "المصباح المظلم" هو محاولة لترميم شتات الوعي الإنساني الذي بات يعاني من "تآكل اليقينيات"
إن هذا النص لم يبرز استعاراته فقط لكنه يضعنا أمام "أنتولوجيا الفشل" عندما يتحول الوجود إلى سلسلة من الانكسارات المتلاحقة التي تبدأ من الرماد وتنتهي بالعمى
فلو تمعنا بالنص نراه ينبثق من أفق تأويلي مركّب يستند إلى تقاطع المنهج التفكيكي مع الرؤية الوجودية لينفتح من خلال ذلك على الحسّ الفينومينولوجي حينها تتحوّل لغة الناص إلى مجال كشف إلى جانب التعبيرية وتتأسس القراءة هنا على استحضار تصوّر الكينونة عند (مارتن هايدغر) حيث الوجود ينكشف عبر القلق والتصدّع وعلى منطق الاختلاف والإرجاء عند (جاك دريدا)
إذ أنّ المعنى يظلّ منزاحاً مؤجّلاً وعلى التوتر العبثي عند (ألبير كامو) بحيث الإنسان يواجه كوناً منزوع الغاية وبهذا يغدو النص فضاء لتنازع الدلالات بحيث العلامة تتحرّك داخل شبكة من الإشارات المفتوحة
إذاً فالنص ينتمي إلى (شعرية الانكشاف) أو (الوجودية المتشائمة) فلقد تعامل الشاعر القدير مع لغته بحرفية لإبراز ملامحها فلم يعتمدها كتشخيص لحالة الوعي المحاصر
فالمنهج المتبّنى هنا هو "الظاهراتية الوجودية" بحيث يُنظر إلى العالم كحالة شعورية تتشكل من خلال "الوعي المأزوم"
فالقصيدة بمعناها ترفض الاستقرار الدلالي وتعتمد "تفتيت الصورة" كآلية للتعبير عن تفتت الذات
الدلالة العنوانية
( المفتاح النصي) :
يبقى العنوان هو "نواة تناقضية" بامتياز لدى شاعرنا
ف​دلالة المصباح هنا : تمثل في الفلسفة الغربية والشرقية رمز (العقل) (الأنوار) و(الهداية) و(المعرفة)
وأما دلالة المظلم :
فهي نفي للوظيفة الوجودية للمصباح
إذاً كنهج فلسفي فإن العنوان يتبنى "العدمية المعرفية" فنحن أمام حالة "عجز الآلة" عن أداء وظيفتها
فهو يُعلن مسبقاً أن "الأدوات" التي نمتلكها لفهم العالم (منطق- عقل- دين) قد فسدت وفقدت قدرتها على الإضاءة
فقيمة المفارقة أنطولوجياً
لل"المصباح المظلم" حين نلمسها كتركيب هي تؤسس منذ البدء لإنقلاب القيم بحيث النور يفقد يقينيته ويتحوّل إلى حامل للعتمة وهذه المفارقة تتجاوب مع تصور (دريدا) حول تقويض الثنائيات حيث أن النور ماعاد ذاك المركز الثابت إنما أصبح جزءاً من لعبة الاختلاف ومن زاوية (هايدغر) يمكن النظر إلى العنوان كعلامة على انحجاب الكينونة حين ذلك فإن أدوات الكشف ذاتها تدخل في دائرة الانطفاء
القراءة التحليلية الشمولية
في (البنية- -والنحو- والسياق)
فلو نظرنا ​للمقطع الأول:
فإننا نحيله إلى "التأسيس العدمي"
كما في ​(غيمة رماد ...... أمطار مظلمة ..... النهار يحتاج إلى مصباح !)
أما عندما نحيله نحوياً :
فالبدء كان بنكرة (غيمة- أمطار) لذلك فهذا يفيد "التعميم" والغموض ومع غياب الفعل في الصدر الأول تتحول الجملة إلى "صورة ثابتة"
وعن تشريحه سياقياً : ف"النهار" هو (الوضوح المطلق)
ومع ذلك يفتقر إلى المصباح (الوسيط)
فكيف يكون هذا ؟! من هنا تكمن المفارقة البنيوية إذا كان النهار يحتاج مصباحاً فهذا يعني أن الشمس (الحقيقة/المطلق) قد غابت أو فقدت دلالتها
أما لو إلتفتنا إلى دلالة الرماد :
فإن الرماد هو النتيجة النهائية للاحتراق
فالبداية ليست "بداية" لكنها "نهاية"
فالشاعر بالتأكيد كان يعني ذلك فلقد نحى نحو تفكك النظام الكوني
كما في:
"غيمة رماد… أمطار مظلمة… النهار يحتاج إلى مصباح"
لتشتغل هذه البداية على هدم البنية الطبيعية للعالم
فالغيمة التي يفترض أن تحمل ماء الحياة ترتبط بالرماد أثر الاحتراق
فيما الأمطار تفقد خصوبتها لذلك يتبدّى هنا ما أشار إليه (كامو) من عبثية العالم بحيث العناصر التي تمنح الحياة تنقلب إلى نقيضها النهار في ذروته الضوئية يغدو محتاجاً كأن الوجود قد فقد توازنه
إذاً تتضح الحرفية العالية في النسيج البنيوي حين ننظر إلى اعتماد الشاعر على "الجملة الاسمية" في مستهل النص حيث "غيمة رماد" و"أمطار مظلمة"
فهذا التشكيل النحوي لم يكن اختياراً عفوياً إنما هو اختيار فلسفي يهدف إلى "تجميد الزمن" فالجملة الاسمية توحي بالثبات والدوام والرسوخ مما يعطي انطباعاً بأن هذه المأساة ماهي بالحدث العابر لكنها حالة وجودية أبدية
هي واقع ثابت لا يزول
وإن انتقاله بعد ذلك إلى الفعل "ابتلع آلاف السنين" يكسر هذا السكون ليحوله إلى "ديناميكية التهام" بحيث يصبح الزمن كائناً مفترساً يبتلع التاريخ وتظل الذات "عارية" وهذا العري النحوي (جاءت مفردة "عارياً" حالاً من ضمير مستتر) هو عري من المعنى
عري من الغطاء الوجودي مما يضع القارئ أمام حقيقة أننا نعيش في "خواءٍ تاريخي"
أما لو استقرأنا المقطع الثاني : فإننا نسقط عليه (الزمن والافتراس)
في جملة
​"ابتلع آلاف السنين ....... ومازال عارياً بلا طريق !؟"
أما عن تحليله بنيوياً:
فالفعل "ابتلع" يسند لفاعل مضمر (الزمن/العدم)
وقيمته النحوية:
"عارياً" حال من ضمير مستتر تقديره (هو)
فالعري هنا لم يكن حسياً إنما هو "عري وجودي"
وعن "أكوام من الوهم" فهو تركيب إضافي يقلب المادي (أكوام) إلى تجريدي (وهم) مما يبرز "ثقل العدم" على كاهل الذات
إضافة نلمح الزمنية والعدم :
أي الامتلاء الذي يقود إلى الفراغ
ونلمسه في:
"ابتلع آلاف السنين… ومازال عارياً بلا طريق"
إن الزمن بالنص يتحول إلى قوة استهلاك
غير أن هذا التراكم يقود إلى انكشاف في ضوء رؤية (هايدغر) بما معناه بأنه يمكن قراءة هذا العراء كحالة انكشاف الكائن أمام ذاته
إذ أن الزمن لم يمنح المعنى لكنه يكشف هشاشته
ف"أكوام من الوهم" تحيل إلى تفكك الذاكرة بما ينسجم مع طرح (دريدا) حول عدم استقرار المرجع حيث الماضي نفسه يصبح بناءً لغوياً متصدعاً
وما نستشفّ معناه في المقطع الثالث:
​"القناع الأليف داخل الدوامة / يقرأ شيئاً من مجهول نعرفه !"
وكدلالة فلسفية: نرى أن "القناع الأليف" استعارة للمألوف الذي نرتديه (الاجتماعي- الثقافي)
​ونلمح ذاك التناقض السياقي في "مجهول نعرفه"
فهنا بنية تناقضية تعبر عن "القلق الوجودي" نحن نعرف حقيقة وجودنا (أننا لا شيء) لكننا نجهلها (نرفض الاعتراف بها)
ف"القناع الأليف داخل الدوامة"
كي تحضرنا هنا رؤية (فريدريك نيتشه) حول الأقنعة بحيث الهوية تُبنى عبر التكرار والتخفي
والألفة تمنح القناع شرعية فيما الدوامة تشير إلى غياب مركز ثابت
والذات حينها تتحرك داخل تعددية لا تستقر
فجملة "مجهول نعرفه" هي عبارة تنتمي إلى منطق الاختلاف حيث المعرفة لا تبلغ يقينها إنما تظلّ على حافة الإدراك
ونستدل بتمعننا :
"في أية عيون انتحرت الدموع النظيفة"
بأنه من خلال هذه الصورة التي تقترب من تصور (جان بول سارتر) حول الحرية المأزومة أن الفعل حتى في أنقى حالاته يتحول إلى اختيار مؤلم
فالدموع التي ترتبط عادة بالتطهير تنقلب إلى فعل تدميري مما يعكس تصدّع البنية الأخلاقية
أما ماتستنطقه دلالياً جملة زهرة الندم:
فمن خلالها تتبدى جمالية التلاشي
في "تتسول من الأحجار رعشة ماء"
إن الصورة هنا تنفتح على أفق عبثي يذكّر بتأملات (إميل سيوران) بحيث الرغبة تتجه نحو المستحيل
نحو مادة فاقدة للحياة
ومن هنا تتجسد ذروة الانكسار بحيث الحياة تطلب نفسها من العدم
وهنا نمنح التأويل في :
"ماتت على ذراع الجذر الناعس" بترسّيخ فكرة عجز الأصل وكأن المنبع ذاته دخل في سبات وجودي
أما عندما نعيد إنتاج ما معناه دلالياً في المقطع الرابع عن : زهرة الندم فهنا نمعن في (أنسنة الجماد) وهذا يحسب للشاعر المبدع القادر على إرسال وقع الجملة في إحالة مدهشة كما في :
​"زهرة الندم .... / ذات البساتين والأضواء المطيرة / أراها تجلس على باب الخراب"
​وحين نسترسل في التحليل النحوي :
فإن إسناد فعل "تجلس"
لـ "زهرة" هو (استعارة مكنية)
فلقد تأصلت ​بنية عميقة حين : "زهرة الندم"
تجاور "باب الخراب"
إذ نلاحظ
التضاد بين "الزهرة
/البساتين" دلالة على (الحياة)
و"الخراب/الأحجار" دلالة على (الموت)
فالتناص هنا يشير إلى "عقم" المحاولة فالندم إذاً لا يثمر في أرض الجفاف
ومانفتحه دلالياً على التأويل أيضاً في المقطع الخامس:
في ​"الكوكب ينزف غباراً باردا / ارتدينا النوافذ الثقيلة / بنفيخ النايات أشعلنا الصمت"
​نجد أن "ينزف غباراً" صورة سريالية تعكس "تفسخ المادة"
و​بنية الفعل "ارتدينا" (نا الفاعلين) تعبر عن المسؤولية الجماعية
"نفيخ النايات أشعلنا الصمت"
هنا تتبلور المفارقة في
إشعال الصمت" والتي تعبر عن محاولة يائسة لصناعة معنى في عالم أصم
ومانقرأه قراءة رمزية في المقطع السادس هو :
نقد الميتافيزيقا (قميص يوسف)
فنرى :
​"في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف ؟!! / صلاة الأوهام ؛ لن تعيد القميص إلى وجه الأرض"
ف​نستشف كتحليل بنيوي الانتقال من الصورة الشعرية إلى "الاستفهام الإنكاري"
وحين نفكك جملة "قميص يوسف" فهي رمز للمقدس والنجاة وإن وضع "قميص يوسف" في "صلاة الأوهام" هو فعل "تفكيكي" جريء بحيث تُسحب القداسة من الرمز وتُوضع في سياق العدم المعاصر وهنا تتمظهر حرفية الشاعر العالية في إحالاته الرمزية وإسقاطاته المجازية الملفتة
فالخلاصة النحوية نراها تتبدى واضحة في :
"لن تعيد" هنا (أداة النفي المطلق) فالقرار هنا نهائي:
أي الرموز الدينية لا تقدم حلولاً لأزمة وجودية علمانية
وكما أخذنا الناص البارع إلى استنباط مانشير إليه
بالإنغلاق الجمعي : أي ارتداء العالم
"ارتدينا النوافذ الثقيلة"
فالصورة تحمل بعداً (هايدغرياً) حيث السكن في العالم يتحول إلى انغلاق
إلى لبس للحدود - النوافذ التي يفترض أن تفتح تغدو جداراً إضافياً بما يعمّق العزلة
ونمعن في التناص وإعادة تفريغ الرمز
"في أية ابتهالات يختبئ قميص يوسف"
ونحاول الإشتغال على تأويلية الرمز الديني الذي نرى بأنه يُعاد تأويله ضمن أفق جديد قريب من قراءة (بول ريكور) بحيث الرمز يحمل فائض معنى
غير أن النص يفرّغ هذا الفائض فيتحول القميص إلى أثر مفقود وتغدو الصلاة عاجزة عن استعادته
والمعجزة تنسحب تاركة خلفها سؤالاً مفتوحاً
إذاً لو دققنا بعمق أكثر كمعالجة سياقية للصورة الشعرية فهي تنطلق من تفكيك الرموز التراثية وهو ما يبرز نضج الشاعر شعرياً وقدرته على تجاوز التناص السطحي حين يطرح"قميص يوسف" فهو لا يستدع القصة الدينية في سياقها الإيماني إنما يستدعيها في سياق "سوسيولوجيا الوهم" إن السؤال "في أية ابتهالات يختبىء قميص يوسف؟" يحول الرمز من "بشارة" إلى مساءلة" فهو أي الناص هنا يسقط قداسة الرمز ويضعه في ميزان الخيبة المعاصرة مؤكداً أن "صلاة الأوهام" لا تملك سلطة التغيير وهذا التوظيف هو "تفكيك" حداثي بامتياز بحيث تتحول الأيقونات الثقافية إلى شواهد على عجزنا فتصير "الأغصان الممزقة" و"زهرة الندم" استعارات لحالة "العقم الإبداعي" الذي تعانيه الذات البشرية حين تجد نفسها مطوقة بجفاف الروح
ونفكك حدثية الطقس العبثي والسقوط التدريجي في:
"على الحبلين مارسنا كل طقوس الرقص"
فهنا الصورة تستدعي هشاشة التوازن حين الفعل يتم فوق فراغ -الطقس بدلاً من أن يمنح معنى يتحول إلى تكرار مهدد بالسقوط في انسجام مع العبث (الكاموي)
وفي "تساقطت أوراق شجرتنا مدينة مدينة"
فالشجرة نقرأها هنا
كرمز للحياة الجمعية وهي تفقد تماسكها تدريجياً في صورة تفكك حضاري ممتد
أما عن العمى باعتباره استعارة معرفية
"المصباح في كف أعمى"
نجد من خلال هذا بأن المفارقة القصوى تتكثف فأداة الكشف تقع في يد فاقد القدرة على الإدراك وهنا تتجلى أزمة المعرفة في أقصى صورها "لا يمحو شخابيط الظلام"
فالظلام يتحول إلى كتابة إلى أثر راسخ والمصباح يعجز عن محوه بما يعمّق الإحساس بسيطرة العتمة
وعن المقطع الأخير يتجلى هنا العجز المطلق :
​"المصباح في كف أعمى / لا يمحو شخابيط الظلام ."​ حين نقرأ بروية فإننا نقترب من : العودة إلى "المصباح" (العنوان)
المصباح موجود لكن "الحامل" أعمى
​ومفردة "شخابيط" هي مفردة عامية/بسيطة تكسر حدة اللغة الفصيحة وهنا تلعب القصدية من قبل الشاعر القدير ليبرز "ضآلة الظلام" وعبثيته فهو لم يكن ذاك الظلام المهيب لكنه "شخابيط" لا قيمة لها ومع ذلك نحن عاجزون عن مسحها
إن هذا النص في بنيته الكلية ليس قصيدة لكنه "بيان وجودي" لقد استطاع الشاعر في هذا النص أن يحقق "وحدة العضوية" فكل فقرة هي لبنة في جدار القلق الذي بناه فلغته تمتاز بـ "التوتر الحاد" فالشاعر لم يصف العالم إنما إنفعل به واختياره للمفردات (رماد- خراب - جفاف - قميص
- شخابيط) يشكل معجماً يسمى"معجم الانكسار" فالنهج السياقي الذي اتبعه في النص ينم عن وعي فائق باللغة بحيث لا توجد كلمة تائهة أو حشو زائد
الجملة عنده هي "وحدة طاقة" تبدأ بانفجار (غيمة رماد) وتنتهي بتلاشٍ (شخابيط الظلام)
لغة هي وثيقة إدانة لكل اليقينيات الزائفة التي نعيشها إنه نص "فيلسوف" لأنه لا يسأل "كيف؟" إنما يسأل "لماذا؟"
وبصمتٍ فجيعٍ لا يجد جواباً تاركاً القارئ في مواجهة المصباح المظلم
وفي خاتمة النص تكتمل الرؤية الفلسفية فالمصباح الذي بدأنا به كعنوان ينتهي وقد صار في "كف أعمى" هذه هي النقطة التي يلتقي فيها البنيوي بالفلسفي بحيث تنغلق الدائرة على نفسها مؤكدة أن المصير هو "الظلام"
إن خاتمة النص هنا لم تكن نهاية للقصيدة لكنها "حكمٌ على الواقع" حكم بالعدمية التي لم تتوظف من باب العبث الفراغي إنما من باب "الصدق الوجودي" الذي يرفض خداع النفس
إن هذا النص يمثل تجربة إنسانية متكاملة يبرز فيها تمكن الشاعر من أدواته ليس فقط في انتقاء المفردات لكن في قدرته الفائقة على حبك "خيوط المعنى" بحيث لا يمكن استخراج فكرة دون أن يتداعى النسيج كاملاً وهي سمة نادرة تدل على وعي عميق بضرورات البناء الشعري الحداثي بحيث تصبح اللغة هي الوجود والوجود هو القصيدة والقصيدة هنا هي"صرخة واعية" في وجه عالم يصر على البقاء في "المصباح المظلم"
فالنص منظومة شعرية عالية الاشتغال حين اللغة ترتقي إلى مستوى يمكن نعته بـ"اللغة الكينونية التأويلية" لغة تتجاوز حدود الوصف لتغدو أداة حفر في طبقات الوجود وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم ضمن أفق متوتر مفتوح على القلق والأسئلة
البنية تكشف عن وعي حاد بمسارات الدلالة كما نوهنا بحيث كل مفردة موضوعة ضمن شبكة دقيقة من العلاقات تتيح لها أن تتوالد دلالياً وتنتج فائضاً من المعنى فالصور لا تأتي للإستعراض لكنها تستنبط كأدوات تفكير تشتغل على تفكيك الواقع وإعادة بنائه
والنهج السياقي يتدرج من الكوني إلى الذاتي ومن الطبيعي إلى الرمزي في حركة انسيابية محكمة تكشف عن شاعر يمتلك قدرة عالية على ضبط الإيقاع الداخلي للنص وعلى قيادة اللغة نحو تخومها القصوى هذا الاشتغال يمنح النص طابعه الفلسفي بحيث أن الشعر يتحول إلى ممارسة تأملية عميقة
فلقد أبهرتنا اللغة التي تتسم بكثافة نادرة وبقدرة على إنتاج المفارقة دون افتعال مما يجعلها لغة مشبعة بطاقة دلالية عالية يمكن إحالتها أيضاً إلى ما يمكن تسميته: "شعرية الانكشاف المعتم" حيث العتمة غير حاجبة للرؤية لكنها تعيد صياغتها وتمنحها عمقاً يتجاوز السطح
بهذا يتأكد حضور الشاعر ضمن أفق حداثي واعٍ يشتغل على تفكيك البنى الجاهزة ويعيد إنتاج اللغة كذات حية نابضة قادرة على ملامسة جوهر الكينونة وإعادة طرح الأسئلة الكبرى بصيغة شعرية تتقاطع فيها الفلسفة مع الجمال في أعلى تجلياتهما

بورك هذا القلم
مودتي والتحايا



#مرشدة_جاويش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نسيج المَدَر
- الميتافيزيقا الاستعادية
- برزخ الشهد
- إليكِ إلا قليلا قراءة في نص
- التشريح الذرائعي قراءة نقدية
- دراسة سيميائية تأولية في شعر أ. خالد الحامد
- مرافئ الذهول / نص شعري
- الإبن الذي لم ألده
- مقام العقيق
- مقالة / انكسار السند
- بنية العلامة الوطنية
- البنية العلاماتية والهوية الجمعية في الشعر الادبي الحديث
- أفق الحجر ودورة الدلالة ..قراءة نقدية
- قطاف الذهول
- دراسة نقدية
- دراسة نقدية تأويلية
- قراءة نقدية
- صلاة الرماد
- نفاق الحبر
- نافذة إلى الاستطيقية


المزيد.....




- بينها العربية.. -ديب إل- تطلق ميزة للترجمة الحية بأكثر من 40 ...
- طوفان السردية الفلسطينية: كتاب جديد يفكك الرواية الصهيونية و ...
- السينما والسياسة: كيف تعكس هوليوود ملامح إدارة ترامب الجديدة ...
- بين المجد والهاوية: كيف دمر الإدمان مسيرة كبار المبدعين في ا ...
- طباطبائي: الإيرانيون ورثة حضارة تمتد لآلاف السنين وثقافة عري ...
- ورق تواليت -كريستالي-.. فنانة باكستانية تنثر البريق في كل مك ...
- -سأجد غيركم-.. الملياردير الفرنسي المحافظ يهدد كتاب دار النش ...
- الاحتلال يفرض سيادة بصرية.. 300 علم ورمز ديني تعيد تشكيل هوي ...
- أموت فارسا ولا أعيش -بندقية-.. كيف أنهى البارود دولة الممالي ...
- تحت ظل الشيخوخة


المزيد.....

- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مرشدة جاويش - مقاربة تفكيكية وجودية