أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الشبح














المزيد.....

قصة قصيرة: الشبح


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 00:20
المحور: الادب والفن
    


يخرجُ من بيته مثقلاً بضيقٍ غامضٍ يعتصر صدره، وكأنَّ التقاعدَ المبكر لم يكن نهايةَ وظيفةٍ فحسب، بل بدايةَ فراغٍ هائلٍ يلتهمُ ما تبقّى من يقينه. كان الوقتُ يمرُّ ثقيلاً عليه، حتى غدت الساعاتُ كأنها جدرانٌ صامتةٌ تُحاصره من كلِّ جانب. لم يستطع أن يُقنع نفسه بأن الحرية التي حلم بها طويلاً يمكن أن تتحول إلى قيدٍ خفيٍّ ينهش الروح ببطء.
وقف أمام المرآة يتأمل ملامحه التي أرهقتها السنوات، يحاول أن يرتّب حياته الجديدة، وأن يُقنع نفسه بأن العالم ما زال يتّسع له. فكّر بأصدقاء قد يكونون مثله، تائهين بين الشيخوخة المبكرة ووحشة الأيام، فالخوف الأكبر لم يكن من الفراغ، بل من أن يتحول الإنسان إلى ظلٍّ منسيٍّ لا ينتظره أحد.
ارتدى ملابسَ نادراً ما يلبسها في الصباحات، متظاهراً أمام أهله بأن لديه ارتباطاتٍ كثيرة، وكأنه يخشى أن يفضحه الفراغ الساكن في داخله. تناول فطوره على عجلٍ، ثم خرج بلا وجهةٍ واضحة؛ فالناس جميعهم يذهبون إلى أعمالهم، أما هو فكان يسير فقط كي لا يشعر أنه توقف عن الحياة.
هبط من شقته الواقعة في الطابق العشرين، وحدّق في لوحة المصعد كأنها تكشف له حقيقةً لم ينتبه إليها من قبل: لقد صار يعيش في عالمٍ مرتفعٍ عن روحه، بعيدٍ عن بساطة الأيام التي عرفها.
ما إن وصل إلى الشارع حتى باغتته دهشةٌ ثقيلة. سياراتٌ غريبة تنساب بصمتٍ عبر ممراتٍ متشعبة، بلا أبواقٍ ولا ضجيج، أغلبها بتصاميم آسيوية غير مألوفة، بعضها يعمل بالطاقة الشمسية من خلال ألواحٍ فوق سطوحها، وأخرى تسير كأنها ذاتية الحركة. الناس يتحركون بسرعةٍ باردة، بلا أحاديث، بلا ملامح مألوفة، كأن أحدهم لا يعرف الآخر.
توقّف مذهولاً وهو يهمس لنفسه:
- أين الوجوه التي ألفتها؟
أزياءٌ غريبة، شاشاتٌ مضيئة تعرض أسماءً بلا ألقاب، وإنسانٌ آليٌّ يسير في الشارع بانتظامٍ أشد من انتظام البشر. رفع بصره نحو أبراجٍ شاهقة تتشابه نوافذها حدَّ التطابق، وجسورٍ معلّقة وطرقاتٍ في الهواء، حتى الأرصفة لم تعد تشبه ما عرفه يوماً. أسفل تلك الأبراج أسواقٌ هائلة، تبدو خالية من البشر، ومع ذلك كانت الحركة تدبّ فيها بلا توقف؛ آلاتٌ تراقب، وأخرى تملأ عرباتٍ صغيرة بالحاجيات، تدخل وتخرج بصمتٍ يشبه صمت المقابر الحديثة. أدار نظره في الشوارع باحثاً عن أعمدة الكهرباء التي اعتاد رؤيتها، فلم يجدها، فتمتم بقلق:
- ترى من اقتلعها في ليلةٍ واحدة؟
ثم وقعت عيناه على شاشةٍ عملاقة كُتب عليها:
"تسهيلات للسفر إلى الفضاء لمدة خمسة أيام… سارعوا بالتسجيل".
ارتجفت روحه، وأخذ يسأل نفسه:
- هل تغيّر العالم إلى هذا الحد؟ أم أنني أنا الذي تأخرت عن الحياة؟
وبينما هو غارقٌ في ذهوله، استوقفه رجلٌ آليٌّ بملابس رسمية وقال ببرود:
- لماذا لا تسير في الممر المخصص للمارة أيها المحترم؟
أجابه مرتبكاً:
-أنا؟
- نعم، أدخل رقم حساب اعتمادك لتحرير غرامةٍ تُقتطع من رصيدك المالي.
حدّق فيه بعينين مرتجفتين:
- ليس لدي حساب… ليس لدي شيء.
نظر حوله باضطراب، ثم تمتم بأسى:
- حتى أماكن شرب الشاي اختفت…
في تلك اللحظة شعر بأن العالم كله يطرده من ذاكرته، وأن الإنسان حين يتوقف عن العطاء يبدأ بالتآكل من الداخل، حتى وإن بقي يتنفس
.راح يراجع نفسه بصمت:
- لا يليق بي أن أعيش أسيراً لفكرة النهاية، ولا أن أتحول إلى رقمٍ مهملٍ على هامش العمر. فالاستسلام موتٌ بطيء، والروح التي تتوقف عن الحلم تجفُّ كما تجفُّ الأنهار المهملة.
وفجأةً استيقظ فزعاً.
كان الحلم ينهار أمامه قطعةً قطعة. أخذ يتلفت حوله بسرعة؛ أثاث البيت كما هو، الجدران نفسها، والصمت القديم ذاته. خرج إلى الشارع الفرعي مسرعاً، فرأى السماء مرصعةً بالنجوم، والمحلات ما تزال مفتوحة، والبيوت القديمة على حالها، والباعة المتجولين يملؤون الأزقة بنداءاتهم المألوفة، تختلط أصواتهم بمنبهات السيارات وضجيج الدراجات النارية.
تنفّس بعمق وهمس:
- إذن… ما زال العالم كما أعرفه.
لكن شيئاً في داخله لم يعد كما كان.
أخذ يردد بصوتٍ خافت:
-ليس التقاعد هو ما أخشاه… بل أن أتقاعد من الحياة نفسها.
ثم شعر بنداءٍ داخليٍّ هادئٍ يتردد في أعماقه:
- لا تمت وأنت حيّ، بل اترك في الحياة أثراً يجعل موتك مجرد غياب جسد، لا غياب معنى.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: وجهٌ في العتمة
- قصة قصيرة: حصاة على الجبين
- قصة قصيرة: حين انحنت العصا
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف


المزيد.....




- فنان مصري شهير يعلن اعتزاله التمثيل نهائيا
- رجل يعيش داخل لوحة إعلانية.. نتفليكس تبتكر أغرب دعاية لفيلم ...
- ما علاقة القطط بالكهرباء والفلسفة والأدب؟
- تنكيل وتعذيب في عرض البحر.. شهادات ناشطي أسطول غزة تفضح الرو ...
- تطور المقامة من اليازجي إلى المويلحي مرورا بسحر القصص التراث ...
- -باص الأحلام-.. تحويل سيارة إسعاف مستهدفة إلى سينما متنقلة ل ...
- مصر.. عمرو دياب يحتفي ببطلة كليب -لولا البنات- في حفله بالعل ...
- مصر.. كشف أثري جديد يوثق آلاف السنين من الاستيطان البشري
- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الشبح