|
|
فلسطين التي يعترف بها العالم… وتضيق على الخريطة
رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات
(Rania Marjieh)
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 18:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ثمة مفارقة قاسية تتشكل أمام أعيننا: في الوقت الذي تزداد فيه فلسطين حضورًا سياسيًا ودبلوماسيًا في الوعي الدولي، تضيق المساحة التي يمكن أن تقوم عليها فعليًا على الأرض.
ولهذا ربما لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا: متى تنتهي الحرب على غزة؟ بل: حين تنتهي الحرب، أيُّ فلسطين ستبقى؟
ليس هذا سؤالًا بلاغيًا، ولا دعوة إلى اليأس. إنه سؤال عن الجغرافيا قبل السياسة. فالدول لا تقوم بالاعترافات والقرارات الدولية وحدها، مهما بلغت أهميتها. الدولة تحتاج إلى أرض متصلة، وشعب قادر على البقاء فوقها، ومؤسسات ذات شرعية، وسيادة ليست مجرد كلمة في بيان دبلوماسي.
وبينما ينشغل العالم بمستقبل غزة، وبمن سيحكمها وكيف ستُعمر وما الترتيبات التي ستلي الحرب، تتشكل في الضفة الغربية والقدس وقائع أقل ضجيجًا من الحرب، لكنها قد تكون أبعد أثرًا منها.
وقد تكون المفارقة التي سيكتب عنها المؤرخون يومًا أن فلسطين كانت تتقدم على خرائط الدبلوماسية، بينما كانت تضيق على خريطة الأرض.
غزة ليست كل فلسطين
لا يمكن الكتابة عن فلسطين اليوم من دون البدء من غزة. حجم الموت والدمار والنزوح جعل القطاع مركز الضمير الفلسطيني والعربي والدولي، وسيبقى ما جرى فيه جرحًا مفتوحًا لأجيال.
لكن هول المأساة يحمل خطرًا سياسيًا آخر: أن تصبح غزة، بفعل فداحة ما جرى فيها، هي القضية الفلسطينية كلها.
فالسؤال عن «اليوم التالي» لا يمكن اختزاله في الجهة التي ستحكم القطاع، ولا في شكل الإدارة، ولا في مليارات إعادة الإعمار. غزة ليست جزيرة سياسية. مصيرها مرتبط بالضفة والقدس، وأي صيغة تعيد بناء غزة بينما تسمح بتفكيك إمكانية الدولة الفلسطينية في بقية الأرض لن تكون حلًا للقضية، بل إعادة ترتيب لأزمتها.
يمكن، مهما بلغت الكلفة، إعادة بناء شارع دمرته الحرب، ومدرسة ومستشفى وبيت. لكن ماذا نفعل إذا أصبحت الجغرافيا نفسها غير قابلة لإعادة البناء؟
الخطر الذي لا يحتاج إلى حرب
في الضفة الغربية لا نرى الصورة اليومية ذاتها التي نراها في غزة، ولذلك يسهل على العالم التعامل مع ما يحدث هناك بوصفه حوادث منفصلة: توسعًا استيطانيًا هنا، اعتداءً هناك، طريقًا جديدًا، حاجزًا، هدم منزل، أو تجمعًا فلسطينيًا يتعرض لضغط متزايد حتى يغادره أهله.
لكن النظر إلى كل واقعة منفردة يحجب المسار الذي تصنعه الوقائع مجتمعة.
خلال السنوات الأخيرة، تعرضت تجمعات فلسطينية، ولا سيما البدوية والرعوية في المنطقة «ج»، لعمليات نزوح كاملة أو جزئية في ظل عنف المستوطنين والقيود على الوصول إلى الأرض، بالتوازي مع استمرار الهدم والتوسع الاستيطاني والقيود على الحركة.
وحين يغادر تجمع كامل، لا يغادر الناس بيوتهم فقط؛ تتغير الخريطة.
فالحدث يحتل العنوان يومًا، أما المسار فهو الذي يصنع الخريطة.
الخطر الحقيقي، إذن، ليس في عدد المستوطنات وحده، بل في الوصول إلى لحظة تصبح فيها الدولة الفلسطينية قابلة للاعتراف دبلوماسيًا، وغير قابلة للحياة جغرافيًا.
ولهذا لم يعد كافيًا أن نسأل ما إذا كان العالم ما زال يؤمن بحل الدولتين. السؤال الأكثر صدقًا هو: هل ما زالت هناك دولتان ممكنتان أصلًا على الأرض؟
القدس: سؤال البقاء
وفي القدس تصبح المسألة أكثر وضوحًا، لأن المسافة بين السياسة والحياة اليومية تكاد تختفي.
في العواصم البعيدة، تُذكر القدس ضمن «قضايا الحل النهائي»، وكأن المدينة تستطيع أن تتوقف عن التغير إلى أن يحين موعد التفاوض عليها.
لكن القدس لا تنتظر المفاوضات.
في حي البستان في سلوان، هُدمت في نهاية مارس خمسة مبانٍ سكنية، وتشردت عائلات فلسطينية من بيوتها. والحي، الذي يعيش فيه أكثر من ألف وخمسمئة فلسطيني، يواجه منذ سنوات مخططات تهدد عشرات الوحدات السكنية.
قد تبدو هذه، في لغة التقارير، أرقامًا عن «الهدم» و«التخطيط» و«التراخيص». لكنها تبدو مختلفة تمامًا حين ننظر إليها من نافذة البيت نفسه.
بالنسبة إلى الإنسان الذي عاش في المدينة، وربّى أبناءه فيها، وبنى ذاكرته في أزقتها، لا تبدأ السياسة بسؤال السيادة، بل بسؤال أكثر بساطة وأشد قسوة: هل سأظل هنا؟
لهذا فإن الصراع على القدس ليس صراعًا على الرموز والمقدسات وحدها، رغم مكانتها الهائلة، بل على إمكانية استمرار الحياة الفلسطينية في المدينة.
فحين يصبح البيت قضية سياسية، والمدرسة قضية سياسية، والإقامة قضية سياسية، يصبح البقاء نفسه فعلًا سياسيًا.
السؤال الذي لا تستطيع إسرائيل تأجيله
يمكن قراءة هذا الكلام باعتباره اتهامًا لإسرائيل، لكن السؤال الذي تواجهه إسرائيل أعمق من الاتهام.
إسرائيل تمتلك تفوقًا عسكريًا هائلًا، وتستطيع فرض وقائع كثيرة على الأرض. لكن القوة تستطيع أن تحدد أين يقف الجندي؛ ولا تستطيع وحدها أن تحدد شكل المستقبل.
ثمة سؤال يمكن تأجيله سنوات، وربما عقودًا، لكنه لا يمكن إلغاؤه: ما مصير ملايين الفلسطينيين الذين يعيشون بين البحر والنهر ويتمسكون بحقوق وطنية وسياسية وإنسانية؟
إذا أُغلقت إمكانية الدولة الفلسطينية عمليًا، فما البديل؟ سيطرة مفتوحة بلا أفق سياسي؟ دولة واحدة بحقوق متساوية للجميع؟ أم واقع دائم يعيش فيه شعبان على الأرض نفسها ضمن منظومات مختلفة من الحقوق والسلطة والسيادة؟
ليس هذا سؤالًا فلسطينيًا فقط. إنه سؤال عن مستقبل إسرائيل نفسها.
فأحد أخطر أوهام القوة أن تتحول القدرة على إدارة المشكلة إلى اعتقاد بأنها حُلّت.
وماذا عنا نحن الفلسطينيين؟
لكن من السهل أيضًا أن نتوقف هنا، وأن نضع المسؤولية كلها خارج البيت الفلسطيني. وهذا لن يكون كافيًا.
لا يمكن أن نطالب العالم بحماية مشروع وطني لا نملك نحن الشجاعة الكافية لإعادة بناء مؤسساته.
فالانقسام الفلسطيني لم يعد خلافًا بين حركتين أو سلطتين أو برنامجين فقط؛ لقد أصبح جزءًا من الأزمة الوجودية للمشروع الوطني نفسه. غزة تعيش واقعًا، والضفة واقعًا آخر، والقدس تقاوم شروطها الخاصة، فيما يحمل الشتات ذاكرة وطن يخشى أن يتحول إلى جزر منفصلة تجمعها الهوية ولا تجمعها السياسة.
ومن هنا تأتي الأسئلة التي لا تقل صعوبة عن تلك التي نوجهها إلى إسرائيل والعالم: من يمثل الفلسطينيين اليوم؟ من يملك شرعية اتخاذ القرار باسمهم؟ وكيف نطالب بدولة ديمقراطية بينما يحتاج نظامنا السياسي نفسه إلى تجديد شرعيته ومؤسساته؟ وما قيمة الوحدة الوطنية إذا بقيت عبارة تظهر في البيانات وتغيب عن بنية القرار؟
ليس نقد الذات تبرئة للاحتلال، كما أن تحميل الاحتلال مسؤوليته لا يمنح النظام السياسي الفلسطيني حصانة من المساءلة. ينبغي أن نستطيع قول الأمرين معًا.
فالشعب الذي يخوض معركة على وجوده فوق أرضه يحتاج أيضًا إلى مؤسسات تستحق ثقته.
عالم يعترف بفلسطين… أي فلسطين؟
وهنا يصل المجتمع الدولي إلى تناقضه الأكبر.
يمكن للدول أن تعترف بفلسطين، وأن ترفع علمها، وأن تؤكد حق شعبها في تقرير مصيره. وهذه خطوات ذات أهمية سياسية وقانونية ورمزية لا ينبغي التقليل منها.
لكن الاعتراف يصبح ناقصًا إذا لم يقترن بحماية الشروط التي تجعل الدولة المعترف بها ممكنة.
فما معنى أن تقول للفلسطيني إن له الحق في دولة، ثم تقف عاجزًا أمام تغير الأرض التي يفترض أن تقوم عليها؟ وما معنى الدفاع عن حل الدولتين إذا لم تكن هناك كلفة سياسية حقيقية لاستمرار الوقائع التي تجعل هذا الحل أكثر صعوبة؟
الدبلوماسية التي تدافع عن فكرة ولا تدافع عن إمكانية تحقيقها تتحول، مع الوقت، إلى إدارة للضمير بدل صناعة للسياسة.
وهذه هي المفارقة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الحرب: أن تصبح فلسطين أكثر حضورًا على خرائط الدبلوماسية، وأقل وضوحًا على خريطة الأرض.
ما بعد الحرب يبدأ الآن
لهذا لا أحب كثيرًا عبارة «اليوم التالي للحرب». فيها شيء مريح، كأن المستقبل ينتظرنا في مكان ما بعد أن تصمت المدافع.
لكن المستقبل الفلسطيني لا ينتظر نهاية الحرب.
إنه يُصنع الآن: في غزة، في شكل النظام الذي سيولد من الركام؛ وفي الضفة، في كل تغيير يمس اتصال الأرض ومستقبلها؛ وفي القدس، في قدرة الفلسطيني على البقاء في مدينته.
ويُصنع إسرائيليًا في الاختيار بين تسوية تاريخية وإدارة صراع بلا نهاية؛ وفلسطينيًا في الاختيار بين إعادة بناء البيت السياسي والاستمرار في انقسام يلتهم القدرة على الفعل؛ ودوليًا في الفارق بين الاعتراف بفلسطين وبين حماية إمكانية وجودها.
ستتوقف الحرب يومًا. ستصمت الطائرات، وستبدأ إزالة الركام، وستوضع خطط الإعمار، وستعود الوفود إلى قاعات الاجتماعات، وسيظهر من جديد ذلك التعبير القديم: «إحياء العملية السياسية».
لكنني أخشى أن يكون السؤال قد تغير يومها.
قد لا يكون السؤال: أين حدود الدولة الفلسطينية؟ بل: هل تركنا لها، طوال سنوات حديثنا عنها، ما يكفي من الأرض والسياسة والوحدة كي تصبح دولة فعلًا؟
فلسطين لا تحتاج فقط إلى أن يعترف بها العالم.
تحتاج إلى ألا يسمح العالم باختفاء إمكانية وجودها بينما يعترف بها.
#رانية_مرجية (هاشتاغ)
Rania_Marjieh#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -
-
لم يعد الوجع يعرف عنواني
-
من كلِّ تجربة… تعلّمت
-
بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: 📝 قراءة في كتاب:- “أ
...
-
الكرسي المقابل
-
ما تركته الغرفة
-
بعد العبور
-
حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
-
بعدَ ورديةِ ليل
-
جيولوجيا الروح
-
جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
-
قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم
...
-
القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال
...
-
خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
-
حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت
...
-
بعد عامٍ ونصف
-
كي لا نورث الخراب
-
صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من
...
-
✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- 🌟 للكات
...
-
باب الأسرار
المزيد.....
-
بعد حوادث مميتة.. إدارة الهجرة الأمريكية تتعهد بتزويد عناصره
...
-
إيران تتحدث عن شرط جديد لإعادة فتح مضيق هرمز.. ما هو؟
-
القانون الإطاري في تركيا: هل تُطوى صفحة الصراع المسلح للأبد؟
...
-
مصدر لـRT: عمان تعلن اتفاقا حول مضيق هرمز خلال ساعات
-
أمير سعودي يرد على أكاديمي إماراتي وسط جدال حول -اتفاق مكة ل
...
-
الأمن اللبناني يوقف ضابطا سوريّا رفيعا من جيش الأسد في بيروت
...
-
مصر تبدأ بتنفيذ ممر عملاق يعيد رسم خريطة التجارة في إفريقيا
...
-
رادارات رومانيا تفشل في رصد مسيرة اتجهت نحو بلغاريا
-
سفير أمريكي سابق يكشف لـ -CNN- الأسباب الكامنة وراء توقيع ات
...
-
أمين مجلس الأمن القومي الإيراني يحدد شروط بلاده على واشنطن ل
...
المزيد.....
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
-
سياسة حفار الساق
/ د. خالد زغريت
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
المزيد.....
|