أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -














المزيد.....

حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -


رانية مرجية
كاتبة شاعرة ناقدة مجسرة صحفية وموجهة مجموعات

(Rania Marjieh)


الحوار المتمدن-العدد: 8786 - 2026 / 8 / 3 - 13:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ليست الحجارة التي ارتطمت بباب الكنيسة الأرمنية في البلدة القديمة مجرد فعل اعتداء على مبنى ديني، بل هي محاولة لإصابة ذاكرة مدينةٍ كاملة. ففي القدس، لا تُستهدف الكنائس لأنها كنائس فحسب، كما لا يُستهدف المسجد الأقصى لأنه مسجد فقط؛ بل لأنهما معًا يشكلان هوية مدينةٍ استعصت، عبر قرون، على كل محاولات اختزالها في رواية واحدة.

الاعتداء الذي طال الكنيسة الأرمنية، بإلقاء الحجارة على مدخلها والبصق على أبوابها، يتجاوز حدود الحادثة الأمنية العابرة. فهو يحمل دلالة رمزية خطيرة، مفادها أن المقدسات لم تعد بمنأى عن خطاب الكراهية، وأن المدينة التي شكّلت نموذجًا للتعدد الديني والثقافي تُدفع، مرة أخرى، نحو مشهد يقوم على الإقصاء بدل الشراكة، وعلى الاستفزاز بدل الاحترام.



والكنيسة الأرمنية ليست مجرد أثر تاريخي في البلدة القديمة، بل شاهد على قرون من الوجود المسيحي الأصيل في القدس، وعلى مساهمة الأرمن في صياغة شخصيتها الثقافية والروحية. ولذلك، فإن الاعتداء عليها لا يمس حجارتها وحدها، بل يمس أحد الجذور العميقة التي قامت عليها المدينة.

ولم يكن هذا الاعتداء حدثًا معزولًا عن سياقه. ففي اليوم نفسه، وثّق التقرير اقتحامات للمسجد الأقصى، واعتداءات على المقدسيين، وإخطارات بهدم منشآت، وتوسعًا استيطانيًا في محيط القدس. وعندما توضع هذه الوقائع جنبًا إلى جنب، فإنها تكشف مشهدًا واحدًا لا سلسلة أحداث منفصلة؛ مشهدًا تتعرض فيه المدينة لضغوط متراكمة تستهدف إنسانها، ومقدساتها، وحيزها التاريخي، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض.

لقد أدرك المقدسيون، على اختلاف انتماءاتهم، أن الدفاع عن الكنيسة ليس شأنًا مسيحيًا خالصًا، كما أن الدفاع عن المسجد الأقصى ليس شأنًا إسلاميًا فحسب. فالقدس لا تُبنى بمقدس واحد، ولا يحميها صوت واحد. وما منح هذه المدينة فرادتها أن أجراس الكنائس لم تكن يومًا نقيضًا للأذان، بل كانت جزءًا من المشهد نفسه، ومن الهوية نفسها، ومن الحكاية نفسها.

غير أن ما يبعث على القلق ليس الاعتداء وحده، بل اعتياد العالم عليه. فحين يصبح البصق على أبواب الكنائس، أو رشقها بالحجارة، خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار، فإن الخطر لا يكمن في الفعل وحده، بل في الصمت الذي يرافقه. فالصمت، في كثير من الأحيان، هو البيئة التي تزدهر فيها الانتهاكات، وهو الذي يحول الاستثناء إلى مألوف، والمرفوض إلى أمرٍ يمكن التعايش معه.

إن حماية الكنائس في القدس لا تنفصل عن حماية المساجد، لأن القضية ليست قضية حجارة، بل قضية معنى. فالمدينة التي احتضنت أقدس المواقع الدينية في العالم لا يمكن أن تبقى وفية لتاريخها إذا تُركت مقدساتها نهبًا للكراهية والاستفزاز. واحترام دور العبادة ليس منحة يمنحها أحد، بل التزام أخلاقي وقانوني، وشرط أساسي للحفاظ على هوية القدس التي قامت على التنوع لا على الإقصاء.

قد يستطيع المعتدون كسر نافذة، أو خدش باب، أو بث الخوف في نفوس المصلين، لكنهم أعجز من أن يعيدوا كتابة تاريخ القدس. فهذه المدينة لم تُعرف يومًا بعدد حجارتها، بل بقدرتها على جمع المختلفين تحت سماء واحدة.

وحين يُرشق باب كنيسة في القدس، فإن الذي يُصاب ليس بابًا خشبيًا ولا جدارًا حجريًا، بل صورة المدينة في ضمير الإنسانية. أما القدس، فستظل مدينة الأجراس والأذان، مهما حاولت الكراهية أن تجعل أحدهما غريبًا عن الآخر.



#رانية_مرجية (هاشتاغ)       Rania_Marjieh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لم يعد الوجع يعرف عنواني
- من كلِّ تجربة… تعلّمت
- بوابات الفقد وأرصفة الذاكرة: ‏ ‏📝 قراءة في كتاب:- “أ ...
- الكرسي المقابل
- ما تركته الغرفة
- بعد العبور
- حين يصبح الخوف مواطنًا دائمًا في الشرق الأوسط
- بعدَ ورديةِ ليل
- جيولوجيا الروح
- جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
- قراءة في رواية «فتى المخيمات.. الطبيب الثائر» لشريف إبراهيم ...
- القصيدة التي تعيد تكوين العالم قراءة في ديوان «طفل مكفّن بال ...
- خالد عز الدين… حارس الذاكرة الفلسطينية
- حين يغيب المسيحي الفلسطيني… من يبقى ليشهد أن هذه الأرض كانت ...
- بعد عامٍ ونصف
- كي لا نورث الخراب
- صوفيّة عصريّة تدمج بين الأرضيّ والسماويّ! قراءة في ديوان -من ...
- ✨قراءة أدبية في رواية -حاملة الصوت- ‏ 🌟 للكات ...
- باب الأسرار
- حين يفقد المجتمع ثقته


المزيد.....




- ترامب عن إلغاء خطة الهجوم على إيران: السعودية لم تكن ترغب في ...
- إيران: لا نجري مفاوضات مع أمريكا حاليا.. ومباحثاتنا مع سلطنة ...
- جنوب لبنان على وقع الانفجارات.. وترامب يكشف موعد استئناف الم ...
- -قنبلة الـ900 كيلوغرام-.. صحيفة أمريكية توثق مقتل مدنيين بغا ...
- حرائق غابات تدمر مئات المنازل قرب سبوكان في ولاية واشنطن
- تقرير يكشف ما دار خلف الكواليس.. الجيش الأمريكي يبحث عن طرق ...
- المغرب يعلن رسميا عن وفاة 11 مهاجرا أثناء محاولتهم العبور إل ...
- السودان: عشرات القتلى بقصف مقر محكمة.. واتهام الجيش بالمسؤول ...
- مصر تصدر بيانا حول إصابات الزلزال
- شيرين عبد الوهاب تظهر لأول مرة بعد غياب (فيديو)


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - رانية مرجية - حين يُرشق باب الكنيسة… تُستهدف القدس -