أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط.















المزيد.....

من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط.


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 23:36
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مقدمة/ في فلسفة التحولات الإقليمية:
في لحظات التحول الكبرى، لا تعلن الأنظمة الإقليمية نهاية عهدها ببيان رسمي، ولا تولد التوازنات الجديدة دائماً عبر مؤتمرات تحمل عناوين تاريخية براقة. الحقيقة الجيوسياسية الثابتة تشير إلى أن التغيرات الهيكلية تبدأ عندما تعيد الدول المحورية تعريف مصالحها العليا، وتُعيد صياغة(عقيدة الردع) الخاصة بها قبل أن تتطابق المفاهيم السياسية مع الواقع الجديد.
من هذه الزاوية تحديداً، تتجاوز (اتفاقية مكة) كونها مجرد ترتيب أمني أو تفاهم دبلوماسي عابر بين أطراف إقليمية، وإنها تُقرأ بوصفها تكثيفاً استراتيجياً للحظة فارقة تضع الشرق الأوسط أمام سؤال مهم هو : (هل يطوي الإقليم رسمياً الحقبة التي تشكلت أعقاب عام 1979، ليبدأ بناء نظام إقليمي قائم على منطق الدولة والردع الذاتي بدلاً من منطق الأيديولوجيا والوكالة؟)

أولاً/ بيئة المرحلة في 1979 والصراع بين مشروعين عابرين للحدود، ولتفكيك التحول الراهن لا بد من العودة إلى اللحظة التأسيسية للنظام الذي احتكم له الإقليم لأكثر من أربعة عقود.
تمثل عام 1979 باختراق جيو-أيديولوجي مزدوج أنتج مشروعين متنافسين، كلاهما سعى لتجاوز جغرافيا (الدولة الوطنية):
▪المشروع الأيديولوجي الثوري (إيران1979):
تأسس عقب الثورة الإيرانية عام 1979، متخذاً من دمج (العقيدة بالجغرافيا) أداة للتمدد. واعتمد هذا النموذج استراتيجياً على ثلاثية:
أ- تصدير الثورة.
ب- الاستثمار في الفراغات السيادية للدول الهشة
ج- تأسيس شبكات وفاعلين من غير الدول ليصبحوا أدوات ردع متقدمة خارج الحدود الإيرانية.

▪المشروع القومي الراديكالي (عراق 1979):
بالتزامن المطلق في عام 1979، صعد إلى سدة الحكم المطلق في بغداد مشروع قومي بعثي، اختزل مفهوم الأمن القومي العربي في (حراسة البوابة الشرقية). سعى هذا المشروع لتقديم القوة العسكرية المباشرة للدولة العراقية كحائط صد صلب ضد التمدد الإيراني، مما أدخل المنطقة في مواجهة جبهوية مباشرة (1980–1988).

النقطة الحاكمة في ذلك النظام:
في ظل تصادم هذين المشروعين العابرين للحدود، اعتمد بقية الإقليم بالكامل على (المظلة الأمنية الخارجية للولايات المتحدة بشكل أساسي) لتجسير الاختلال في ميزان القوى. أدى ذلك إلى ارتهان أمني إقليمي مستدام وتأجيل لبناء بنية دفاعية إقليمية مستقلة.

ثانياً/ انكسار مرحلة 2003 والفراغ الاستراتيجي الكبير:
شكل الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 نقطة التحول الثانية. أدى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية إلى:
انهيار جدار الصد القومي الذي شكل ميزان الردع المباشر طوال عقود.
أ- بروز الفراغ السيادي: تحول العراق من فاعل إقليمي صلب إلى (ساحة جيو-سياسية مفتوحة).

ب- سيادة نموذج الوكالة: تمدد المشروع الأيديولوجي الإيراني ليمتلك نفوذاً عابراً للحدود في (بغداد ، دمشق، بيروت، وصنعاء) مستغلاً ضعف المؤسسات الوطنية وتراجع مفهوم الحوكمة لصالح المليشيات.
لكن العقدين التاليين أثبتا تعثر هذا النموذج، إذ أدخل المنطقة في حالة (نزيف استراتيجي دائم) وحول القوة العسكرية غير الرسمية إلى عبىء على التنمية، مما أوصل الإقليم إلى قناعة حتمية وهي (إن الفاعلين من غير الدول يقدرون على صناعة الأزمات، لكنهم عاجزون تماماً عن بناء نموذج استقرار مستدام.)

ثالثاً/ (اتفاقية مكة): وصعود التكتل الجيواستراتيجي الثالث
في لحظة انكفاء أمني غربي، وتقلب في الضمانات الأمريكية، وتراجع فاعلية أداة (الوكلاء) تأتي اتفاقية مكة بين (السعودية، تركيا، وباكستان) لتعلن ميلاد مشروع إقليمي ثالث يختلف جذرياً عن عقيدة ما بعد 1979.
هذا التحالف لا يستند إلى أيديولوجيا حصرية ولا إلى قومية متطرفة، بل يمثل (واقعية دفاعية مركّبة) تؤسس لردع متعدد الطبقات تتوزع فيه أضلاع التحالف وظيفياً كالتالي:

▪الضلع الأول: السعودية (الطبقة الاقتصادية والسياسية):
توفير المركزية المالية والثقل الدبلوماسي العالمي والقيادة الاقتصادية الشاملة للإقليم، مع الرمزية الدينية والمكانة الجيوسياسية.

▪الضلع الثاني: تركيا (الطبقة التصنيعية والعسكرية الميدانية):
تقديم التفوق التقني في الصناعات الدفاعية والخبرة القتالية والتنفيذية الميدانية وتوفير مظلة ارتكاز ترتبط بعضوية الناتو.

▪الضلع الثالث: باكستان (الطبقة الردعية المتقدمة):
إدخال المظلة النووية والعسكرية البشرية الضخمة لإنشاء معادلة ردع نهائية تحمي كافة أضلاع التحالف من التهديدات العابرة.

التحول الجوهري: تحول هذا المثلث من (المنافسة البيئية على النفوذ) إلى (الإدارة الاستراتيجية المشتركة للإقليم). الاتفاق ينص ضمنياً على استبدال المظلات الأمنية المستوردة بـبنية ردع ذاتية مكتفية.

رابعاً/ العراق والنظام الجديد:
يبقى الاختبار التشغيلي والأكثر تعقيداً لهذه التحولات متمثلاً في العراق.
العراق ليس مجرد جغرافيا ضمن الصراع، بل هو المُختبَر الجيوسياسي الأول:

▪المعادلة القديمة: بقاء العراق ساحة لنفوذ الشبكات العابرة للحدود يعني أن نظام 1979 لا يزال يعيد إنتاج نفسه بأدوات مطورة.

▪المعادلة الجديدة: نجاح بغداد في تحويل موقعها الجغرافي من (ساحة تصفية حسابات) إلى (جسر توازن إقليمي) واستعادة سيادة القرار الوطني يُعد شرطاً مهماً لنجاح مشروع إعادة مركزية الدولة الوطنية.
لأنه تتقاطع مصالح تحالف مكة مع استقرار العراق، فالردع متعدد الطبقات يحتاج إلى ثغرات أمنية أقل في جدار المنطقة، واستعادة العراق لعافيته المؤسسية تغلق الفراغ الاستراتيجي الذي تغذت عليه مشاريع الفوضى.

ختاماً/قواعد اللعبة الجديدة، وإن القول بنهاية النظام الذي ولد عام 1979 يتطلب حذراً تحليلياً، فالقوى التي بنت نفوذها الهيكلي على مدى 40 عاماً لن تتوارى لمجرد تغير الظروف. لكن المؤكد أن (البيئة الحاضنة) لأدواتها قد تغيرت دراماتيكياً.
ولم يعد السؤال المحوري في الشرق الأوسط اليوم هو:
من سينتصر في صراعات العقود الماضية؟، بل أصبح:
من يملك القدرة على بناء نموذج الدولة في الردع الذاتي المستقل واستقرار اقتصادي يُحدد قواعد المرحلة القادمة؟
وقد لا تكون اتفاقية مكة إعلاناً خطابياً عن ولادة هذا النظام الجديد، لكنها بالتأكيد اللحظة التي كشفت فيها القوة الإقليمية أن عقيدة ما بعد 1979 قد انتهت صلاحيتها الاستراتيجية.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة التغير الصامت: رؤية استراتيجية شاملة في نموذج الاتحاد ...
- التوازن الإقليمي الهش وتفكيك التقارب : القراءة الشاملة لتداع ...
- التفكيك الاستراتيجي للحرب بين واشنطن وطهران: عندما اصطدمت ال ...
- أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المش ...
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...
- الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)
- الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواق ...
- مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني ...
- تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية وا ...
- إيران: بوابة السيطرة على المحور الشرقي:(روسيا الصين إيران) ...
- هندسة الملفات الثلاثة: العراق تركيا سوريا. سياق الكل المتك ...


المزيد.....




- العثور على أكثر من 50 جثة متحللة في دار للجنازات بأمريكا.. و ...
- -ليسوا غاضبين مني-.. ترامب ينأى بنفسه عن استياء الناخبين من ...
- -أتمنى أن تكون واضحة وصريحة- .. حمد بن جاسم يعلق على الاتفاق ...
- الحوثيون يعلنون شن هجوم على -قوات سعودية في معسكر صحن الجن- ...
- من سيراقب نزع سلاح حزب الله؟ لبنان وإسرائيل يتفقان على -قائم ...
- سوريا تدين الاعتداءات الحوثية على منطقة نجران في السعودية
- إعلام: إدارة ترامب تدافع عن كنيسة أرثوذكسية روسية في الولايا ...
- مصر.. الداخلية توقف شابا أغضب المصريين ووالدته توجه رسالة مؤ ...
- إصابة عنصر بالجيش اللبناني جنوبي البلاد
- -لدينا حرب يجب خوضها-.. ترامب يطلب من الحاضرين خلال اجتماع ل ...


المزيد.....

- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - من مرحلة 1979 إلى اتفاقية مكة: تحولات العقل الاستراتيجي في الشرق الأوسط.