أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية والارتجال.














المزيد.....

تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية والارتجال.


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 14:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


المقدمة: رحيل الفلاسفة والمفكرين(المؤسسين). ومجيء المرتجلين.
لم تكن الهيمنة الأمريكية التي تلت الحرب العالمية الثانية وليدة الصدفة أو نتاج تفوق عسكري واقتصادي مجرد، بل كانت في جوهرها انتصار (العقل الاستراتيجي الصارم) ذلك العقل الذي تميز بالقدرة على التخطيط العابر للأجيال، وصياغة عقائد سياسية صلبة تتجاوز (دورات الإنتخابات، والاهتمام الزائد، بالإعلام وتغير الرؤساء).
ومع ذلك، يشهد العالم اليوم تحولاً بنيوياً حاداً في سلوك القوة العظمى حيث يتراجع (التخطيط الهندسي بعيد المدى) لصالح (المزاجية الفردية والإرتجال التكتيكي).
إن هذا التراجع هو أزمة شيخوخة مؤسساتية وتآكل في آلة التفكير التي أدارت النظام الدولي لعقود، وصعود لنهج جديد اختزل الجيوسياسية في (صفقات لحظية).

1/العصر الذهبي كان بقيادة الفلاسفة:
في منتصف القرن العشرين، كان القرار الأمريكي يُصنع في غرف معتمة يسكنها (عرابو الاستراتيجية العالمية) فكانت السياسة الأمريكية الداخلية والخارجية هي نتاج عقول رصينة أسست للمفهوم الحديث للأمن القومي.

أ- هندسة الاحتواء: عندما كتب (جورج كينان) برقيته الطويلة عام 1946، أسس لسياسة (الاحتواء) ضد الاتحاد السوفيتي، وهي استراتيجية تبنتها واشنطن على مدى أربعة عقود وتداولها تسعة رؤساء من الحزبين دون إخلال بجوهرها.

ب- ثنائية الواقعية والعمق السياسي: بوجود عمالقة من طراز (هنري كيسنجر) و(زبيغنيو بريجينسكي)تحولت مراكز الأبحاث والمؤسسات الرسمية مثل مجلس الأمن القومي إلى (مصانع للأفكار المجردة) فكان هؤلاء المنظرون يمتلكون رؤية كونية تاريخية وشاملة، يفهمون من خلالها سيكولوجية الخصوم، ويضعون موازين القوى بدقة، ويصيغون شبكات تحالفات قائمة على (الموثوقية المستدامة).

2/تآكل المحرك.. خصخصة الأفكار وتكلس البيروقراطية
تمهيداً للوصول إلى مرحلة الارتجال الحالية، مر العقل الاستراتيجي الأمريكي بمرحلتين من التآكل البنيوي:

أ- تحول مراكز الأبحاث: فرغت الكثير من المؤسسات الفكرية في واشنطن من عمقها الأكاديمي، وتحولت تدريجياً إلى أدوات ل(اللوبيات)ومجموعات الضغط ومصانع السلاح، أو مراكز لإنتاج (أوراق السياسات السريعة) المصممة للاستهلاك الإعلامي والآني.

ب-الشيخوخة المؤسساتية: أصيبت البيروقراطية الأمريكية (البنتاغون، الخارجية، الاستخبارات) بجمود جعلها عاجزة عن ملاحقة عالم رقمي متسارع الصعود. وأمام عجز المؤسسة الضخمة عن التكيف السريع، بدأ التأسيس لـ (تجاوزها ولجوء القرار إلى الدوائر الضيقة).

3/الظاهرة الترامبية: الذروة العلنية لإعلان موت (العقيدة الأمريكية) يمثل صعود الرئيس دونالد ترامب إلى سدة الحكم المحطة التاريخية الفارقة، فهو لم يكن سبباً في تراجع العقل الاستراتيجي بقدر ما كان التجسيد الذروي والإعلان الرسمي عن خراب (الآلية المؤسسية القديمة) في حكم الرئيس ترامب دخلت السياسة الدولية عصر (المزاجية المطلقة) وتفككت العقيدة الأمريكية عبر ثلاثة مسارات جوهرية:

1. من استراتيجية الدولة إلى غريزة الفرد:
تم تهميش الإرث الاستراتيجي التراكمي بالكامل فتحول القرار من نتاج دراسات تقدير الموقف إلى (الحدس الشخصي) للرئيس ومزاجه الفوري لدرجة أن قرارات مصيرية تتأثر بتقرير تلفزيوني أو تغريدة عابرة فتحولت (المزاجية) هنا من ضعف سلوكي إلى أداة حكم معلنة تعطل كوابح المؤسسة التقليدية.
2. اختزال الجيوسياسية في عقلية التاجر:
ألغى النموذج الترامبي المفاهيم الكلاسيكية للهيمنة الأمريكية بعيدة المدى ونفوذ القوة الناعمة واستقرار النظام الدولي، واستبدلها ب(دفتر الحسابات المالي اللحظي)وتحولت السياسة الخارجية إلى (صفقة عقارية)حيث يُقاس الحليف بما يدفعه نقداً الآن، لا بما يمثله من ثقل جيوسياسي في مستقبل الإمبراطورية الأمريكية. هذا الفكر التجاري الفج جعل أمريكا تبدو ك(شركة أمنية خاصة)تبيع خدماتها، مما أفقدها هيبة القائد الدولي.
3. تدمير الموثوقية الاستراتيجية وهيبة الردع
كانت القوة الأمريكية تستمد هيبتها من قدرة الخصوم والحلفاء على (التنبؤ بسلوكها)بناءً على خطوط حمراء واضحة. اعتمد النهج الجديد على (عقيدة الصدمة وعدم التنبؤ)ممزقاً اتفاقيات دولية كبرى أبرمها سلفه بمجرد تغيير الإدارة. هذا الارتجال جعل الحلفاء التقليديين يدركون أن (الضمانات الأمريكية)باتت مرتبطة بمزاج ساكن البيت الأبيض كل أربع سنوات، مما دفعهم للتحوط الاستراتيجي والانفتاح على محاور دولية أخرى تؤمن بالتخطيط طويل الأجل.

الخاتمة: الواقعية السياسية والكلفة الاستراتيجية للمزاجية:
إن خطورة تحول العقل الاستراتيجي الأمريكي من التخطيط الصارم إلى الارتجال والمزاجية لا تكمن في أخلاقية القرارات، بل في كفاءة القوة.
عندما تفقد الدولة الأعظم في العالم قدرتها على المبادرة والتنبؤ وتتحول إلى دولة (تتفاجأ بالأزمات لتصدر ردود أفعال مرتجلة) فإنها تفسح المجال طواعية لملء الفراغ. وفي غسق هذا العقل الاستراتيجي الأمريكي المرتجل، يراقب العالم اليوم صعود محاور دولية وإقليمية أخرى تعيد الاعتبار لسنن التاريخ، وتتحرك بصبر وهدوء وفق خطط خمسية وعشرية صلبة، مراهنة على أن إمبراطورية (الصفقات اللحظية) ستنهكها غريزتها ومزاجيتها في نهاية المطاف.



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران: بوابة السيطرة على المحور الشرقي:(روسيا الصين إيران) ...
- هندسة الملفات الثلاثة: العراق تركيا سوريا. سياق الكل المتك ...
- العقد الاجتماعي الجديد: من الفوضى إلى النظام. ورقة سياسات عا ...
- الفصائل من المحور إلى الدولة ورقة سياسة عامة لإعادة هيكلة ا ...
- كيف يفكر المحلل السياسي؟من قراءة الخبر إلى فهم المعنى السياس ...
- الليبرالية المحافظة. معادلة التوازن بين الهوية الثقافية للمج ...
- دور المؤسسات الدولية في ضبط العلاقات بين الدول وفق المدرسة ا ...
- فلسفة التوقيت السياسي.لماذا تحدث الأحداث في لحظات محددة ؟
- العراق من سيكولوجيا المظلومية إلى صراع الهويات ثم تقاطع المش ...
- مضيق هرمز من ممر للملاحة العالمية إلى ساحة حصار متبادل وتصفي ...
- العراق في قلب العاصفة
- كيف تحمي الليبرالية المحافظة حقوق المجتمع


المزيد.....




- شاهد رد الفعل أثناء الاستعداد لإزالة اسم ترامب من مركز كينيد ...
- كواليس الخلاف الفرنسي الألماني وتعليق خطط تطوير الجيل الجديد ...
- على وقع تفاؤل حذر وصدمة في تل أبيب.. المنطقة تترقب ما ستحمله ...
- -عارٍ عن الصحة-.. الإمارات تنفي تقريراً يزعم الإفراج عن مليا ...
- إسرائيليون يحتفلون بأول مسيرة فخر في تل أبيب منذ هجوم 7 أكتو ...
- إغلاق مداخل المنشآت وزرع ألغام في محيطها.. هكذا تحمي إيران م ...
- قصة أعظم رحالة مسلم في العصور الوسطى
- اتحاد الكرة المصري يكشف تفاصيل أزمة إزالة نجوم البطولات على ...
- دراسة: ألمانيا ستفقد 4 ملايين عامل خلال عقد مع تسارع شيخوخة ...
- رياح شديدة قد تكشف كواكب ملائمة للحياة خارج الأرض


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - مهند المدني - تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية والارتجال.