أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهند المدني - أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المشوهة؟















المزيد.....

أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المشوهة؟


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 02:41
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


هل يعكس العقل البشري حقائق الكون بشفافية مطلقة، أم يحمل في بنيته العميقة تشوهات فطرية ومكتسبة تعيد تشكيل الواقع قبل إدراكه؟
واجه الفكر الأوروبي في مطلع القرن السابع عشر أزمة معرفية حادة، تمثلت في هيمنة (الفلسفة الأرسطية ـــ والمدرسية الكنسية الكاثلوكية)على مناهج البحث، حيث اغترب التفكير في سجالات لفظية وتأملات نظريّة معزولة عن حركة الحياة. للخروج من هذا المأزق، رأى الفيلسوف الإنجليزي (فرنسيس بيكون) ضرورة مراجعة المنهج القديم برمته قبل الشروع في بناء صرح العلم التجريبي الحديث. أسس بيكون نظريته المعرفية على قاعدة (التطهير العقلي) مقدماً تشريحاً دقيقاً للعوائق المعرفية التي أطلق عليها اسم (الأوثان - وانا سميتها: الأوهام)وهي انحيازات متأصلة تحجب البصيرة وتحول دون وصول الإنسان إلى الحقيقة الموضوعية.
تتبلور الخطوة الأولى في المنهج البيكوني حول تخليص الذهن البشري من الميل إلى التسليم الأعمى والأحكام المسبقة. يرى بيكون أن الإنسان، لكي يكون منتجاً ومبتكراً يحتاج إلى تجاوز أربعة أنواع من (الأوهام) التي تتسلط على إدراكه، وتعمل كعدسات مشوهة تفصل بينه وبين قوانين الطبيعة والمجتمع.

1/ أوهام القبيلة (انحيازات الطبيعة البشرية):
يتعلق أول هذه المعوقات بـ (أوهام القبيلة) وهي الأخطاء النابعة من الطبيعة البشرية المشتركة. يميل العقل البشري بطبعه إلى تصوير الظواهر الكونية والأحداث الاجتماعية وفق مقاييسه وقوالبه الخاصة، ويفترض وجود نظام وانسجام في الطبيعة يفوق ما هو قائم فعلياً. يقيس الإنسان هنا الكون على مقاس ذاته، ويسبغ على القوى الخفية والظواهر المعقدة صفات تشبه صفات زعيم القبيلة أو شيخ العشيرة.
إن هذه الأوهام تجعل الجماهير تميل بطبعها إلى التبسيط المخل، والتفتيش عما يؤكد ظنونها المسبقة (الانحياز التأكيدي)، وإسقاط الرغبات الذاتية على الواقع الموضوعي.

2/أوهام العُزلة أو الكهف (التحيزات الفردية والنشأة):
تُشكل (أوهام الكهف) العائق الثاني، وتعكس التحيزات الفردية الناتجة عن التكوين النفسي، والتربية، والبيئة الخاصة بكل إنسان. يعيش كل فرد داخل عزلتهُ الفكرية أو (كهفه الفكري) الخاص الذي تشكل بفعل قراءاته، وميوله، والموروثات العائلية والمجتمعية التي تلقاها منذ الصغر.
يحجب هذا الكهف الفكري والفردي جانباً كبيراً من الحقيقة الكلية، ويجعل الفرد أسيراً لزاوية رؤية محدودة تحد من قدرته على استيعاب الظواهر بموضوعية، حيث يدافع المرء غالباً عن جدران كهفه بصفته الحق المطلق، معتبراً أن كل ما يقع خارج هذا الكهف هو الخطأ والضلال بعينه.

3/ أوهام الشارع (فوضى اللغة والتضليل الشعاري):
أما العائق الثالث فهو (أوهام الشارع) وهو من أخطر الأوهام الناتجة عن التفاعل الاجتماعي واللغوي. تنشأ هذه الأوهام من الاستخدام غير المنضبط للغة، حيث تكتسب الكلمات معاني فضفاضة وشعارات براقة لا يقابلها واقع مادي محدد.
تخاطب هذه الكلمات الرنانة والشعارات العاطفية الغرائز وتدغدغ مشاعر الجماهير، وتحد من قدرة العقول على التحليل المنطقي وتفكيك المفاهيم. وفي واقعنا المعاصر، تتجلى أوهام الشارع في الخطابات السياسية والإعلامية السطحية التي تستبدل الحقائق المادية بالصراخ اللفظي والتخدير الشعاري.

4/أوهام السرديات أو المسرح (القداسة الأيديولوجية والجمود الفكري):
يشير بيكون بمصطلح (أوهام المسرح) إلى العائق الرابع والأخير، المتمثل في النظريات الفلسفية و السرديات القديمة والعقائد الفكرية الموروثة التي تحولت إلى نصوص مقدسة لا تقبل النقاش. تشبه هذه المدارس الفكرية المغلقة المسرحيات التي تقدم عوالم مصطنعة وتفرضها كحقائق نهائية، بما يحول دون اعتماد الباحث على التجربة والواقع المادي لدعم استنتاجاته.
إن أوهام المسرح هي الداء المانع للابتكار، حيث تحول الفكر إلى استعراض للنصوص والمراجع القديمة، بدلاً من إخضاع تلك النصوص والمقولات لاختبار الواقع والنتائج الملموسة.
من التطهير العقلي إلى المنهج الاستقرائي

يصبح الفرد، بعد تطهير العقل من هذه الأوهام الأربعة، مستعداً لتبني (المنهج الاستقرائي) ، ويرفض بيكون المنهج الاستنتاجي القديم الذي يبدأ من مقدمات كلية مفترضة ليصل إلى نتائج جزئية، ويطرح بدلاً منه منهجاً يعتمد على رصد الجزئيات عبر التجربة والملاحظة المباشرة، ليتدرج العقل صعوداً نحو استخلاص القواعد والقوانين الكلية. تمثل التجربة المادية والواقع المعيش هنا المعيار الأساسي لإثبات صحة أي فرضية.
يبرز في سياق التأسيس للمعرفة الحديثة تمايز معرفي حاسم بين تزامنا في الحقبة نفسها:
وقف فرنسيس بيكون مدافعاً عن (التجريبية) معتبراً أن المعرفة تستقى من الاحتكاك المادي بالطبيعة والواقع بعد تحرير العقل من أوهامه.
في المقابل، وقف رينيه ديكارت مؤسساً لـ (العقلانية) إذ رأى أن الاعتماد على الحواس والتجارب المادية مصدر قاصر وقد يكون مضللاً، وجعل من العقل والمنطق الاستنتاجي، انطلاقاً من مبدأ الكوجيتو (أنا أفكر إذاً أنا موجود)، مصدراً أساسياً لإنتاج المعرفة اليقينية بمعزل عن تقلبات الحس.

ختاماً/ راهنية بيكون في عصر الشاشات والفقاعات الفكرية
تمثل أوهام بيكون خطوة تأسيسية في مسار فلسفة العلم، فقد نقلت هذه الأطروحة التفكير الإنساني من فضاء التأملات النظرية والمجادلات الكلامية إلى أرض الاختبار العملي والواقع المادي، مما أسهم في تمهيد الطريق لتطورات العلم الحديث والثورة الصناعية.
إن أهمية أطروحة بيكون لا تكمن فقط في قيمتها التاريخية، بل في راهنيتها الشديدة لمجتمعاتنا اليوم. نحن نعيش في عالم تتضاعف فيه (أوهام الشارع) عبر وسائل التواصل، وتشتد فيه (أوهام الكهف) داخل الفقاعات الفكرية، وتسيطر فيه (أوهام السرديات والمسرح والقبيلة)على الخطابات العامة.
إن النهضة الحقيقية وتفكيك ثقافة العجز والانغلاق لا يبدآن من حشد الشائعات أو التغني بالماضي، بل تبدأ بالجرأة على مراجعة الذات، وإزاحة هذه العدسات المشوهة، لنرى الواقع كما هو.. لا كما نتمنى أو نتوهم أن نراه



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من الأزمة الهيكلية إلى بناء الدولة الحديثة: مقومات وفاعلية ا ...
- هندسة الوعي العراقي: الطريق لتفكيك ثقافة الفساد وبناء المواط ...
- جناية المسلمين: كيف تحول الإسلام من رسالة سماوية ومشروع حضار ...
- الوعي السياسي الليبرالي : خارطة طريق بنيوية للإصلاح الشامل و ...
- هندسة دولية لإستراتيجية جديدة في المنطقة: مضيق هرمز من سلاح ...
- أفق الدولة الحديثة في العراق: بين عدالة الليبرالية المحافظة ...
- تفكيك اللادولة في العراق: وعي امارجي يرصد مشروع الزيدي في تأ ...
- كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق ال ...
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...
- الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)
- الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواق ...
- مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني ...
- تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية وا ...
- إيران: بوابة السيطرة على المحور الشرقي:(روسيا الصين إيران) ...
- هندسة الملفات الثلاثة: العراق تركيا سوريا. سياق الكل المتك ...
- العقد الاجتماعي الجديد: من الفوضى إلى النظام. ورقة سياسات عا ...
- الفصائل من المحور إلى الدولة ورقة سياسة عامة لإعادة هيكلة ا ...
- كيف يفكر المحلل السياسي؟من قراءة الخبر إلى فهم المعنى السياس ...
- الليبرالية المحافظة. معادلة التوازن بين الهوية الثقافية للمج ...


المزيد.....




- عقوبات أمريكية تطال قيادياً في الإخوان المسلمين و3 أفراد و3 ...
- -من سيدخل الجنة؟-.. ساويرس يرد على سؤال مفاجئ
- في ذكرى القديسة أولغا.. الأميرة التي حكمت بالحديد ومهّدت لول ...
- مصر.. سجال ديني وتوضيح من نجيب ساويرس عن رأيه -بمن سيدخل الج ...
- ناشطة إيرانية لـCNN: الجمهورية الإسلامية تدرك أن شعبها هو نق ...
- ألمانيا: تعديلات حكومية بعد تغيير قيادة الكتلة البرلمانية لل ...
- الكويت تدين قيام حشود من المستوطنين باقتحام المسجد الأقصى
- مندوب فلسطين بالأمم المتحدة: التهجير في القدس يكاد أن يُنجز ...
- تحرك دبلوماسي لثماني دول عربية وإسلامية لمواجهة انتهاكات الا ...
- أدانت اقتحام الأقصى.. 8 دول عربية وإسلامية تطالب بتحرك دولي ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مهند المدني - أوهام المعرفة الأربعة: لماذا نرى العالم من خلال عدساتنا المشوهة؟