أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - مهند المدني - كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق الأوسط إلى هامش الأجندات الدولية؟















المزيد.....

كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق الأوسط إلى هامش الأجندات الدولية؟


مهند المدني
سياسي ليبرالي محافظ/ كاتب وباحث في الشأن السياسي العراقي والإقليمي

(Muhannad Al Madani)


الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 15:03
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


من مركزية الصراع إلى هامش الأجندات: قراءة جيوسياسية من نافذة وعي أمارجي في تحولات القضية الفلسطينية ومشهد غزة الراهن.

مقدمة/ عقود طويلة شكّلت فيها القضية الفلسطينية (الرواية المركزية) والناظم الأساسي لمعادلات الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط. لم تكن القضية مجرد ملف حدودي أو نزاع إقليمي، بل كانت بمثابة (ميزان حرارة الاستقطاب الدولي) بين المعسكرين الشرقي والغربي، والرافعة الإيديولوجية والسياسية لأنظمة الحكم في المنطقة. ومع ذلك، يواجه الباحث في الشؤون الاستراتيجية اليوم مفارقة حادة، إذ يبدو أن هذا الملف قد أُزيح — هيكلياً وليس شعبياً — من صدارة الأولويات، ليتحول من (مركز الأحداث) إلى (هامش الأجندات الدولية).
تطرح هذه الدراسة قراءة تفكيكية في أسباب هذا التحول الاستراتيجي عبر عدسة الواقعية السياسية، لتبحث في أبعاد المتغير الميداني، وانتقال مركز الثقل الإقليمي، والتحولات الحاصلة في الأجندات الدولية والإعلامية.

1/الجغرافيا السياسية المعدلة وفلسفة الأمر الواقع:
تنص أدبيات الواقعية السياسية على أن الأرض هي المحدد الأساسي للقوة والمساومة السياسية. إن المتغير الميداني الراهن في قطاع غزة، والمتمثل في فرض سيطرة عسكرية إسرائيلية مباشرة على نحو 60% من مساحة القطاع — عبر هندسة المناطق العازلة ومحاور الفصل الاستراتيجية (مثل محوري نتساريم وفيلادلفيا) وتجريف الحواف — لا يمكن قراءة كل هذا كإجراء عسكري مؤقت، بل كإعادة صياغة بنيوية للجغرافيا السياسية للإقليم.
هذا القضم الجغرافي أدى إلى تفتيت (الكتلة الحرجة للقطاع) وتحويل ما تبقى منه إلى مجموعات معزولة تفقد مقومات الترابط والسيادة.
ومن منظور دولي، هذا الواقع المادي يعيد تعريف الأزمة ليتراجع سقف الطموح الدبلوماسي من البحث عن (حل الدولتين وتثبيت حق تقرير المصير) إلى (إدارة المجموعات المعزولة وتعديل خطوط السيطرة النارية). وبذلك، ينجح هذا المخطط في تحويل القضية الفلسطينية من أفقها السياسي التحرري إلى ملف أمني وإنساني روتيني يُدار عبر المساعدات وإعاشة النازحين، وهو ما يمثل أولى خطوات التهميش الهيكلي.

2/إعادة ترتيب التهديدات وانتقال مركز الثقل الإقليمي:
تتحرك الأجندات الدولية وفقاً لتراتبية الأخطار الأكثر تهديداً للمصالح الحيوية. لعقود مضت كان النظام الإقليمي يرى في غياب حل للقضية الفلسطينية مهدداً وجودياً للاستقرار. أما اليوم، فقد أفرزت الديناميكيات الإقليمية ملفات بديلة حازت على الصدارة:
أ- معادلة المواجهة المباشرة (المركز والأطراف):
في الحسابات الاستراتيجية للقوى الكبرى، جرى تصنيف الفصائل الفلسطينية لسنوات كـ (فاعلين من غير الدول) يتحركون ضمن شبكة إقليمية أوسع. عندما انتقل الصراع إلى طور المواجهة المباشرة مع إيران (كقوة إقليمية مركزية) وعلى جبهات تمتلك قدرات ردع استراتيجية أعقد (كالعمق اللبناني)، أما الآن تحولت غزة تلقائياً في حسابات التفاوض الدولي من (منبع للأزمة) إلى (جبهة ثانوية) يرتبط مصيرها بخرائط النفوذ الكبرى وقواعد الاشتباك الجديدة بين القوى الإقليمية الرئيسية.

ب- بروز الصراعات البينية العربية:
انشغال قوى إقليمية تقليدية بأزماتها الداخلية والقيود الاقتصادية والسياسية المترتبة على ذلك، لتتقلص قدرة (الرافع الإقليمي) على إبقاء الملف الفلسطيني في صدارة الحراك الدبلوماسي العالمي.

3/الجيواقتصاد والهروب نحو المشاريع المستقبلية:
يعيش الشرق الأوسط اليوم حالة انقسام بين نموذجين:
(نموذج الأزمات المستدامة المستنزفة) ونموذج (المشاريع الجيواقتصادية الضخمة) القائمة على الابتكار والتكنولوجيا وتحولات الطاقة في المنطقة.

واصبح المجتمع الدولي وبدافع من المصلحة البراغماتية يميل إلى الانخراط في البيئات التي تقدم شراكات استراتيجية وفرصاً استثمارية تسهم في صياغة النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وهذا التباين خلق نوعاً من (الهروب الاستراتيجي) لدى صناع القرار الدوليين ،حيث يُنظر إلى ملف غزة بوصفه (ثقباً أسود) يستنزف الجهود الدبلوماسية بلا أفق سياسي، مما دفع نحو تسريع مسارات الشراكات الإقليمية العابرة للأزمات التقليدية، واعتبار القضية الفلسطينية ملفاً يمكن تأجيله أو احتواؤه دون أن يعطل حركة قطار التحديث الاقتصادي الإقليمي.

4/تسخير الإعلام الدولي لتطبيع الكارثة الإنسانية في غزة:
لا يمكن فصل التهميش السياسي عن التهميش الإعلامي. إن الانصراف شبه الكامل لوسائل الإعلام العالمية والصحف الفكرية نحو حرب روسيا وأوكرانيا، ورصد التحولات في المنطقة، أو الضربات المتبادلة بين إسرائيل وإيران، والإنشغال بالجنوب اللبناني، يتبع قانوناً إعلامياً وسياسياً صارماً: (الشاشة تتبع مصادر النفوذ والتهديد الاستراتيجي وليس الضحية)مع استمرار الصراع في غزة وتكرار مشاهد التدمير بذات الوتيرة وفي رقعة جغرافية محاصرة، تعرض الرأي العام الدولي لما يُعرف بـ (إجهاد التعاطف) وتحول الحدث إلى (روتين إخباري) يفقد القدرة على إحداث الصدمة أو الضغط على الحكومات. هذا الصمت أو التراجع الإعلامي يُعد أداة سياسية غير مباشرة، تمنح قوة الاحتلال المساحة الزمنية والميدانية لترسيخ وقائع جغرافية جديدة دون التعرض لضغط دبلوماسي حقيقي.

5/صراع القوى الكبرى وتراجع (الشرق الأوسط)في الأجندة الدولية:
على المستوى العالمي، يمر النظام الدولي بمرحلة إعادة تشكيل استراتيجي، فالولايات المتحدة والغرب يعيدون توجيه مواردهم العسكرية والسياسية نحو مناطق الصراع الجيوسياسي الحيوية لمستقبل الهيمنة العالمية: الحرب في شرق أوروبا (أوكرانيا)، والتنافس الاستراتيجي المحموم مع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
في ظل هذه اللوحة المعقدة، تبنت واشنطن سياسة تقليل الخسائر في الشرق الأوسط والحفاظ على (الوضع الراهن) عوضاً عن المغامرة بطرح حلول سياسية كبرى ومكلفة، مما ساهم في عزل ملف غزة وحصره في زاوية (الإدارة الأمنية).

خاتمة واستشراف وعي امارجي:
إن تحول غزة والقضية الفلسطينية إلى هامش الأجندات الدولية ليس نتاج صدفة، إنما هو ثمرة استراتيجية و(إماتة سياسية ممنهجة) تعتمد على فك الارتباط بين عدالة القضية وموازين القوى الفاعلة على الأرض. لقد تحول القطاع بفعل الجغرافيا السياسية المعدلة، والتهميش الإعلامي، وصعود الملفات الإقليمية البديلة، من (لاعب يملك القدرة على فرض شروطه) إلى (موضوع جيو-عسكري مُدار من الخارج).
تضع هذه القراءة الواقعية النخب السياسية والفكرية الفلسطينية والعربية أمام استحقاق مصيري:
إن تكرار أدوات الخطاب الماضي والرهان على (العدالة الأخلاقية للقضية أو التعاطف الإنساني الدبلوماسي) لم يعد كافياً لكسر الطوق. وإن استعادة المركزية تتطلب ابتكار أدوات ضغط جيوسياسية واقتصادية جديدة تفرض القضية كعنصر لا يمكن تجاوزه في أي معادلة صياغة لمستقبل الشرق الأوسط، وبدون ذلك، ستبقى غزة رهينة سيناريو (الاحتواء الروتيني الدائم).



#مهند_المدني (هاشتاغ)       Muhannad_Al_Madani#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وعي أمارجي: يرصد (ملامح المنافسة الدولية في المنطقة العربية ...
- الإمام الحسين منارة المدينة المنورة ومحرابها: الدور الديني و ...
- الشباب والتغيير السياسي في العراق: من نافذة: (وعي سومر)
- الدروس الإستراتيجية من الحرب الأخيرة والمدرسة السياسية الواق ...
- مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران: إعادة هندسة الدور الإيراني ...
- تراجع العقل الاستراتيجي الأمريكي: من التخطيط إلى المزاجية وا ...
- إيران: بوابة السيطرة على المحور الشرقي:(روسيا الصين إيران) ...
- هندسة الملفات الثلاثة: العراق تركيا سوريا. سياق الكل المتك ...
- العقد الاجتماعي الجديد: من الفوضى إلى النظام. ورقة سياسات عا ...
- الفصائل من المحور إلى الدولة ورقة سياسة عامة لإعادة هيكلة ا ...
- كيف يفكر المحلل السياسي؟من قراءة الخبر إلى فهم المعنى السياس ...
- الليبرالية المحافظة. معادلة التوازن بين الهوية الثقافية للمج ...
- دور المؤسسات الدولية في ضبط العلاقات بين الدول وفق المدرسة ا ...
- فلسفة التوقيت السياسي.لماذا تحدث الأحداث في لحظات محددة ؟
- العراق من سيكولوجيا المظلومية إلى صراع الهويات ثم تقاطع المش ...
- مضيق هرمز من ممر للملاحة العالمية إلى ساحة حصار متبادل وتصفي ...
- العراق في قلب العاصفة
- كيف تحمي الليبرالية المحافظة حقوق المجتمع


المزيد.....




- فرنسا تقيّد شرب الكحول في الأماكن العامة بظل معاناة أوروبا م ...
- تركي آل الشيخ يشكر وزير الداخلية المصري على دعم مسلسل -الأمي ...
- لغز -قنديل البحر- في سماء إيران.. طيار أمريكي يروي ما رآه قب ...
- كيف تمكّنت إيران من الصمود في وجه الولايات المتحدة؟
- لماذا تعجز الولايات المتحدة وإيران عن إرساء سلام دائم؟
- أوروبا تستعد لحرب جديدة مع روسيا
- لماذا يحتاج زيلينسكي إلى مهاجمة بيلاروس؟
- وزير الخارجية اللبناني: نطالب بدعم عربي لاستقلالية مسارنا ال ...
- المينا الهندي: الطائر -الرومانسي الشرير- الذي يهدّد البيئة و ...
- -10 سنوات على بريكست، والوعود لم تتحقق- – ديلي إكسبريس


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - مهند المدني - كيف تحولت غزة والقضية الفلسطينية من مركز الأحداث في الشرق الأوسط إلى هامش الأجندات الدولية؟